إن اتصال السند شرط من شروط صحة الحديث، وقد سبق ذكره وتفصيله ضمن قيود الحديث الصحيح، والحسن، وتتنوع مسميات الحديث حسب موقع السقط في سنده، "فالسقط إما أن يكون في أوله أو في آخره أو في أثنائه، ويدخل تحت ذلك المرسل
والمعلق والمدلس والمنقطع والمعضل" (١)، ويتنوع كذلك من حيث وضوح السقط وخفائه، قال ابن حجر: "ثم إن السقط من الإسناد قد:
١ - يكون واضحا (٢) يحصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلا، لم يعاصر من روى عنه.
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٢) السقط الظاهر: وهو ما يعرفه الأئمة الحُذّاق وغير الحذّاق، ويُعرف هذا السقط من عدم حصول اللقاء بين الراوي ومن روى عنه؛ لأنه لم يُدرِك عصره، أو أدرك ولكنه لم يجتمع به، وليست له منه إجازة، ولا وِجادة. تفرعت عنه أربعة أنواع من الحديث الضعيف، وهي: المعلّق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع. الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث ٧٢، ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ٦٦.
[ ٢٤٤ ]
٢ - أو يكون خفيا (١) فلا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث، وعلل الأسانيد.
فالأول: وهو الواضح، يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه، بكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكن، لم يجتمعا، وليست له منه إجازة (٢)، ولا وجادة (٣).
ومن ثم، احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم.
والقسم الثاني: وهو الخفي: المدلَّس -بفتح اللام- سمي بذلك لكون الراوي لم يُسمِّ من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به.
واشتقاقه من الدَلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء" (٤).
فالسقط في الإسناد نوعان - كما ذكر ابن حجر-: سقط ظاهر، وسقط خفي، وهناك من عدَّ وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع (٥)؛ والتعبير بنفي الاتصال يشمل ذلك كله سواء
_________________
(١) السقط الخفي: وهو ما لا يعرفه إلا الحذّاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. تفرّع عنه نوعان من الحديث الضعيف، وهما: المدلَّس، والمرسَل الخفي. الخيرآبادي، المرجع السابق، ٧٢. ينظر: الخضير، المرجع السابق ٩٨.
(٢) الإجازة عند المحدثين تُعدّ قسم من أقسام نقل الحديث وتحمّله عن الشيوخ: وهي الإذن بالرواية أو التحديث لفظًا أو كتابة، ولها أنواع متعددة، واختلف النقاد في قَبول بعضها. للاستزادة ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٥٣، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٣١٤، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٢١٩، الأعظمي، المعجم، ٨.
(٣) الوِجادة: وهي أيضًا من أقسام تحمّل الحديث ونقله، ومثالها كما ذكره ابن الصلاح: "أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه، ولم يلقه، أو لقيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه، ولا له منه إجازة، ولا نحوها. فله أن يقول (وجدت بخط فلان، أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه أخبرنا فلان بن فلان) ويذكر شيخه، ويسوق سائر الإسناد، والمتن. أو يقول: (وجدت، أو قرأت بخط فلان عن فلان)، ويذكر الذي حدثه ومن فوقه". ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٧٨، للاستزادة ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٣٣٤، ابن حجر، النزهة، ١٦٠، الأعظمي، المعجم، ٥٢٢.
(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٣.
(٥) ذكر الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث تحت نوع المنقطع أنه على أنواع منها: "قد يروى الحديث، وفي إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع". الحاكم، علوم الحديث، ٢٨، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧. قال العلائي: "والتحقيق أن قول الراوي عن رجل ونحوه متصل ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به" العلائي، جامع التحصيل، ٩٦.
[ ٢٤٥ ]
كان الساقط واحدًا أو متعددًا، أو اختلف موضع السقط من الإسناد سواء كان في أوّله أو وسطه أو آخره.
وأنواع السقط الظاهر أربعة: المرسل، والمعلّق، والمنقطع، والمعضل، فإذا كان السقط في أول الإسناد فهو المُعلَّق، ومعناه في اللغة: "أن يناط الشيء بالشيء العالي" (١) وفي الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر (٢).
وتتفاوت شدة ضعف الإسناد كلما ازداد عدد الرواة الساقطون منه، وجُهلت عدالتهم وضبطهم، "وقد يُحكَم بصحته إن عُرِف، بأن يجيءَ مُسمّىً من وجه آخر لكن، قال ابن الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتاب اُلتزِمت صحته، كالبخاري، فما أَتى فيه بالجزم دل
على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حُذِف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال، وقد أوضحت أمثلة ذلك في النكت على ابن الصلاح" (٣).
أما المرسل (٤)، فمعناه في اللغة: من الإرسال بمعنى الإطلاق (٥)، واصطلاحا: اُختلف في تعريفه، وأشهرها: هو ما رفعه التابعي إلى النبي - ﷺ - سواء كان التابعي صغيرًا أم كبيرًا،
_________________
(١) ابن فارس، المقاييس، ٤/ ١٢٥.
(٢) قال ابن الصلاح: "ثم إن لفظ التعليق وجدته مستعملا فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، حتى إن بعضهم استعمله في حذف كل الإسناد. مثال ذلك: قوله " قال رسول الله - ﷺ - كذا وكذا، قال ابن عباس كذا وكذا. روى أبو هريرة كذا وكذا. قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا وكذا، قال الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - كذا وكذا ". وهكذا إلى شيوخ شيوخه." ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٤، ٦٩، ابن حجر، النزهة، ٩٨.
(٣) ابن حجر، النزهة، ٩٩ - ١٠٠. وقد أفرد ابن حجر فصلًا كاملًا في مقدمة شرحه لصحيح البخاري في بيان السبب في إيراده للأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة وشرح أحكام ذلك. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٤ - ٢٦، ابن حجر، النكت، ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤، ابن حجر، هدي الساري، ١٧ - ١٩.
(٤) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥١، ابن حجر، النزهة، ١٠٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢١٩، عتر، منهج النقد، ٣٧٠، الغوري، الموسوعة، ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٥) ينظر: الفيروزأبادي، القاموس، ١٠٠٦.
[ ٢٤٦ ]
ومنهم من جعل المرسل مختص بما أرسله كبار التابعين دون صغارهم، ويجعل ما يرفعه صغار التابعين من المنقطع. (١)
وقد ذكر ابن حجر العلة من إدراج الحديث المُرسل ضمن أنواع الحديث الضعيف فقال: "وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة" (٢)،
قال ابن الصلاح مستثنيًا لما يُطلق عليه مرسل الصحابي (٣): "ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه (٤) مرسل الصحابي، مثلما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله - ﷺ - ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم
_________________
(١) ينظر: ما ذكره ابن حجر من تفصيل لهذه التعريفات وتعقيبه عليها. ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٤٢ - ٥٤٦.
(٢) ابن حجر، النزهة، ١٠١. ومثال الحديث المرسل: ما أخرجه أبو داود في كتابه المراسيل، كتاب الطهارة، حيث قال: "حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا». وعطاء بن أبي رباح من التابعين، وهو في هنا قد رفع الحديث إلى النبي - ﷺ - دون أن يذكر الواسطة التي بينه وبين النبي - ﷺ - فهو مرسل. ينظر: أبو داود، المراسيل،، ٧٤ ح (٥).
(٣) مرسل الصحابي: هو الخبر الذي أرسله الصحابي الصغير عن النبي - ﷺ - ; كابن عباس، وابن الزبير، ونحوهما ممن لم يحفظ عن النبي - ﷺ - إلا اليسير، وكذا الصحابي الكبير فيما ثبت عنه أنه لم يسمعه إلا بواسطة. السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٩٢.
(٤) قال العراقي: "اعترض على المصنف في قوله ما يسمى في أصول الفقه بأن المحدثين أيضا يذكرون مراسيل الصحابة فما وجه تخصيصه بأصول الفقه والجواب: أن المحدثين وإن ذكروا مراسيل الصحابة فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها، وأما الأصوليون فقد اختلفوا فيها فذهب الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني إلى أنه لا يحتج بها، وخالفه عامة أهل الأصول فجزموا بالاحتجاج بها " العراقي، التقييد، ٧٩ - ٨٠.
[ ٢٤٧ ]
الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة (١)، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم." (٢)
والنوع الثالث من السقط الظاهر في السند هو المنقطع، وتعريفه في اللغة: القطع ضد الوصل (٣)، واصطلاحا: عرّفه ابن عبدالبر فقال: "المنقطع عندي كل ما لا يتصل سواء
كان يُعزى إلى النبي - ﷺ - أو إلى غيره" (٤)، وتعريفه يمثّل مذهب المتقدمين من حيث شمول لفظ المنقطع عندهم لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره.
وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته حين اختصر أقوال من سبقه في بيان معاني المنقطع فقال: "أن المنقطع: منه الإسناد فيه قبل الوصول إلى (التابعي) (٥) راو لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور، لا مُعينا ولا مُبهما، ومنه الإسناد الذي ذُكِر
_________________
(١) تعقّب العراقي ابن الصلاح فقال: "قوله (لأن روايتهم عن الصحابة) ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين." وقد استدرك ابن حجر على ما ذكره العراقي فقال: " قلت: وهو تعقب صحيح، لكن ألزم بعض الحنفية من يَردُّ المرسل بأنه يلزم على أصلهم عدم قبول مراسيل الصحابة - ﵃ - وتقرير ذلك أنه إذا لم يُعلَم أنه سمعه من النبي - ﷺ - احتمل أن يكون سمعه منه، أو من صحابي آخر، أو من تابعي ثقة، أو من تابعي ضعيف، فكيف يجعل حجة والاحتمال قائم؟ والانفصال عن ذلك أن يقال: قول الصحابي: قال رسول الله - ﷺ -؛ ظاهر في أنه سمعه منه أو من صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادرا جدا لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله بينوه وأوضحوه. وقد تتبعت روايات الصحابة - ﵃ - عن التابعين وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت، فهذا يدل على ندور أخذهم عن من يضعف من التابعين، والله أعلم". ينظر: العراقي، التقييد، ٧٥، ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٧٠.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٦.
(٣) ابن سيده، المحكم، ١/ ١٦٢، ابن منظور، اللسان، ٨/ ٢٧٩.
(٤) ابن عبدالبر، التمهيد، ١/ ٢١.
(٥) قال المحقق نور الدين عتر في هامش تحقيقه: "الصواب (الصحابي) لكن السهو وقع من الحاكم، وسرى إلى ابن الصلاح"، وهو ما ذهب إليه كذلك محقق المعرفة - ط دار ابن حزم- فقد استدرك على الحاكم قصره التعريف على المروي عن التابعي، وصوّب أن يُعمم التعريف في كل ما أُسند إلى قائل. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧، الحاكم، علوم الحديث، ١٧٣ ط دار ابن حزم بتحقيق السلوم.
[ ٢٤٨ ]
فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل، أو شيخ، أو غيرهما (١) ومنها: ما حكاه الخطيب أبو بكر عن بعض أهل العلم بالحديث أن (المنقطع ما روي عن التابعي أو من دونه موقوفا عليه، من قوله أو فعله) (٢). وهذا غريب بعيد، والله أعلم" (٣).
بينما خصّ المتأخرين تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي (٤).
أما النوع الرابع من السقط الظاهر في الإسناد فهو المعضل، ومعناه في اللغة: من " (عَضل) العين والضاد واللام أصل واحد صحيح يدل على شدّة والتواء في الأمر. والأمر المعضل: وهو الشديد الذي يُعيي إصلاحه وتداركه." (٥)
واصطلاحًا: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي (٦).
_________________
(١) هذه الأنواع نقلها ابن الصلاح عن الحاكم. قال العلائي: "والتحقيق أن قول الراوي (عن رجل) ونحوه: متصل، ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به". ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٢٧ - ٢٨، العلائي، جامع التحصيل، ٩٦.
(٢) هذا النوع يُطلق عليه المتأخرون المقطوع، قال ابن حجر: "المقطوع، وهو ما انتهى إلى التابعي. ومن دون التابعي من أتباع التابعين، فمن بعدهم، فيه، أي: في التسمية مثله، أي: مثل ما ينتهي إلى التابعي في تسمية جميع ذلك مقطوعا، وإن شئت قلت: موقوف على فلان. فحصلت التفرقة في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع؛ فالمنقطع من مباحث الإسناد -كما تقدم- والمقطوع من مباحث المتن، كما ترى، وقد أطلق بعضهم هذا في موضع هذا، وبالعكس، تجوزا عن الاصطلاح. ويقال للأخيرين، أي الموقوف والمقطوع: الأثر" ابن حجر، النزهة، ١٤٥. "تنبيه: تيقظ إلى أنك ربما وجدت في عبارة متقدم إطلاق لقب (المنقطع) يعني به (المقطوع) الذي هو الخبر عن التابعي لا يجاوزه، كما وجد في كلام بعضهم إطلاق (المقطوع) على (المنقطع)، وتبيُّنُه بالقرينة." الجديع، التحرير، ٢/ ٩١٢.
(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧ - ٥٩ باختصار.
(٤) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٩٥ - ١٩٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٥) ابن فارس، مقاييس اللغة، ٤/ ٣٤٥. باختصار.
(٦) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٩، الذهبي، الموقظة، ٤٠، ابن حجر، النزهة، ١٠٢، الأعظمي، المعجم، ٤٣٣. نبّه ابن حجر إلى وجود معنى آخر للمعضل فقال: "قد وجدت التعبير بالمعضل في كلام الجماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة " ثم ذكر أمثلة لذلك وأتبعها بقوله: " فإذا تقرر هذا فإما أن يكونوا يطلقون المعضل لمعنيين، أو يكون المعضَل الذي عرَّف به المصنف وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد، وهذا الذي نقلناه من كلام هؤلاء الأئمة بكسر الضاد ويعنون به المستغلقَ الشديد. وفي الجملة فالتنبيه على ذلك كان متعينا. فإن قيل: فمن سلف المصنف - في نقله - أن هذا النوع يختص بما سقط من إسناده اثنان فصاعدا؟ قلنا: سلفه في ذلك علي بن المديني ومن تبعه. وقد حكاه الحاكم في علوم الحديث عنهم." ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٩.
[ ٢٤٩ ]
"سمي بذلك لأن الحديث بسقوط واحد يصير مردودا، فإذا سقط منه اثنان أو أكثر كان أمره أشد، فكأن المحدث بهذا الإسقاط أعضله، أي أعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه" (١)
قال ابن الصلاح: "وهو لقب لنوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلا" (٢).
تلك الأنواع الأربعة السابقة تندرج تحت السقط الظاهر، أما السقط الخفي فيندرج تحته نوعان هما: المُدلّس، والمرسل الخفي (٣).
والتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (٤) قال ابن حجر: "واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء". (٥)
_________________
(١) عتر، منهج النقد، ٣٧٩.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٩. ومثال المعضل من الحديث، - والذي سقط من إسناده راويان أو أكثر على التتالي- بلاغات الإمام مالك -﵀- ومنها ما جاء في الموطأ عن مالك أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال: «استقيموا ولن تحصوا. واعملوا، عتر، منهج النقد، ٣٧٩. مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٥ م) ١/ ٣٤ ح (٣٦).
(٣) وسبق الإشارة إليهما في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح.
(٤) ينظر: الجوهري، الصحاح، ٣/ ٩٣٠. الفيروزآبادي، القاموس، ٥٤٦.
(٥) ابن حجر، النزهة، ١٠٣. وقال في النكت: "وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه." ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.
[ ٢٥٠ ]
والتدليس من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد.
ومعناه في الاصطلاح: أشار إليه الشافعي بقوله: "يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه" (١) وعرّفه ابن الصلاح بقوله: "وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر." (٢)، وتعريفه عام يشمل التدليس والإرسال الخفي؛ لذا تعقّبه ابن حجر وفرّق بينهما فقال: "وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي." (٣)، وأشار إلى وجه الاختلاف بينهما بقوله: "والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي
دقيق، وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي.
ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما." (٤)
وللتدليس أنواع ذكر ابن الصلاح منها نوعين هما: تدليس الإسناد - السابق تعريفه- وتدليس الشيوخ: "وهو: أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه أو يُكنِّيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به، كي لا يعرف." (٥) وقد استدرك عليه العراقي نوعًا ثالثًا فقال: "ترك المصنف ﵀ قسما ثالثا من أنواع التدليس، وهو شر الأقسام، وهو الذى
_________________
(١) الشافعي، الرسالة، ٣٧١.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٣.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.
(٤) ابن حجر، النزهة، ٣١، ينظر: القريوتي، الإرسال والتدليس، .
(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٤.
[ ٢٥١ ]
يسمونه تدليس التسوية" (١) وهذا النوع هو الذي أشار إليه الخطيب بقوله: "وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلا يكون ضعيفا في الرواية أو صغير السن ويُحسّن الحديث بذلك" (٢)، إلا أن ابن حجر تعقّب العراقي في ذلك، فقال:
"عندي أن ما فعله ابن الصلاح هو اللائق، والتحقيق أنه ليس لنا إلا قسمان:
الأول: تدليس الإسناد، والثاني: تدليس الشيوخ.
ويتفرع على الأول تدليس العطف، وتدليس الحذف.
وأما تدليس التسوية، فيدخل في القسمين، فتارة يصف شيوخ السند بما لا يعرفون به من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ، وتارة يسقط الضعفاء، فيكون تسوية السند،
وهذا يسميه القدماء: تجويدا، فيقولون: جوده فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء" (٣)
وأوضح المراد بتدليس القطع والعطف بقوله: "ويلتحق بتدليس الإسناد تدليس القطع: وهو أن يحذف الصيغة، ويقتصر على قوله مثلا الزهري (٤) عن أنس (٥). وتدليس العطف:
_________________
(١) العراقي، التقييد، ٩٥. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٠٥، ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٨٢٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٥٧.
(٢) الخطيب، الكفاية، ٣٦٤.
(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٤٥١.
(٤) محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر المدني، قال عنه الذهبي: "أحد الأعلام"، وقال ابن حجر: "الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه" مات سنة ١٢٤ هـ، وقيل: ١٢٥ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢١٩ (٥١٥٢)، ابن حجر، التقريب، ٥٠٦ (٦٢٩٦).
(٥) قال ابن حجر: "تدليس القطع مثاله ما رويناه في "الكامل" لأبي أحمد ابن عدي وغيره. عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂". النكت، ٢/ ٦١٧.
[ ٢٥٢ ]
وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له ويعطف عليه شيخا آخر له ولا يكون سمع ذلك من الثاني (١) " (٢)
والرواة المدلسون مراتب وطبقات، فمنهم من يُدلس عن الثقات ومنهم من يُدلِّس عن الضعفاء، وحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (٣)
نخلص مما سبق:
أن السقط في الإسناد نوعان: سقط ظاهر، وسقط خفي، وعدّ بعضهم وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع؛ لذا كان التعبير بنفي الاتصال يشمل كل ما يُعلّ به الحديث في سنده من حيث السقط الظاهر أو الخفي، وسواء كان الساقط واحدًا أو متعددًا، متفرقًا، أو متتاليًا، وسواء كان السقط في أوّل الإسناد أو وسطه أو آخره، فإن انقطاع السند يطعن في صحته وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلًا للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضًا واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.
_________________
(١) "تدليس العطف وهو: أن يروي عن الشيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع - أيضا - وإنما حدث بالسماع عن الأول، ثم نوى القطع فقال: فلان أي حدث فلان. مثاله: ما رويناه في "علوم الحديث" للحاكم قال: "اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئا مما يدلسه. ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئا؟ قالوا: لا فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئا؟ " ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٧. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٠٥.
(٢) ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٦.
(٣) سبق بيان مراتب المدلسين في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح، ينظر: العلائي، جامع التحصيل، ١١٣ - ١١٤، ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣ - ١٤، القريوتي، الإرسال والتدليس، ٤٧ - ٤٨.
[ ٢٥٣ ]