سبق في فصل الصحيح بيان معنى العدالة، والمراد منها، ومن ذلك قول ابن الصلاح: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا وتفصيله أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة." (٢)
وجاء عن الإمام مالك -﵀- قوله: "لا يؤخذ العلم من أربعة، وخذوا ممن سوى ذلك؛ لا يؤخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله - ﷺ -، ولا من شيخ له عبادة وفضل إذا كان لا يعرف ما يحدث." (٣)
والطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال أو البدعة، قال ابن حجر: "ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط." (٤)
"أما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس:
١ - الأول بالكذب ٢ - والثاني باتهامه بالكذب ٣ - والثالث بالفسق ٤ - والرابع بالجهالة ٥ - والخامس بالبدع" (٥) وهي على التفصيل كما يلي:
_________________
(١) "المراد بالطعن الخضير، الحديث الضعيف، ١١٦.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) ابن عدي، الضعفاء، ١/ ١٧٨، ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٢، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٠.
(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.
(٥) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٣.
[ ٢٥٤ ]
الأول: طعن الراوي ووصفه بالكذب:
وذلك: إذا روى عن النبي - ﷺ - ما لم يقله، متعمدًا الكذب، ويثبت كذبه في الحديث النبوي إما بإقرار الواضع، أو بغير ذلك من القرائن، ويُسمّى حديث المطعون بالكذب موضوعًا. (١)
الثاني: اتهام الراوي بالكذب:
"بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي." (٢)، ويُسمّى حديث المتهم بالكذب متروكًا. (٣)
وقد سبق معنا قريبًا قول الإمام مالك: "لا يؤخذ العلم من أربعة، ذكر منهم: ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لا تتهمه أن يكذب في حديث رسول الله - ﷺ - " (٤)
الثالث: طعن الراوي ووصفه بالفسق:
و"أصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة، والجَوْر، وبه سُمّي العاصي فاسقا." (٥)
وقيل: الفسق ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة. (٦)
_________________
(١) سيأتي - بإذن الله-الكلام عن الموضوع بشكل موسّع في الفصل الخاص به. ومثال الرواة الموصوفين بالكذب: معلى بن هلال الطحان كوفي، قال عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وسفيان بن عيينة: كذاب، وقال النسائي: معلى بن هلال ممن يضع الحديث. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٨/ ٩٩ - ١٠١ (١٨٥٤).
(٢) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.
(٣) مثال الرواة المتهمين بالكذب: "إسماعيل بن يحيى الشيباني ويقال له الشعيري متهم بالكذب" ابن حجر، التقريب، ١١٠ (٤٩٤)، "حمزة بن أبي حمزة الجعفي الجزري النصيبي، واسم أبيه ميمون وقيل عمرو متروك متهم بالوضع" ابن حجر، المرجع السابق ١٧٩.
(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٠.
(٥) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ٣/ ٤٤٦.
(٦) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٢٧، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٥.
[ ٢٥٥ ]
والمراد بالفسق هنا: الفسق العملي أي بالقول أو الفعل، أما الفسق بالمعتقد فهو داخل في الابتداع، وأكثر ما تُستعمل البدعة في الاعتقاد. والكذب وإن كان داخلا في الفسق العملي لكنهم عدوه أصلا على حدة، وأفردوه بالذكر في أولى مراتب الطعن في عدالة الراوي؛ لكون الطعن به أشد وأغلظ. (١)
وخبر الفاسق بارتكاب الكبائر والخروج عن طاعة الله تعالى لا يُقبل، وإن لم يظهر عليه الكذب، لأنه لا يؤمن أن يقع فيه حيث إنه مستهتر بمقام ربه، قد هتك الستر بينه وبينه والعياذ بالله، ولأن النصوص قد نهت عن قبول خبره بمجرد الفسق. إلا إذا أقلع عن ذنبه وتاب توبة نصوحا تبدل ما كان من حاله، إلى حال التقى فإنه يقبل خبره وتعود عدالته؛
لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). أما من لم يقع في الكبيرة، ولا عرف بالإصرار والاستهتار في الصغائر، فإنه يقبل حديثه، ويغتفر له ما قد يبدو منه من الهفوات، ويوهب نقصه لفضله. (٣)
الرابع: طعن الراوي ووصفه بالجهالة:
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الدهلوي، أصول الحديث، ٦٥. مثال الرواة الموصوفين بالفسق: قال الذهبي في الميزان: "محمد بن عمر، أبو بكر الجعابى الحافظ من أئمة هذا الشأن ببغداد، على رأس الخمسين وثلثمائة، إلا أنه فاسق رقيق الدين". الذهبي، الميزان، ٣/ ٦٧٠ (٨٠٠٦).
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٠
(٣) ينظر: عتر، منهج النقد، ٨١ - ٨٢. بتصرف يسير.
[ ٢٥٦ ]
والمراد بجهالة الراوي: بأن لا يُعرف فيه تعديل ولا تجريح معين. (١) وسبب الطعن بالجهالة؛ لأنه لما لم يُعرف اسمه وذاته لم يُعرف حاله وأنه ثقة أو غير ثقة. (٢)
وقال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" (٣).
وقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور.
وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يُوثّق. (٤)
وتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعدًا عنه قال الخطيب البغدادي: "وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه" (٥).
"وإنما يصبح من طبقة (مجهول الحال) وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة أو (المستور) وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم" (٦).
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٠٧.
(٢) ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، ٦٥ - ٦٦.
(٣) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨.
(٤) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١ - ١١٢، ابن حجر، النزهة، ١٢٦.
(٥) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨ - ٨٩.
(٦) عتر، منهج النقد، ٩٠
[ ٢٥٧ ]
"الأصل في المجهول التوقف في حديثه حتى تستبين عدالته، وهو ملحق بالحديث الضعيف حكمًا لفقدانه أحد شروط الصحة؛ إلا إن وجد مؤيد ومقوٍّ له من متابعة أو شاهد، فإنها قد تجبره وترتقي به" (١).
الخامس: طعن الراوي ووصفه بالابتداع (٢):
البدعة في اللغة: ابتداء الشيء لا عن مثال سابق، يُقال: أبدعت الشيء قولا أو فعلا: إذا
ابتدأته أو اخترعته لا عن سابق مثال. (٣)
_________________
(١) عبدالجواد حمام، جهالة الرواة ٢/ ١١٣٧. وقد لخّص أثر الجهالة في الحكم على الرواية في النقاط التالية:
(٢) جماهير المحدثين على رد حديث مجهول العين وعدم الاحتجاج به؛ لفقدان شرط العدالة والضبط في راويه.
(٣) العدالة والضبط لا يثبتان عند جمهور المحدثين إلا بمُثبتٍ، والراجح أن الأصل في الراوي التوقف حتى تثبت عدالته وضبطه، ولا يقال: الأصل فيه الفسق.
(٤) جمهور المحدثين لا يحتجون بحديث مجهول الحال ما لم ترتفع جهالته من طريق معتبر.
(٥) نص كثير من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجح لكفَّة العدالة على كفَّة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولا ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلا بدليل.
(٦) على القول بقبول حديث المستور فإنه لا يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولا يُعارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال.
(٧) يحكم المحدثون على حديث الراوي المجهول بالقبول إذا كان موافقا للثقات، ويحكمون عليه بالرد والبطلان إذا خالف الثقات أو تفرّد بما يُنكر عليه.
(٨) محل الخلاف في حديث المجهول هو حالة تفرّده بما لا يظهر فيه مخالفة للثقات، ولم يتضمن المروي ما ينكر عليه سندًا ومتنًا، وكان محتملًا.
(٩) حديث مجهول العين ليس بشديد الضعف، وهو صالح للاعتبار والتقوية إذا وجد له ما يقويه.
(١٠) الأصل في الجهالة ألا تصنف في العلل لكونها من أسباب الضعف الظاهرة في الحديث، لكن المحدثين ربما توسعوا فأطلقوا العلة على كل سبب قادح ومنها الجهالة" حمام، المرجع السابق، ٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤.
(١١) يرى الدكتور خلدون الأحدب أن الجرح بالتبديع يلي في شدته الجرح بالكذب في حديث رسول الله - ﷺ -؛ لاتصاله بعقيدة المرء، وأن التهمة به تستلزم التمحيص والتثبت. إلا أن ترتيب ابن حجر لمسببات الطعن في الراوي حسب الأشد جعل الفسق العملي (بالقول أو الفعل) في مرتبة أشد، ورواية الفاسق جعلها ضمن المنكر المردود بلا خلاف، حيث قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم". بينما جعل الفسق الاعتقادي (البدعة) أخف في التجريح من الفسق العملي، وذكر اختلاف النقاد في رواية المبتدع بين القبول والرد. المراجع: الأحدب، أسباب اختلاف المحدثين ٢/ ٤٨٧. ينظر: مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٨، ابن حجر، النزهة، ١٠٦ - ١٢٨، الخضير، الضعيف، ١٥٥ - ١٥٦.
(١٢) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ١/ ٢٠٩، ابن منظور، اللسان، ٨/ ٦.
[ ٢٥٨ ]
وفي الاصطلاح: قال ابن حجر: "هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي - ﷺ -، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة." (١)
والبدعة "إما أن تكون بمكفر:
١ - كأن يعتقد ما يستلزم الكفر.
٢ - أو بمفسق.
فالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقا، وقيل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته قبل. (٢)
والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف.
فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله. (٣)
والثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف، أيضا، في قبوله ورده:
فقيل: يرد مطلقا. وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع.
وقيل: يقبل مطلقا، إلا إن اعتقد حل الكذب، كما تقدم.
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ١٠٧.
(٢) قال الخطيب البغدادي في الكفاية: "وذهبت طائفة من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء، الذين لا يُعرف منهم استحلال الكذب والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة، وممن قال بهذا القول من الفقهاء أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي فإنه قال: وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، وحكى أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري، وروي مثله عن أبي يوسف القاضي " قال ابن تيمية: "والبدع متنوعة، فالخوارج مع أنهم مارقون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ليسوا ممن يتعمد الكذب، بل هم معروفون بالصدق حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث لكنهم جهلوا، وضلوا في بدعتهم، ولم تكن بدعتهم عن زندقة، وإلحاد، بل عن جهل، وضلال في معرفة معاني الكتاب". المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٢٠، ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ١/ ٦٧.
(٣) وقد رجّح الدكتور الخضير ما حققه ابن حجر. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ١٦٦. ذكر الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل -ضمن أقسام الصحيح المختلف فيه-: "روايات المبتدعة وأصحاب الأهواء فإن رواياتهم عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين." وقال ابن دقيق العيد: "الذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية؛ إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة، إلا بإنكار متواتر من الشريعة. فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية وهذا مذهب الشافعي ﵁ فيما حُكي عنه". المراجع: الحاكم، الإكليل، ٤٩، ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥٨.
[ ٢٥٩ ]
وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته (١)؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا في الأصح " (٢)
"وبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء". (٣)
وما وقع في صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما من وقوع الرواية عن بعض المبتدعة، فقد اعتذر الحافظ ابن حجر ﵀ عن ذلك بأنه: "لم يكن داعية، أو كان وتاب، أو اعتضدت روايته بمتابع". (٤)
ثم إن عدد هؤلاء الرواة - ممن فيهم بدعة - تسعة وستون، (٥) وهو عدد يسير جدًا مقارنة بعدد رواة البخاري وهم بضعة آلاف، وهذا يُظهر جليًا أن الرواية في الصحيح عن المبتدعة معدول بها عن الأصل. (٦)
_________________
(١) قال عبدالرحمن بن مهدي: "ثلاثة لا يؤخذ عنهم: المتهم بالكذب، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، والرجل الغالب عليه الوهم والغلط"، وقال أيضًا: "من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك"، وسئل الإمام أحمد بن حنبل: "أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: "نعم يكتب عنه إ ذ لم يكن داعيا". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٢٦ - ١٢٨، ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٩٩.
(٢) ثم قال: "وأغرب ابن حبان؛ فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية، من غير تفصيل. نعم، الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوي بدعته فيرد، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال"، فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغ عن الحق -أي عن السنة- صادق اللهجة؛ فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرا، إذا لم يقو به بدعته انتهى. وما قاله متجه؛ لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع، ولو لم يكن داعية، والله أعلم". ابن حجر، النزهة، ١٢٦ - ١٢٨. ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، ٦٦ - ٦٧.
(٣) الدهلوي، المرجع السابق، ٦٧. قال الذهبي مُلخّصًا لهذه المذاهب: " فإن كان كلامهم فيه من جهة معتقده، فهو على مراتب: فمنهم: من بدعته غليظة. ومنهم: من بدعته دون ذلك. ومنهم: الداعي إلى بدعته. ومنهم: الكافُّ، وما بين ذلك. فمتى جمع الغلظ والدعوة، تجنب الأخذ عنه. ومتى جمع الخفة والكف، أخذوا عنه وقبلوه. فالغلظ كغلاة الخوارج، والجهمية، والرافضة. والخفة كالتشيع، والإرجاء. وأما من استحل الكذب نصرا لرأيه كالخطابية، فبالأولى رد حديثه." الذهبي، الموقظة، ٨٥، ينظر: ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٤) ابن حجر، هدي الساري، ٤٥٩.
(٥) تقسيم الرواة حسب ثبوت البدعة وتوفر شروط القبول:
(٦) الرواة الذين لم تثبت لهم بدعة أو تابوا عددهم واحد وثلاثون.
(٧) الرواة الذين ثبتت لهم بدعة وتوافرت فيهم شروط القبول عددهم أربعة وثلاثون.
(٨) الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول، وقُبلت روايتهم لاعتبارات أخرى هو راوٍ واحدٍ فقط.
(٩) الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول عددهم ثلاثة. ينظر: إندونيسيا خالد حسون، منهج الإمام البخاري في الرواية عمن رمي بالبدعة، ٢/ ٩٨٤.
(١٠) ينظر: العثمان، المحرر في مصطلح الحديث، ٤٠٤ - ٤٠٥ بتصرف. ملاحظة: "ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن رجال الجرح والتعديل عدوا في مصنفاتهم كثيرًا ممن رُمِيَ ببدعة، وسَنَدُهم في ذلك ما كان يقال عن أحد من أولئك أنه شيعي أو خارجي، أو ناصبي أو غير ذلك، مع أن القول عنهم بما ذُكر قد يكون تقوُّلا، وافتراء، ومما يدلُّ عليه أن كثيرًا ممن رمي بالتشيع من رواة الصحيحين لا تعرفهم الشيعة أصلا القاسمي، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ١٩٥.
[ ٢٦٠ ]
نخلص مما سبق:
الطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل، وتتأثر شدتها كذلك حسب تشدد الناقد أو تساهله، وغالب دلالات هذه الألفاظ مرتبط بجانبي العدالة والضبط عند الراوي (١)، والتي تؤثر في درجة ضعف الحديث بين الضعف المحتمل والشديد، ولأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية كان الطعن فيها أشد.
_________________
(١) وذلك مبسوط في كتب الجرح والتعديل. ومن ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في مراتب جرح الرواة: منهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام. ومنهم من ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب - فهذا يترك حديثه ويطرح روايته. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١/ ١٠ بتصرف يسير، ينظر كذلك: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٢١ - ١٢٧، مقدمة ابن حجر في كتابه تقريب التهذيب، ابن حجر، التقريب، ٧٤ - ٧٦.
[ ٢٦١ ]