سبق الحديث عن المراد بالضبط وأنواعه ضمن قيد الضبط في فصل الحديث الصحيح،
والضبط نوعان وضّحهما ابن حجر - ﵀- بقوله:
"والضبط: ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه." (٢)
والمراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته (٣) مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ولا ريب أن هذه الصفات تتفاوت بين الجرح الخفيف والشديد، أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله: "ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط. ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر؛ لمصلحة اقتضت ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد" (٤)، فلم يحرص ﵀ على التمييز بين
_________________
(١) المراد بالطعن: جرح الراوي باللسان، والتكلم فيه من ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ١١٦.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٦٩. ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ١٦٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٨، الدهلوي، أصول الحديث، ٦٢.
(٣) بعد أن ذكر الدكتور نور الدين عتر تعريف الحديث الضعيف، وسرد شروط الحديث المقبول أضاف قيدًا لشرط الضبط بقوله (ولو لم يكن تامًا)، ثم علل لهذه الإضافة، فقال مستدركًا على من سبقه: "كذا عدها البقاعي والسيوطي وغيرهما: لكن عبروا بقولهم: "الضبط" بدون زيادة "ولو لم يكن تاما". وهذا مشكل لأنه إذا فقد تمام الضبط بأن خف ضبط الراوي، فإنه يصير عندئذ حسنا، ولا يكون ضعيفا، لذلك كان الصواب في التعبير عن هذا الشرط ما قلناه: "الضبط ولو لم يكن تاما". عتر، منهج النقد، ٢٨٦.
(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.
[ ٢٦٢ ]
وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة وبين وجوه الطعن المتعلقة بالضبط إنما سردها حسب شدة الطعن من الأشد وهو الوصف بالكذب إلى الأخف وهو الوصف بسوء الحفظ.
"أما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط فهي أيضا خمسة:
١ - فرط الغفلة.
٢ - كثرة الغلط.
٣ - مخالفة الثقات.
٤ - الوهم.
٥ - سوء الحفظ." (١)
وهي على التفصيل كما يلي:
الأول: وصف الراوي بفحش الغلط:
الغلط في اللغة: خلاف الإصابة، وأن تعيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه. (٢)
والمراد بفحش الغلط: أي: كثرته، وفحش الغلط في رواية الراوي أي: غلبة غلطه على صوابه. (٣)
قال سفيان الثوري: "ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك" (٤).
الثاني: وصف الراوي بكثرة الغفلة:
المغفل في اللغة: من لا فطنة له (٥)، والغفلة: عدم الفطنة لتمييز الصواب من الخطأ.
_________________
(١) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٩.
(٢) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٣٩٠، ابن منظور، اللسان، ٧/ ٣٦٣.
(٣) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٥٦٧.
(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤٤. مثال الراوي الذي تُرك حديثه لكثرة غلطه: أيوب ابن خوط أبو أمية البصري، قال عمرو بن علي: "كان أيوب أميا لا يكتب وهو متروك الحديث ولم يكن من أهل الكذب كان كثير الغلط كثير الوهم". ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٢٤٦ (٨٧٦)، ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٧ (١٨١).
(٥) الفراهيدي، العين، ٤/ ٤١٩، ابن منظور، اللسان، ١١/ ٤٩٢.
[ ٢٦٣ ]
والمراد بكثرة غفلة الراوي في الرواية: غلبة غفلته على تيقّظه فلا يتقنها. (١)
و"فرط الغفلة وكثرة الغلط متقاربان، فالغفلة في السماع وتحمل الحديث، والغلط في الإسماع والأداء" (٢)، وقد أطلق ابن حجر وصف النكارة على حديث فاحش الغلط أو كثير الغفلة فقال: "فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر" (٣).
وقد أشار الحميدي إلى بعض أنواع الطعون التي يُردّ بها الحديث، وذكر منها: فحش الغلط، وأوضح المراد بالغفلة التي يُردّ بها حديث الراوي فقال:
"فإن قال قائل: فما الشيءُ الذي إذا ظهر لك في الحديث أو من حدث عنه لم يكن مقبولا؟
قلنا: أن يكون في إسناده رجل غيرُ رِضا، بأمرٍ يَصِحُّ ذلك عليه: بكذب، أو جَرْحَةٍ في نفسه تُردُّ بمثلها الشهادة، أو غلطا فاحشا لا يَشْبَهُ مثله، وما أشبه ذلك.
فإن قال: فما الغفلة التي تَرُدُّ بها حديث الرجل الرِّضا الذي لا يُعرَفُ بكذب؟
قلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيُقال له في ذلك، فيترُك ما في كتابه ويُحدِّث بما قالوا، أو يُغيِّره في كتابه بقولهم، لا يَعقِل فرق ما بين ذلك، أو يُصحِّف تصحيفا فاحشا، فيقلب المعنى لا يَعقِلُ ذلك، فيُكَفُّ عنه" (٤)
الثالث: وصف الراوي بالوهم:
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٧١٥.
(٢) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٩.
(٣) ابن حجر، النزهة، ١١٣، وزاد السيوطي إطلاق وصف الترك على أحاديثهم، فقال: "الحديث الذي لا مخالفة فيه، وراويه متهم بالكذب، بأن لا يروى إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة، أو عرف به في غير الحديث النبوي، أو كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة يسمى المتروك" السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٠، ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣.
(٤) ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٣ - ٣٤. مثال الراوي كثير الغفلة: المسيب بن شريك التميمي كنيته أبو سعيد، أصله من بخارى سكن الكوفة مات سنة ١٨٦ هـ، قال عنه ابن حبان: "وكان شيخا صالحا كثير الغفلة، لم تكن صناعة الحديث من شأنه، يروي فيخطأ ويحدث فيَهِم من حيث لا يعلم، فظهر من حديثه المعضلات التي يرويها عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل التعجب." ابن حبان، المجروحين، ٣/ ٢٤.
[ ٢٦٤ ]
الوَهِم - بكسر الهاء - في اللغة: الغلط والسهو. (١)
والمراد بوهِم الراوي في الرواية: أي أخطأ وسها ورواها على سبيل التوهم.
والطعن على الراوي إنما يكون من جهة الوهم والنسيان وخطئه في الرواية، وكثيرًا ما تُعلُّ الأحاديث بسبب الوهم وهذا أغمض علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزق فهما وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وأحوال الأسانيد والمتون. (٢)
قال عبدالرحمن بن مهدي (٣): "الناس ثلاثة، رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه" (٤).
الرابع: وصف الراوي بمخالفة الثقات:
المخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٥).
_________________
(١) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ٦/ ١٤٩، ابن منظور، اللسان، ١٢/ ٦٤٤.
(٢) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٠. ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٧١٦. ومثال الراوي كثير الخطأ والوهم: أشعث بن سوار الكندي النجار الكوفي، مات سنة ١٣٦ هـ، ضعفه ابن معين، وقال عنه ابن حبان: " فاحش الخطأ كثير الوهم". ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٧١.
(٣) عبدالرحمن بن مهدى بن حسان العنبري، أبو سعيد البصري قال عنه الذهبي: "الحافظ، الإمام العالم، كان أفقه من يحيى القطان، قال على ابن المديني: أعلم الناس بالحديث عبدالرحمن"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث"، مات سنة: ١٩٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٤٥ (٣٣٢٣)، ابن حجر، التقريب، ٣٥١ (٤٠١٨).
(٤) ابن عدي، الضعفاء، ١/ ٢٦٤، ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٨، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤٣.
(٥) ينظر: ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨ مادة (خلف).
[ ٢٦٥ ]
وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (١).
والمراد بها: مخالفة الراوي - سواء كان ثقة أو ضعيف- لمن هو أرجح منه، فإن كان المُخالِف ثقة سُمِّي حديثه في اصطلاح المتأخرين شاذًا، وإن كان المُخالِف ضعيفًا سُمِّي
حديثه منكرًا. (٢) قال ابن حجر: "وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا." (٣)
ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (٤)
_________________
(١) "سبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها". أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها، ٢٥٩.
(٢) ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، الخيرآبادي، المعجم، ١٣٤. هذا هو اختيار ابن حجر؛ وإلا فإن ابن الصلاح، ومن وافقه، عندهم الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وقد سبقت الإشارة في الفصول السابقة لمعنى الشذوذ والنكارة، وسيأتي تفصيل كل مصطلح في الفصل الخاص به بإذن الله. مثال الراوي الموصوف بالمخالفة: " أشعث بن براز الهجيمي، كنيته أبو عبد الله، من أهل البصرة، يروي عن: قتادة وعلي بن زيد، روى عنه: زيد بن حباب، ومسلم بن إبراهيم، يخالف الثقات في الأخبار، ويروي المنكر في الآثار حتى خرج عن حد الاحتجاج به." ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٧٣.
(٣) ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤.
(٤) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٤ - ١١٩.
[ ٢٦٦ ]
وجعل المخالفة "من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط، من جهة أن الباعث على مخالفة الثقات إنما هو عدم الضبط والحفظ، وعدم الصيانة عن التغير والتبديل". (١)
الخامس: وصف الراوي بسوء الحفظ:
ذكر ابن حجر المراد بسوء الحفظ بقوله: "من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه" (٢)، وعرفه كذلك بأنه "عبارة عمن يكون غلطه أقل من إصابته" (٣)، وفرّق بين كثير الغلط وسيِّئ الحفظ فقال:
_________________
(١) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٠.
(٢) ابن حجر، النزهة، ١٢٩.
(٣) ابن حجر، المرجع السابق، ١٠٧. ملاحظة: اختلفت طبعات تحقيق كتاب النزهة-حسب اطلاعي- في بيان معنى سوء الحفظ، وترجيح أي العبارتين أصوب:
(٤) (عمن يكون غلطه أقل) هكذا في طبعة سفير الأولى بتحقيق الرحيلي حيث قال معلقًا في هامشها: "هذا هو الصواب، كما في الأصل، وفي بعض النسخ التي اطلعت عليها: عن أن لا يكون غلطه أقل وهذا غلط واضح وعكس للمقصود من العبارة! ."، وهي موافقة لطبعة الصباح بتحقيق نور الدين عتر.
(٥) وشاء الله ان أطّلع على الطبعة الثانية لتحقيق الدكتور الرحيلي، فوجدته قد غيّر اختياره السابق، فوضع عبارة (عن أن لا يكون غلطه أقل) في المتن، وقال في حاشيته: "في الأصل (عمن يكون) وهو لا يستقيم مع ما سيذكره المصنف أن سوء الحفظ المراد به: من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه، والمثبت من عدة نسخ. وقد نبّه على هذا الخطأ كثير من شراح النزهة." ووافقته طبعة دار الآثار، وكذلك ما ذهب إليه الدهلوي في أصول الحديث حيث قال: "وأما سوء الحفظ فقالوا: إن المراد به: أن لا يكون إصابته أغلب على خطئه، وحفظه وإتقانه أكثر من سهوه ونسيانه. يعني إن كان خطأه ونسيانه أغلب أو مساويا لصوابه وإتقانه كان داخلا في سوء الحفظ، فالمعتمد عليه صوابه وإتقانه وكثرتهما" وما ذهب إليه الرحيلي في طبعته الثانية، وما ذكره الدهلوي يشير إلى ترجيحهم أن معنى سوء الحفظ ألا يكون غلطه أقل من إصابته، وهذا قد يوقع في إشكال بيان الفرق بين الراوي كثير الغلط أو فاحشه وبين الراوي سيِّئ الحفظ. ولعل ما حرره الجديع في هذه المسألة بذكر درجات الراوي سيِّئ الحفظ المراجع: ابن حجر، النزهة، ١٠٧ الطبعة الأولى، ١٠٥ الطبعة الثانية، ابن حجر، نزهة النظر، تحقيق: نور الدين عتر، ٨٩. ابن حجر، نزهة النظر، ط دار الآثار، ٣٣، الدهلوي، أصول الحديث، ٧١ - ٧٢، ينظر: الجديع، التحرير، ١/ ٤٣٦ - ٤٥٦ باختصار.
[ ٢٦٧ ]
"وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقلُّ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط
علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وأن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء.
وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيِّئ الحفظ، أو لَهُ أوهام، أو لَهُ مناكير وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه، كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك" (١)
أي: إن أُخرِج في الصحيحين أو أحدهما من رواية سيِّئ الحفظ أو كثير الغلط فالاعتماد على أصل الحديث لا على هذه الطريق، وإنما هي من باب المتابعات والشواهد، ونسبة رواية كثير الغلط -في المتابعات- أقل من سيِّئ الحفظ.
فوصف سيِّئ الحفظ - عند ابن حجر- في أدنى مراتب التجريح وأسهلها (٢)، وفي أدنى مراتب طعن الراوي في ضبطه كما سبق معنا عند ترتيبه لوجوه الطعن في الراوي من الأشد إلى الأخف؛ لذا كانت روايته قابلة للانجبار إذا وُجد لها متابع فقال:
_________________
(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤.
(٢) وهو كذلك عند الذهبي- في مقدمة كتابه ميزان الاعتدال- حين ذكر مراتب جرح الرواة جعل سيِّئ الحفظ في أدناها وعلى كذلك العراقي في شرح التبصرة، وهي مرتبة من يُكتب حديثه، ويُنظر فيه للاعتبار. وقال ابن حجر في مقدمة كتابه التقريب: "وأسهلها-أي: الألفاظ الدالة على الجرح- قولهم: فلان لين، أو سيِّئ الحفظ، أو: فيه أدنى مقال." بل نجده قد أطلق هذا الوصف في كتابه التقريب على ما يقرب من اثنين وعشرين راويًا قرن سوء الحفظ بالصدق فقال: "صدوق سيِّئ الحفظ في واحد وعشرين منهم أرقام تراجمهم في التقريب كما يلي: ٤٤٠ - ١٤٥٠ - ١٧١٨ - ١٨٩٥ - ٢٠٥٤ - ٢١٧٨ - ٢٢٣٧ - ٢٦٨٧ - ٢٧٩٢ - ٣٠٩٥ - ٤٠١١ - ٥٨٧٠ - ٦٠٨١ - ٦٩٣٣ - ٦٩٨٨ - ٧٠١٠ - ٧٠٢٩ - ٧١٥٤ - ٧٤٠٨ - ٧٥٦٣ - ٨٠١٩. المراجع: ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٤، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٧٨، ابن حجر، التقريب، ابن حجر، النزهة، ١٧٥.
[ ٢٦٨ ]
"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع" (١)
بالإضافة إلى ما سبق، فإنه جعل سوء الحفظ على قسمين:
١ - "إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث.
٢ - أو إن كان سوء الحفظ طارئا على الراوي؛ إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء فهذا هو المختلط." (٢)
فنجده وصف رواية سيِّئ الحفظ - إن كان لازمًا للراوي- بالشذوذ، بينما أطلق وصف المنكر على رواية فاحش الغلط، والمنكر -عند ابن حجر- أشد ضعفًا من الشاذ. (٣)
نخلص مما سبق:
المراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ويتفاوت الطعن بين الجرح
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٢٩.
(٢) ابن حجر، المرجع السابق ١٢٩.
(٣) "لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ هو أشد ضعفا من الشاذ." ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٧.
[ ٢٦٩ ]
الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.