التقديم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا، أما بعد.
فإنَّ مَنْ أكثرَ النَّظر في كتب الحديث يلحظ أنَّ هنالك أسانيد يكثر تكرارها، بحث تُروى بها عشرات أو مئات الأحاديث. بل إنَّ معظم الأحاديث الصَّحيحة تدور على هذه الأسانيد.
وعلى سبيل التَّمثيل نقول: لو نظرنا - في الكتب السِّتَّة - إلى مرويات أربعة من الصَّحابة - ﵃ - ممن عُدَّ من أكثرهم رواية للحديث، وهم: ١ - أبو هريرة، ٢ - وعبد الله بن عُمر، ٣ - وأنس بن مالك، ٤ - وعائشة، - ﵃ -.
• فأبو هريرة - ﵁ - نجد أنَّ معظم حديثه، جاء من طريق ستَّةٍ من أصحابه، وهم: -
١ - أبو صالح ذَكوان السَّمان. وقد روى عنه بالمكرَّر (٥٨٢) (^١) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه: -
أ - الأعمش سليمان بن مِهران، حيث روى عنه بالمكرَّر: ٢٢٢ حديثًا.
ب سهيل بن أبي صالح، وقد روى عن أبيه بالمكرَّر: ٢١٨ حديثًا. وعلى هذا فسلسلة: الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة تروى بها مئات الأحاديث.
٢ - أبو سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوف. وقد روى عن أبي هريرة بالمكرَّر (٤٩١) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه: الزهري ومحمد بن عَمْرو بن علقمة. فهذه السِّلسلة وهي: الزهري ومحمد بن عَمْرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، تروى بها مئات الأحاديث.
٣ - عبد الرَّحمن بن هُرْمُز الأعرج. وقد روى عن أبي هريرة بالمكرَّر (٣٤٥) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه أبو الزِّناد، فقد روى عنه بالمكرَّر (٢٧٨) حديثًا. فهذه السِّلسة تروى بها مئات الأحاديث.
_________________
(١) كما في أطراف المزِّي، والأرقام التي بعده منه أيضًا.
[ ١ ]
٤ - سعيد بن المسيَّب. وقد روى عن أبي هريرة بالمكرَّر (٢٨٦) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه الزهري، فقد روى عنه بالمكرَّر (٢٧٣) حديثًا. فهذه السِّلسلة تروى بها مئات الأحاديث أيضًا.
٥ - سعيد المقْبُري. وقد روى عن أبي هريرة بالمكرَّر (١٤٠) حديثًا، ومن أشهر من روى عنه: عُبيد الله بن عمر ومحمد بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئب والليث بن سعد (^١) ومحمد بن عَجلان.
٦ - همَّام بن منبِّه. وقد روى عن أبي هريرة بالمكرَّر (١٢٤) حديثًا، وكلُّه من رواية مَعمر بن راشد عنه، سوى (^٢) حديثٍ واحدٍ من رواية وهب بن منبِّه عن أخيه همَّام عن أبي هريرة - ﵁ -.
• أمَّا عبد الله بن عُمر - ﵁ -، فأكثر من روى عنه ثلاثة، … وهم: -
١ - نافع مولاه، فقد روى عنه بالمكرَّر (١٠٨٠) حديثًا. ومن أكثر من عنه: عُبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأيوب السَّختياني وموسى بن عقبة والليث بن سعد، فهذه السِّلسلة بها مئات الأحاديث.
٢ - سالم بن عبد الله بن عُمر. وقد روى عن أبيه بالمكرَّر (٢٩٦) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه الزهري وموسى بن عقبة.
٣ - عبد الله بن دينار، مولى ابن عُمر - ﵁ -. وقد روى عنه بالمكرَّر (١٤٢) حديثًا، والمكثرون عنه هم: مالك وإسماعيل بن جعفر والثَّوري.
• وأما أنس بن مالك، فإنَّ من أكثر من روى عنه أربعة: -
١ - قَتَادَة بن دعامة السَّدوسي. وقد روى عنه بالمكرَّر (٣١٣) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه: سعيد بن أبي عَروبة وهشام الدَّستوائي وشعبة وهمَّام.
_________________
(١) وحديثه عن المقبري وإن كان قليلًا في الكتب الستة - كما يعرف من تحفة الأشراف - وفي الكتب العشرة - كما يعرف من إتحاف المهرة، إلا أنه مقدَّم جدًا في المقبري.
(٢) وقد رواه معمر أيضًا كما أشار إلى ذلك البخاري (١١٣) بقوله بعد رواية وهب: «تابعه معمر»
[ ٢ ]
٢ - ثابت البُناني. وقد روى عنه بالمكرَّر (٢٣٧) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه: حماد بن سلمة وحماد بن زيد وسليمان بن المغيرة القَيسي.
٣ - حُمَيد بن أبي حُمَيد الطَّويل. وقد روى عنه بالمكرَّر (٢٦٠) حديثًا، ومن المكثرين عنه: إسماعيل بن جعفر وحماد بن سلمة وخالد بن الحارث الهُجَيمي.
٤ - الزهري. وقد روى عنه بالمكرَّر (٩٧) حديثًا، وأما أصحاب الزهري فمشهورون.
• وأما عائشة ﵂ وعن أبيها، فأكثر من روى عنها أربعة هم: -
١ - عروة بن الزُّبير. وقد روى عنها بالمكرَّر (١٠٣٨) حديثًا، وأكثر من روى عنه ابنه هشام والزهري.
٢ - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق. وقد روى عنها بالمكرَّر (١٣٦) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه ابن عبد الرَّحمن.
٣ - الأسود بن يزيد النَّخعي. وقد روى عنها بالمكرَّر (١١٥) حديثًا، ومن أكثر من روى عنه إبراهيم النَّخعي.
٤ - عَمْرَة بنت عبد الرَّحمن الأنصاريَّة، وقد رَوَتْ عنها بالمكرَّر (٧١) حديثًا، ومن المشهورين الذين رووا عنها: الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري.
فتبيَّن مما تقدَّم أنَّ هذه الأسانيد القليلة يُروى بها آلاف الأحاديث. ولذا اهتمَّ أهل الحديث بالرُّواة المشهورين الذين تدور عليهم الأسانيد، واهتموا أيضًا بالسَّلاسل المشهورة وبالنُّسخ الإسنادية، والصُّحف الحديثية، وبيَّنوا أصحَّ الأسانيد، وجمعوا مرويَّات المشهورين بالرِّواية منهم في مصنَّفات (^١).
_________________
(١) كما جمع الذُّهلي حديث الزهري، وصنَّف النَّسائي مسند حديث الزهري ومالك بن أنس وشعبة والثَّوري وابن جريج ويحيى بن سعيد القطَّان. وصنَّف الدُّولابي مسند حديث شعبة والثَّوري وابن عيينة، وصنَّف إسماعيل القاضي مسند حديث يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السَّختياني، وصنَّف الحافظ دحيم مسند حديث الأوزاعي، ومثله الطبراني، وغير ذلك.
[ ٣ ]
فلذلك ينبغي لطالب الحديث أن يهتمَّ بهذا، ويكثر من مُدارسة هذا الأمر، حتى يفهم علم الحديث، ويعرف الأسانيد الصَّحيحة المشهورة من الأسانيد الغريبة والضَّعيفة، والمحفوظ من الشَّاذ والمنكر، وأن تكون له دَرَبَة في علم العلل، ليساعده هذا على فهم تعليلات المتقدِّمين للأخبار.
وقد قام الشَّيخ عادل بن عبد الشَّكور الزُّرَقي - وفَّقه الله … تعالى، بعد جمعه للرُّواة المكثرين الذين تدور عليهم أكثر الأسانيد (^١) - بجمع السَّلاسل المشهورة التي عليها مدار معظم الأحاديث الصَّحيحة. فجمع (١٦٠) سندًا من هذه السَّلاسل، ومعظمها في الصَّحيحين أو أحدهما، وقد بيَّن - جزاه الله خيرًا - ذلك بعد كلِّ سلسلة من هذه السَّلاسل.
وقد ترك سلاسل أخرى مشهورة أيضًا للاختصار، لأنَّ الأحاديث التي تُروى بهذه السِّلسلة أقلُّ من السَّلاسل التي اختارها، أو لعدم صحتها أو لأنَّ هذه السِّلسلة لا يكون صاحبها مكثرًا عن أحد من الصَّحابة بعينه، وإنما يكون مكثرًا عن جمع من الصَّحابة، كسلسلة إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازِم، فهي مشهورة وصحيحة جدًَّا، وقد روى عن إسماعيل جمعٌ من كبار الحفَّاظ، كوَكِيع بن الجرَّاح وجَرِير بن عبد الحميد وشعبة والثَّوري وغيرهم. فقيسٌ ليس مكثرًا عن أحد من الصَّحابة بعينه، وإنما روى عن جمع منهم.
قال سفيان بن عيينة: «ما كان بالكوفة أحدٌ أروى عن أصحاب رسول الله - ﷺ - من قيس بن أبي حازم».
_________________
(١) في كتاب «طبقات المكثرين من رواية الحديث».
[ ٤ ]
وقال يعقوب بن شيبة: «وقيس من قدماء التَّابعين، وقد روى عن أبي بكر الصِّديق فمن دونه وأدركه وهو رجل كامل، ويقال: إنه ليس أحدٌ من التَّابعين جمع أن روى عن العشرة مثله إلا عبد الرَّحمن بن عوف فإنَّا لا نعلمه روى عنه شيئًا، ثم قد روى بعد العشرة عن جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - وكبرائهم وهو متقن الرِّواية …».
وهذه السَّلاسل التي ذكرت ترتبط بسلاسل أخرى لم تذكر، مثل سلسلة: الزهري عن سالم عن ابن عُمر، ونافع عن ابن عُمر، تتصل بحديث عمر - ﵁ -، لأنَّ ابنه عبد الله من أكثر النَّاس رواية عن أبيه، إنْ لم يكن أكثرهم.
وسلسلة: أيوب وهشام بن حسان عن ابن سِيرين عن عَبيدة بن عَمْرو السَّلماني عن علي - ﵁ -.
وهشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أمِّها أمِّ سلمة ﵂.
وينبغي - أيضًا - الانتباه إلى السَّلاسل التي تبدأ من أصحاب كتب الحديث، وتتصل بالسَّلاسل السَّابقة.
كرواية محمد بن بشار: بُنْدار عن محمد بن جعفر: غُنْدَر عن شُعبة.
وكرواية مُسَدَّد ومحمد بن المُثنى عن يحيى بن سعيد القطَّان. والقطَّان روى عن جمع من المشاهير مثل إسماعيل بن أبي خالد وحُمَيد الطَّويل وسعيد بن أبي عروبة والأعمش وشعبة والثَّوري ويحي بن سعيد الأنصاري وغيرهم.
وكرواية عبد الله بن يوسف والقَعْنَبي ويحي بن يحيى التَّميمي وإسماعيل بن أبي أُويس عن مالك.
وكرواية الحُميدي وإسحاق بن راهُويه وزهير بن حرب وقُتيبة عن سفيان بن عُيينة، وغير ذلك، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
كتبه
عبد الله بن عبد الرَّحمن السَّعد
[ ٥ ]