في ضوء هذه الدراسة السابقة رأينا إسهام المُسْتَشْرِقِينَ من حيث (الكم والحجم) ونسبته إلى عملنا، أما من حيث اتجاههم الفكرية، التي يمثِّلها ويكشف عنها اختياراتهم، فقد أجرينا دراسة إحصائية على المجموعات السابقة من الكتب نفسها، وكانت النتيجة كما يلي:
أولًا: بالنسبة لما هو منشور في معجم الدكتور المنجد:
[الفن]-------------------------------- عدد الكتب -------------------النسبة المأوية
- التصوف والفلسفة وعلم الكلام ٤٠ ٤٣ %
- التراجم والتاريخ ٢٨ ٣٠ %
- تفسير ٢ ٢،١ %
- لغو ونحو ٣ ٣،٢ %
- أدب ٣ ٣،٢ %
- بلاغة ٣ ٣،٢ %
- رحلات وجغرافيا ٤ ٤،٣ %
- شعر وطرائف ٣ ٣،٢ %
- فقه ٤ ٤،٣ %
- علوم ٣ ٣،٢ %
٩٣ ٩٩،٧ %
ولا تختلف الاتجاهات كثيرًا بالنسبة لما هو منشور ي (ذخائر التراث)، حيث تتوزع الكتب على النحو التالي:
[الفن]-------------------------------- عدد الكتب ----------------النسبة المأوية
- التصوف والأخلاق ٤ ١٢،٥ %
- الديانات (مقارنة ونقد) ٢ ٦ %
- عقيدة وكلام ٢ ٦ %
- تاريخ ٧ ٢١ %
[ ١٥ ]
- تراجم ٣ ٩ %
- سيرة ١ ٣ %
- تفسير ١ ٣ %
- حديث ١ ٣ %
- أدب ٢ ٦ %
- شعر ٣ ٩ %
- لغة ونحو ٣ ٩ %
--------------------------------------- ٢٣ كتابًا ----------------------- ٩٨،٠ %
هناك كسور طفيفة تكمل بمجموعها المائة ١٠٠ %
ويجب أنْ ننبِّه هنا إلى ما يلي:
[أ] أنه قد يخالفنا مخالف في هذا التوزيع، ومرجع ذلك أنَّ هذه المؤلفات القديمة، قد يتنازعها أكثر من فنِّ من فنون المعرفة، وتصلح للانتساب لكل منها، بما حوته من موضوعات، ومن حيث الزاوية التي ينظر منها الناظر إليها، ومن حيث الاعتبار الذي يعتبرها به، فالكتاب في حياة أحد أئمة التصوف (مثلًا) قد يصنَّف في التراجم وقد يصنَّف في التصوُّف، بالنظر إلى ما حواه من مذهب الرجل وفكره.
وما برح مفهرسو الكتب يختلفون (أحيانًا) في الفن الذي يضعون تحته هذا الكتاب في فن من الفنون ويشار إليه ويحال عليه في الفن الآخر الذي يمكن أن يحتويه أيضًا.
[ب] أنَّ هذا التوزيع - على قوة دلالته، ليس كافيًا لتوضيح اتجاهات النشر عند القوم، فلا بُدَّ أنْ نرى أيَّ كتب في الفقه ينشرون، وأيَّ كتب في التاريخ، وأيَّ كتب في الفلسفة، وهكذا، فليس كل فقه ولا كل تراجم، ولا كل تاريخ، يكون كافيًا باسمه وعنوانه، و(صنفه).
ولعلَّ هذه النتائج ليست في حاجة إلى نظر أو تأمُّل، فهي تنطق
[ ١٦ ]
باتجاهات القوم في النشر بوضوح، وتكشف عن أهدافهم بجلاء، فالتصوُّف والفلسفة وعلم الكلام (وهو الاتجاه الأول عندهم) ليعرفوا السلوك، والفكر، والعقيدة، ويا ويل من عرف عدوّه، سلوكه ونفسه، وحقائق فكره، ومناحي آرائه، ومكامن عقيدته، وخفايا قلبه.
فهذا الولوع العجيب الغريب بدراسة هذه العلوم، ونشر مؤلفاتها، لا تفسير له إلاَّ في ضوء أهدافهم، فهم يتعرَّفُون على هذا اللون من الفكر، ويتَّبعون شطحاته وانحرافاته، وكي تقعد بالناس عن الجهاد، بل عن العمل، أيَّ عمل، ويرون كيف يقوم لهم هذا - إذا رَوَّجُوهُ بمُهِمَّة الجيوش، إذ يشُلُّ حركة الأمة، ويُقعدها عن المقاومة ن بل يُزَيِّنُ لها الاستسلام.
ومن أراد دليلًا على ذلك، فلينظر في تاريخ الجزائر، ليرى كيف قاوم (الطُّرُقِيُّونَ) المتصوِّفُون حركة ابن باديس (الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية) وهي حركة دينية إسلامية واعية، داعية لحفظ الذات، وصيانة الهُوية، ثم إلى مقاومة الجادَّة الثابتة، والوقوف في وجه (فَرْنَسَةَ) الجزائر، ومسخها، وكيف كان لدراسات المُسْتَشْرِقِينَ، ومطبوعاتهم أثر في هذا التوجيه الاستعماري الخبيث (للطرقيِّين) واستخدامهم ضد المجاهدين والوطنيِّين، وقد أكد هذا المعنى أستاذنا الدكتور محمود قاسم (١٢) حين قال: « إنَّ الاستعمار الفرنسي للجزائر استطاع بجبروته وعَسَفه أنْ يفرض لغته على كثير من المُثقفين في الجزائر وشمال إفريقية، غير أنه لم يستطع أنْ ينال كثيرًا من العقيدة الإسلامية، رغم ما بذله المُختَصُّون في شؤون الثقافة من محاولات لفصم العقلية الجزائرية، عن طريق تمجيد التصوُّف الكاذب، وإشاعة الخرافات والأباطيل، على نحو ما نراه
_________________
(١) العميد الأسبق لكلية دار العلوم. جامعة القاهرة، ولكلامه في هذه القضية وزنه وقيمته، فهو من القلائل الذين حصلوا على دكتوراه الدولة في الفلسفة من السوربون، وكان - ﵀ - من ألمع الدارسين للفكر العالمي، ثم هو أيضًا عايش هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ وخَبِرَهُمْ عن قُرْبٍ.
[ ١٧ ]
في مؤلَّفات لويس (ماسينيون) الذي خَصَّصَ حياته للكتابة في الحَلاَّج (١٣)، فجعله صورة من المسيح في الإسلام، وأعتقد أنَّ ماسينيون، ما كان يُعْنَى بالحلاَّج قد عنايته بتنفيذ مُخَطَّطٍ استعماري أحكم صُنْعَهُ؛ فقد ملأ كتابه الضخم عن الحلاَّج بحشد هائل من الخرافات والتُرَّهات والأباطيل، حتى يعمِّق الهُوَّةَ بين طائفتين توجدان بالجزائر: طائفة تتمسَّكُ بالقديم، فتنساق، حسب ظنِّهِ، إلى اعتقاد أنَّ هذه الخرافات والهذيانات هي صميم الإسلام، وطائفة مُثَقَّفَةٌ بالثقافة الحديثة تتَّجهُ من جانبها إلى السُخْرية والزراية بهذا الإسلام الخُرافي، بل من الإسلام كله» (١٤).
بل غير خافٍ أنَّ (لويس ماسينيون) هذا «كان مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون الشمال الإفريقي، والراعي الروحي للجمعيات التبشرية الفرنسية في مصر، وخدم الجيش الفرنسي خمس سنوات في الحرب العالمية الأولى» (١٥).
ومن أراد دليلًا آخر، فلينظر في تاريخ السودان، وكيف حاولوا أنْ يُمَزِّقُوهُ طوائف وفرقًا (وطُرُقًا) وكان أنْ تقدَّم أحدهم، وأعلن إسلامه وتسمَّى باسم الشيخ أمين، ولبس ملابس شيوخ الطُرُق، وعاث في عقول الناس فسادًا وإفسادًا، ثم هالهم أنْ طلع عليهم ذات صباح في صحبة (غوردون) قائد جيش الاحتلال الذي استدعته إنجلترا ليخمد ثورة السودان سنة ١٨٨٥ م (١٦).
ولعل في تلك الواقعة التي أوردها الدكتور محمد محمد حسين في كتابه
_________________
(١) مِمَّا يذكر بأسَى أنَّ عالمًا جليلًا نَعُدُّهُ مستنيرًا، أسرف على نفسه وعلى قُرَّائِهِ ذات حديث إلى مجلة إسلامية كبرى فمجَّد المُسْتَشْرِقِينَ، وما أدُّوهُ للتراث، ولما أراد أنْ يستدلَّ على قوله لم يجد إلاَّ عمل ماسينيون في تراث الحَلاَّج ودراسته، وهذا مِمَّا وقعنا فيه من تغرير وخداع.
(٢) الدكتور محمود قاسم: " الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية ": ص ٧، وانظر الفصل الثاني من ٣٥ - ٧٠.
(٣) الدكتور محمد البهي: " الفكر الإسلامي الحديث وصِلَتُهُ بالاستعمار الغربي ": ص ٥٥٦.
(٤) انظر بحثنا لكاتب هذه السطور بعنوان (جنوب السودان - دراسة تاريخية) " صحيفة التربية ".
[ ١٨ ]
" حصوننا مهدَّدةٌ من داخلها " (١٧)، وهي أنَّ مندوب مؤسسة روكفلر (١٨) الأمريكية كان يزور الجامعة السورية بدمشق، وقد تلكَّأ هذا المندوب ولاذ بمختلف المعاذير، حين أعربت له الجامعة عن حاجتها إلى بعض المخابر والأجهزة العلمية، ولكنه لم يلبث أن ظهر البشاشة، ولم يتردَّدْ في قطع الوعود بالمساعدة حين انتقل الحديث إلى إنشاء معهد لدراسة التصوف الإسلامي».
ففي تلك الأمثلة ما يشهد بأي اتجاه يريدونه لنا، فحين تعلق الأمر بالمخابر والأجهزة العلمية التي تنقلنا إلى العل وتنتج لنا منجزات العصر، كان التلكؤ والاعتذار، وحين كان الأمر متعلقًا بالتصوف كانت الاستعدادات جاهزة، والمنح مبذولة، والإمكانات متاحة، حيث ينقلنا ذلك الفكر إلى المتاهات، والخلافات، ونظل نمضغ أشياء لا تسمن ولا تغني من جوع.
وقد عَبَّرَ عن ذلك أصد تعبير في أوجز لفظ أستاذنا الدكتور محمود قاسم: «لقد نقلنا المُسْتَشْرِقُونَ إلى أرسطو على حين نقلوا أنفسهم وقومهم إلى مناهج المسلمين وعلومهم» (١٩).
ألف ليلة:
وإذا لم يكف كلُّ ما قدمناه من أدلة على اتجاه النشر عندهم، وأنهم يوجهونه إلى معرفتنا ثم إلى تمزيقنا وتدميرنا.
إذا لم يكف كلُّ ما قدمناه من أدلة على اتجاه النشر عندهم، وأنهم يوجِّهُونه إلى معرفتنا ثم إلى تمزيقنا وتدميرنا.
إذا لم يكف ذلك، فهل أتاك نبأ «ألف ليلة وليلة»؟؟ تلك القصص الخرافية التي رَوَّجُوهَا فينا، حتى فشت منها فاشية في كل أنحاء العالم الإسلامي، ومن يتتبَّع طبعاتها المتوالية، ويتتبَّع الدراسات والبحوث التي أجريت بشأنها، يُدرك أنهم جعلوها لنا زادًا واتَّخذوها - هم - مصدر الدراسات للمجتمع الإسلامي في عصوره الناهضة الواعدة، فجعلوا ما في هذه الأقاصيص من خرافات هي الصورة الحقيقية للمجتمعات الإسلامية.
_________________
(١) انظر: ص ١٤٤.
(٢) معلوم أنها مؤسسة تزعم أنها تقدم مساعدات ومعونات لتنمية الدول المُتَخَلِّفَةِ.
(٣) أنور الجندي: " المؤامرة على الإسلام ": ص ٢٠٩.
[ ١٩ ]
في إبان قيادتنا للإنسانية، وريادتنا للبشرية، وأيام إسعادنا للدنيا، وسعادتها بنا، جعلوا " ألف ليلة وليلة " هي الصورة (الحقة) لحياة المسلمين، حينما يسودون ويقودون، بمنهج يبدو مستقيمًا، في ظاهره، وفي حقيقته كل الالتواء، إذ قالوا: «إنَّ الأدب مرآة للمجتمع الذي يولد فيه» وهو وثيقة يُحَرِّرُهَا (الناس) بعيدًا عن السلطة، وعن المراقبة، حيث لا رغبة ولا رهبة، ولا مجاملة، وحيث يكتب من يكتب بنفسه لنفسه، لا يعنيه أْنْ يَطَّلِعَ الناس على ما يكتب، ولا يدري أنَّ الناس سيقرأون ويدرسون ما كتب (٢٠)، كذا قالوا.
وبهذا الأسلوب، وبهذا المنطلق صارت " ألف ليلة وليلة " معين الدارسين، منها يأخذون أخبار تاريخهم ومن وحيها يرسمون صورة أجدادهم، وآبائهم، ومن هنا لم نعجب حينما كتب (أحدهم) مقالًا هائجًا في مجلة سيارة من المجلات التي تدعو إلى (النهضة) وتحلم (باليقظة) لا نعجب إذ جعل عنوان مقاله: (لئلاَّ يعود هارون الرشيد).
وكتب كاتب واع ممن يدري من أين أتت هذه السموم، يرثي لحاله، ويدعوه أنْ يعاود النظر في تاريخ أمته وكان مقاله بعنوان (بل، ليعد هارون الرشيد).
ولا تعجب إذا سمعتَ - كما سمعتُ أستاذًا جامعيًا، ممن انعقد لهم لواء الريادة في مجال الفكر والتربية، وصياغة العقول، عقول شبابنا وأجيالنا المقبلة، صرخ ذات حديث عن التراث وهو يتأفف ويكاد يصاب بالغثيان: «أتريدوننا أنْ نعيد ليالي بغداد وهارون الرشيد؟؟؟.!!!».
وآخر ذات يوم يقول، وهو في نشوة الإعجاب بنفسه الراضي عن واقعه كل الرضا، شاعرًا أنه مفكر العصر والأوان. يقول: «كان هارون الرشيد
_________________
(١) لسنا هنا لمناقشة هذا المنهج (الآن) وهو الذي يبدو في ظاهره صائبًا لكن وراء ذلك ألف تحفظ وتحفظ.
[ ٢٠ ]
إذا صعد على الدرج في قصره، يصطف له صفان من العذارى على الجانبين، وهن عاريات الصدور متعطرات متبرِّجات بزينة، حتى يتكئ بيده على (النهود)!!.
هكذا تسري سموم " ألف ليلة وليلة " تقتل في بطء، وتفتك على مهل، وبدون أنْ تترك أثرًا أي أثر (مثل ذلك النوع من السموم التي صارت تستخدمه وكالات الاستخبارات (الحديثة) (المتحضِّرة) في التخلص من المناوئين.
ولو أردت أنْ تعرف مدى احتفاء هؤلاء بـ " ألف ليلة وليلة "، فانظر في " دائرة المعارف الإسلامية " لترى أنهم كتبوا عنها ٣٥ صفحة كاملة، وأنَّ نحو عشرين من عُتاتهم وأعلامهم أصدروا أبحاثًا عنها، ما بين دراسات وترجمات وتعليقات.
وبالتالي كان لنا مثل هذه العناية أو أشد، حتى صارت تقدم حلقات مسلسلة في الإذاعات مسموعة ومرئية، وكأنَّ ما كان من كتابات ودراسات، وطبعات ومختصرات، لم يكف، فأرادوا بالسم أنْ يصل إلى النخاع.
وآخر أخبر " ألف ليلة وليلة " ما كتبه الأستاذ أحمد بهجت في صحيفة " الأهرام " على لسان والد طالبة في كلية الآداب بجامعة القاهرة يشكو من تكليف ابنته بدراستها، واطلاعها على ما فيها من فُحْشٍ يخدش الحياء، ويرجو (فقط) أنْ تتاح لأبنائنا طبعة (مُهَذَبَةً) خالية من هذه (الألفاظ). وإلى هنا والأمر طبيعي لا شيء فيه، ولكن الذي يلفت الانتباه أنَّ الأستاذ الجامعي الذي أمر طلابه بهذا ثار وهاج وماج وسب وشتم، واتهم من يحول بين (الطالبات) وبين هذه الـ " ألف ليلة وليلة " بكل ما فيها وجعله جاهلًا بالتراث ولا يدري ما معناه وقيمته.
وهكذا تكون قد نجحت خطة القوم، في وضع " ألف ليلة وليلة " في بؤرة الشعور، أو في بؤرة التراث، إنْ صح هذا التعبير.
[ ٢١ ]