إن من الحديث ما يكون ضعفه يسيرًا قابلا للانجبار في حال وجود ما يعضده ويقويه، وسبق معنا في الحديث الحسن بيان المراد من قيد المعاضدة والمتابعة، حيث خصّ هذا
القيد - من أنواع الحديث المقبول- الحديث الحسن لغيره، إذ كان فيه ضعف خفيف انجبر بالمُعاضِد من المتابع أو الشاهد، وأصبح في عداد المقبول، أما إن انعدم المُعاضِد بقي الحديث على حاله من الضعف.
فهذا السبب أو المسلك من مسالك الضعف إنما يخص أنواعًا من الضعيف وهو القابل للانجبار، أما غير القابل للانجبار فيظل على حاله سواء وُجد له متابع أم لم يوجد.
قال ابن الصلاح: "ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:
فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر.
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا.
_________________
(١) سبق بيان معنى المعاضدة والمصطلحات الدالة عليها والغرض منها في قيد المتابعة والمعاضدة في الحديث الحسن.
[ ٢٧٠ ]
وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم." (١)
وقال ابن حجر في كتابه النزهة:
"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه
صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه." (٢)
ولتقوية الحديث الضعيف شروط، حصرها الدريس في ستة شروط (٣) على النحو التالي:
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٤. "فالضعف الخفيف أو اليسير في الحديث: بأن يكون سبب ضعفه سوء حفظ أحد الرواة، أو الانقطاع في السند، أو الجهالة في الرواة. فالحديث المعلق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع، والمدلَّس، والمرسل الخفي، وحديث المختلِط، والمتلقِّن، ومجهول العين، ومجهول الحال، والمبهم، ضعف هذه الأحاديث خفيف، ترتقي إلى الحسن لغيرها إذا رويت من طريق آخر أحسن منها أو مثلها، أو الطرق الأخرى والضعف الشديد (في الحديث): بأن يكون سبب ضعفه الكذب، أو التهمة بالكذب، أو البدعة، أو الفسق، أو كثرة الخطأ، أو الشذوذ، أو النكارة، أو الوهم. فالحديث الموضوع، والمتروك، وحديث المبتدع إذا كان في بدعته، وحديث الفاسق، وكذلك الحديث الشاذ والمنكر بأنواعه الستة: المدرج، والمقلوب، والمزيد في متصل الإسناد بشروطه، والمضطرب، والمصحَّف، والمحرَّف، وكذلك المعلول. هذه الأحاديث ضعفها شديد لا ترتقي إلى درجة الحسن لغيرها. ينظر، الخيرآبادي، المعجم، ٨٩.
(٢) ابن حجر، النزهة، ١٢٩ - ١٣٠، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٤، الفحل، العلل، ٣٥.
(٣) يُضاف إليه شرط سابع ذكره الجديع في كتابه تحرير علوم الحديث، وهو: أن يكون حديثًا له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه. أي: إن كان الضعيف المراد تقويته حديثًا مرفوعًا، وجب في جابره أن يكون مرفوعًا، صراحة أو حكمًا؛ لأن المراد تقوية أحد الطريقين بالآخر لتصحيح نسبتهما إلى نفس القائل أوالفاعل. ويخرج منه: تقوية الحديث بما ليس بحديث، أو بما نسبته إلى من هو دون درجة من ينسب له ذلك الحديث. ولذلك طرق لا يصلح اتباع شيء منها لتقوية نسبة الحديث الضعيف إلى النبي - ﷺ -. أولها: تقويته بموافقة ظاهر القرآن، زعمه بعضهم، وهذا يكون صحيحًا أن يقال: المعنى الذي جاء به الحديث الضعيف موجود في كتاب الله، لكن يبقي للحديث وصف الضعف في نسبته إلى النبي - ﷺ - قولًا أو فعلًا. ثانيها: تقويته بالموقوفات على الصحابة، فالحديث الموقوف لا يقوي المرفوع إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن من أحاديث بني إسرائيل. ثالثها: تقوية الحديث بجريان العمل أو الفتوى به، حيث يستأنس بالضعيف الذي لا معارض له، إذا جرى عليه عمل أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم في عصر النقل والرواية. أما عد ذلك العمل منهم دليلًا على ثبوت الحديث، فلا، إذ العمل قد يجري بالشيء بناء على أصل آخر، من دلالة كتاب أو سنة صحيحة غير هذا الحديث. رابعها: تقوية الحديث باستدلال المجتهد به، وهذا أضعف مما تقدم. خامسها: تقوية الحديث عن طريق الكشف، وهذا يُذكر عن بعض متأخري الصوفية، وليس هذا بطريق من طرق العلم. سادسها: تقوية الحديث بمطابقته للواقع، وهذا طريق لم يسلكه المتقدمون، وقل من سلكه من المتأخرين، وهذا منهج يضرب عن قوانين الحديث صفحًا، ويسقط الاعتداد بالقواعد. ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٨٧ - ١٠٩٤، المرتضى الزين، مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث ٢٢ - ٣٤، ٨١ - ٨٣.
[ ٢٧١ ]
١ - أن لا يكون فيه متهم بالكذب أو من لا يُعتبر به.
٢ - أن يروى من وجه آخر فأكثر، وأقل ما تحصل به تقوية الضعيف أن يروى من وجه آخر صالح للاعتبار، وكلما كثرت الطرق المعتبر بها، كلما قوي الظن بثبوت الحديث (١).
٣ - عدم مخالفته لما هو أقوى منه (٢).
٤ - أن لا يختلف معنى المتن (يُشترط في متن الشاهد أن يكون موافقًا في معناه لحديث الأصل) (٣).
٥ - اختلاف المخارج، والمقصد من اشتراط ذلك: أن يكون للحديث أكثر من راوٍ واحد، وحتى لا تكون الطرق المتعددة في حقيقتها تدور على راوٍ واحد، ولا شك
_________________
(١) "والمعمول به عند من يرى أن الحديث يتقوى بمجموع طرقه الضعيفة أن الحديث الضعيف يتقوى بمتابع أو شاهد إذا كان صالحًا للاعتبار وسلم من الشذوذ، فكل ما كان صالحًا للاعتبار فهو مساوٍ من حيث القوة النسبية للحديث الأول." الدريس، الحسن، ٥/ ٢١٨٦، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٤، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.
(٢) لأنه بالمخالفة يكون شاذًا أو منكرًا، وسيأتي الحديث عن الشذوذ المردود ضمن مسالك الضعف إلى الحديث، وذلك في المسلك التالي.
(٣) يؤيد ذلك قول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي: "يروى نحوه من غير وجه، يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي - ﷺ - ". وقال أيضًا: " المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه." ابن رجب، العلل، ٢/ ٦٠٦.
[ ٢٧٢ ]
أنه كلما كانت المخارج مختلفة ومتنوعة مع صلاحيتها للاستشهاد كان ذلك أقوى وأكمل وأبلغ في انجبار الضعف (١).
٦ - أن يحصل غلبة ظن بقوة الحديث من مجموع الطرق الضعيفة. (٢)
ومن الأسباب التي قد تكون مانعة لتقوية الحديث الضعيف المعتضد بحديث آخر مثله قابل للاعتضاد، ولها تأثير في غلبة ظن الباحث ما يلي:
- أن يترجح للناقد أو الباحث خطأ الراوي الشاهد أو خطأ الراوي الأول (٣).
- أن يكون المتن فيه إثبات فرض أو تحريم (٤).
- تفرد الضعيف بما لا يُحتمل له. (٥)
_________________
(١) اشترط ابن رجب كذلك تعدد الطرق واختلاف المخارج في المتابِع، فقال: "يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي - ﷺ - بغير ذلك الإسناد. فعلى هذا الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهمًا، كله حسن؛ بشرط أن لا يكون شاذًا، مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة." المرجع السابق.، ويؤيده كذلك قول ابن حجر: "فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا". ابن حجر، الفتح، ٨/ ٤٣٩.
(٢) نقل الخطيب البغدادي عن عبدالرحمن بن مهدي قوله في الحافظ المتقن: "ويجب أن يتثبت في الرواية حال الأداء، ويروي ما لا يرتاب في حفظه، ويتوقف عما عارضه الشك فيه". الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٥.
(٣) وقال ابن حجر في النكت -في ضابط المرويات القابلة للانجبار-: "لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر.". ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.
(٤) قال ابن أبي حاتم في كتابه المراسيل: "سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا". ابن أبي حاتم، المراسيل، ٧.
(٥) حيث يُطلق النقاد على هذه المرويات وصف: المنكر، والباطل، وما لا أصل له. ينظر: كتب العلل، وكتب التراجم الخاصة بذكر الضعفاء وبعض مروياتهم، كالضعفاء لابن عدي.
[ ٢٧٣ ]
- إذا اجتمع في الحديث أكثر من سبب للضعف (١).
- وجود سبب خاص أو قرائن خاصة (٢) تُضعف صلاحية الحديث للاستشهاد. (٣)
نخلص مما سبق:
تتفاوت درجات الحديث الضعيف في الضعف بين خفيف الضعف وشديده، وخفة الضعف تنجبر بوجود العاضد المقوي لها -بالشروط التي سبق ذكرها- بينما الشديد الضعف يظل على حاله ولا يقبل الانجبار.
وإن انتفاء العاضد للضعيف القابل للانجبار يجعل الحديث الضعيف باقيًا على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.