والخفي في اللغة من: الاستتار وعدم الظهور، وهو خلاف الظاهر. (١)
والغامض من الكلام: خلاف الواضح. (٢)
وبالنظر إلى ما سبق من تعريفات للعلة، فقد أشار الحاكم إلى قيد الغموض والخفاء في العلة حيث قال: "يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٣)
_________________
(١) ينظر: ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٦٥، المعجم الوسيط، ١/ ٢٤٧.
(٢) ينظر: الرازي، الصحاح، ٣/ ١٠٩٦، المعجم الوسيط، ٢/ ٦٦٢.
(٣) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣. ومن أمثلة غموض العلة وخفائها، ما صرّح به أبوحاتم في تعليله لبعض الأحاديث بقوله: (هذا الحديث له علة قل من يفهمها، أو ومن لا يفهم يستغرب هذا، ونحو ذلك من العبارات الشبيهه ) ومثال ذلك: - المثال الأول: قول ابن أبي حاتم: "وسألت أبي عن حديث رواه إسحاق بن الطباع، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؟ قال أبي: هذا من تخاليط ابن لهيعة، ومن لا يفهم يستغرب هذا، وهو عندي خطأ؛ وحدثنا أبو الأسود، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه؛ أنه كان يقول: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ وهذا أشبه. ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٣٦ - ٣٨ (١٢٣٣). - المثال الثاني: قوله: "وسألت أبي عن حديث رواه قيس بن الربيع، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان؛ قال: قلت للنبي - ﷺ -: قرأت في التوراة: بركة الوضوء قبل الطعام، فقال رسول الله - ﷺ -: بركة الطعام: الوضوء قبل الطعام وبعده؟ قال أبي: هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيح؛ كان حديثا، وأبو هاشم الرماني ليس هو. قال: ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي عمرو بن خالد، عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم، وعن حبيب بن أبي ثابت. قال أبي: روى عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي - ﷺ - أحاديث موضوعة؛ خمسة، ستة. قال أبي: ومن لم يفهم - ورأى تلك الأحاديث التي يروي عنه ابن جريج، وحسين المعلم - يظن أن [أبا] خالد هذا هو الدالاني، والدالاني ثقة، وهذا ذاهب الحديث، ومن يفهم لم يخفى عليه. ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٤ (١٥٠٢). - المثال الثالث: قوله: "وسمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية؛ قال: حدثني أبو وهب الأسدي؛ قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: (لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه). قال أبي: هذا الحديث له علة قل من يفهمها؛ روى هذا الحديث عبيدالله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، وعبيدالله بن عمرو كنيته: أبو وهب، وهو أسدي؛ فكأن بقية بن الوليد كنى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد؛ لكيلا يفطن به، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، وكان بقية من أفعل الناس لهذا " ابن أبي حاتم، العلل، ٥/ ٢٥٠ - ٢٥٢ (١٩٥٧).
[ ٤٣١ ]
وقد أخرج الحاكم عن عبدالرحمن بن مهدي قوله: "معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يُعلِّل الحديث: من أين قلت هذا؟، لم يكن له حجة" (١).
ورُوي عن ابن مهدي أيضا، قوله: "إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة" (٢).
فمعرفة العلل يغمُض على غير أهل هذا العلم، حيث أخرج الحاكم ما جاء في قصة أبي زُرْعة: أن رجلًا قال له:
"ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة - يعني محمد بن مسلم بن وارة (٣) - وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلام كل منا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منّا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة، فاعلم حقيقة هذا العلم، قال: ففعل الرجل، فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام." (٤)
"وهذه الحكاية التي ذكرها " الحاكم " تدل على أن الجهابذة النقادَ يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه ومعوجِّه، كما يميز الصيّرفي بين الجيد والرديء. وكم من شخص لذلك لا يهتدي." (٥)
وقال ابن حجر- موضّحًا خفاء هذا العلم على غير أهله-:
"وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصًا واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٣.وقول ابن مهدي أخرجه ابن أبي حاتم في العلل، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي. ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ١/ ٣٨٨، الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٥.
(٢) ابن أبي حاتم، المرجع السابق، ١/ ٣٨٩.
(٣) محمد بن مسلم بن عثمان بن عبدالله الرازي الحافظ، أبو عبد الله المعروف بابن وارة، ثقة حافظ، مات سنة ٢٧٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٢١ (٥١٥٣)، ابن حجر، التقريب، ٥٠٧ (٦٢٩٧)
(٤) الحاكم، علوم الحديث، ١١٣، ينظر: الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٦.
(٥) البلقيني، المحاسن، ٢٦٣.
[ ٤٣٢ ]
أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك."
وقد تقصر عبارة المعلِّل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح [إحدى] الروايتين على الأخرى [كما] في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم - بتعليله - فالأولى إتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه." (١)
فالمراد بالغموض والخفاء في قيد العلة: غموض هذه العلل وخفائها على غير أهل هذا الفن؛ فهو غموض نسبيّ، وليس غموضًا مطلقًا (٢)؛ إذ لا يخفى ذلك على نقاد الحديث وجهابذته، -كما أوضح ذلك ابن حجر- وأكد عليه الجزائري بقوله:
"وهذه المسألة ليست من المسائل الغامضة، فإن كل من اشتغل بفن من الفنون، وتفرغ له، وسلك مسلك أهله، وصرف عنايته إليه، قد يَحكُم في مسائله بحكم لا يتيسَّر له إقامة الدليل الظاهر عليه، وإن كان له في نفس الأمر دليل ربما كان أقوى من الأدلة الظاهرة، إلا أن العبارة تقصر عنه، ولذلك ترى المشاركين له في تلك الحال يحكمون بمثل حكمه في الغالب.
ومن ثم اتفق الجهابذة من العلماء على أنه يُرجَع في مسائل كل فن إلى أهله المعنيين بأمره.
وعلى ذلك فلا يستغرب أن يقال إنه يجب في الحديث أن يرجع فيه إلى أئمته المشهورين، الذين تفرغوا له، وصرفوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله وأحوال رجاله، فإذا ثبت اتفاقهم على شيء ثبوتا بينا، لم يسغ العدول عنه، ومن سلك مسلكهم تبين له مثل ما تبين لهم". (٣)
وقال الخطيب البغدادي -مبيّنًا تفاوت العلة في الغموض والخفاء-:
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١١.
(٢) ينظر: الحسني، المدار، ١/ ١٨٥.
(٣) الجزائري، توجيه النظر، ٢/ ٦٥٢.
[ ٤٣٣ ]
- فمن الأحاديث ما تخفى علته، فلا يُوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ الزمن البعيد كقول علي بن المديني: "ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"
- ومنها ما قد كفى راويه مؤونته، وأبان في أول حاله علَّته.
قيل لشعبة: "من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي - ﷺ - لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب" (١)
فلا يَحسُن الكلام في علم العلل إلا لأهله، قال ابن رجب: "ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة، العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة صلح له أن يتكلم فيه." (٢)
والعلة الخفية تتطرق غالبًا للإسناد الذي ظاهره الصحة، كما صرّح بذلك ابن الصلاح، فقال: "ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
وأشار إلى ذلك الحاكم بقوله: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له
_________________
(١) ينظر: الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٧ باختصار.
(٢) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٦٤.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
[ ٤٣٤ ]
علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (١)
قال ابن حجر - معقبا على كلام الحاكم-: "فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مُضعَّف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك. وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود." (٢)
وعقَّب أيضًا على قول ابن الصلاح: -"وكثيرا ما يعللون الموصول بالمرسل مثل: أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجيء أيضا بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول " (٣) - بقوله: "ليس هذا من قبيل المعلول على اصطلاحه- وإن كانت علة في
الجملة- إذ المعلول على اصطلاحه مقيد بالخفاء، والإرسال أو الانقطاع ليست علتها بخفية." (٤)
وما قرره ابن حجر - من أن المعلول في الاصطلاح إنما يُطلق على ما خفيت علّته- قد يُشكِل مع قول ابن الصلاح:
"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٠٢.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٤٥. وأكّد إنكاره على من عرَّف المعلل بالإرسال أو الانقطاع، جاء ذلك تعقيبًا على ما نقله شيخه ابن الملقن في كتابه المقنع بقوله: "وذكر ابن خُشَيش في كتابه (علوم الحديث) أن المعلل: أن يَروي عمن لم يجتمع به، إما بطريق التاريخ - كما تقدم- كمن تتقَّدم وفاته عن ميلاد من يروي عنه، وإما بطريق الجهة، بأن يروي الخُراساني عن المغربي، ولم يُنقل أن الخراساني انتقل من خراسان، ولا أن المغربي انتقل من المغرب" ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢١٣.
[ ٤٣٥ ]
هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب (١)،
والغفلة (٢)، وسوء الحفظ (٣).
_________________
(١) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بكذب بعض رواته، ما يلي: - ما أخرجه الترمذي في العلل من رواية عمرو بن مالك، لحديث: «من كذب علي متعمدا أو رد علي شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم»، ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمرو بن مالك هذا كذاب، كان استعار كتاب أبي جعفر المسندي فألحق فيه أحاديث (أو قال: حديثا كذبا) .. " فقد أعلّ البخاري هذا الطريق بكذب راويه. ينظر: الترمذي، العلل، ٣٤٠ (٦٣١). - وكذلك تضمّن ما أخرجه ابن أبي حاتم من سؤالاته لأبيه تعليل بعض الطرق بكذب راويها، من ذلك قوله: سألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار، عن عبدالملك بن محمد الصنعاني؛ قال: حدثنا أبو سلمة العاملي، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - قال لأكثم بن الجون: يا أكثم، اغز مع غير قومك تحسن خلقك، وتكرم على رفقائك؟ قال أبي: أبو سلمة العاملي متروك الحديث، كان يكذب، والحديث باطل." ابن أبي حاتم، العلل، ٦/ ١٤٤ - ١٤٥ (٢٣٩٨). ومن أمثلة ذلك في علل الدارقطني، حيث سئل عن أحاديث رويت، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في المسح على الخفين، منها: حديث يرويه جرير بن أيوب البجلي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: إذا أدخل أحدكم قدميه طاهرتين فليمسح للمقيم يوما، وللمسافر ثلاثا. فقال: هذا باطل عن أبي هريرة، وقد قال أبو نعيم: كان جرير يضع الحديث. وحديث يروى عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في نحو ذلك. رواه أيوب بن عتبة، وعمر بن أبي خثعم وهما ضعيفان روياه، عن يحيى، وتابعهما معلى ابن عبدالرحمن الواسطي وكان كذابا فرواه عن عبدالحميد بن جعفر، عن يحيى نحو ذلك، وزاد فيه والخمار، ولم يذكر التوقيت. ينظر: الدارقطني، العلل، ٨/ ٢٧٥ (١٥٦٣).
(٢) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بالغفلة في بعض رواته، ما يلي: ما جاء في علل الحديث لابن أبي حاتم حيث قال: "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو خالد الأحمر، عن يزيد بن سنان، عن أبي المبارك، عن عطاء، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: ما آمن بالقرآن من استحل محارمه؟ قال أبو زرعة: رواه وكيع بن الجراح، عن يزيد بن سنان، عن أبي المبارك، عن صهيب، عن النبي - ﷺ -. قلت: ورواه محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن عطاء، عن مجاهد، عن سعيد ابن المسيب، عن صهيب، عن النبي - ﷺ -. قال أبو زرعة: حديث محمد بن يزيد أشبه عن أبيه؛ لأنه أفهم بحديث أبيه؛ أن كان كتب أبيه عنده، ويزيد بن سنان ليس بقوي الحديث. وقال أبي: هذه كلها منكرة، ليست فيها حديث يمكن أن يقال: إنه صحيح، وكأنه شبه الموضوع، وحديث أبيه أنكرها، ومحل يزيد محل الصدق، والغالب عليه الغفلة، فيحتمل أن يكون سمع من أبي المبارك هذا، وهو شبه مجهول. قال أبي: ومحمد بن يزيد أشد غفلة من أبيه، مع أنه كان رجلا صالحا، لم يكن من أحلاس الحديث." ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٥٧٠ - ٥٧٢ (١٦٤٧). -وجاء أيضًا عن ابن أبي حاتم قوله: "وسألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء، عن عبد الملك بن جابر ابن عتيك؛ قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: قضى أوفاهما؟ قال أبي: رأيت هذا الحديث قديما في أصل هشام بن عمار: عن حاتم، هكذا مرسل، ثم لقنوه بأخرة: عن جابر، فتلقن، وكان مغفلا." ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٦٩٥ (١٧٤٣).
(٣) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بسوء حفظ بعض رواته، ما يلي: - ما رواه عبدالله ابن الإمام أحمد عن أبيه حيث قال: "سألت أبي عن حديث البراء بن عازب في الرفع، فقال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن يزيد بن أبي زياد قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: سمعت البراء يحدث قوما فيهم كعب بن عجرة قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين فتح الصلاة رفع يديه. قال أبي وكان سفيان بن عيينة يقول: سمعناه من يزيد هكذا حدثني أبي عن محمد بن عبد الله بن نمير قال نظرت في كتاب بن أبي ليلى فإذا هو يرويه عن يزيد بن أبي زياد. قال أبي: وحدثناه وكيع سمعه من بن أبي ليلى عن الحكم وعيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أبي يذكر حديث الحكم وعيسى يقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد كما رآه بن نمير في كتاب بن أبي ليلى. قال أبي: ابن أبي ليلى كان سيِّئ الحفظ ولم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ." أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال، ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٧٠٨). من أمثلة ذلك في علل الدارقطني حيث "سُئل عن حديث ثابت، عن أنس، قالت الأنصار لرسول الله - ﷺ -: ادع لنا بالمغفرة، فقال: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار.» فقال: يرويه يزيد بن أبي زياد واختلف عنه: رواه عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي زياد، عن ثابت، عن أنس. وخالفه أبو الأحوص؛ فرواه عنه عن يزيد الرقاشي، عن أنس، والاضطراب فيه من يزيد بن أبي زياد، فإنه كان سيِّئ الحفظ." الدارقطني، العلل، ١٢/ ٣٨ (٢٣٨٢). - وسئل أيضا: "عن حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ - «إذا اشتريت ذهبا بفضة فلا تفارق صاحبك وبينك وبينه لبس.» فقال: اختلف في رفعه على سعيد بن جبير؛ فرواه سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، مرفوعا. حدث به عنه أبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وإسرائيل، والثوري، وعمر بن رزين، وحماد بن سلمة، ومحمد بن جابر. وقال عمر بن عبيد: حدثنا سماك، أو عطاء بن السائب، والصواب: سماك. وخالفه داود بن أبي هند، فرواه عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، موقوفا. وكذلك رواه سعيد بن المسيب، ونافع، عن ابن عمر، موقوفا. ولم يرفعه غير سماك، وسماك سيِّئ الحفظ. الدارقطني، العلل، ١٣/ ١٨٤ (٣٠٧٢).
[ ٤٣٦ ]
ونحو ذلك من أنواع الجرح (١). وسمى (الترمذي) النسخ علة (٢) من علل الحديث." (٣)
إلا أن ابن حجر أجاب على هذا الإشكال بقوله:
_________________
(١) "من ينظر في كتب الشروح والتخريج والعلل يجد إطلاق لفظ العلة والمعلول والمعل على كثير من الأحاديث التي فيها جرح ظاهر، وقد قمت باستقراء كتاب علل ابن ابي حاتم، وأشرت على الأحاديث التي أعلت بالجرح الظاهر فوجدتها كثيرة العدد يزيد مجموعها عن مائتين وسبع وأربعين حديثا، فقد أعل بالانقطاع سبعة وعشرين حديثا، وبضعف الراوي مائة وثلاثة وأربعين حديثا، وبالجهالة ثمانية وستين حديثا، وبالاختلاط خمسة أحاديث، وبالتدليس أربعة أحاديث." ينظر: الفحل، علل الحديث، ١٥ - ١٦. باختصار.
(٢) تسمية النسخ علة قال الجديع: تسمية (النسخ) علة، وقع بنَدْرَة في كلام بعض الأئمة، كأبي حاتم الرازي والترمذي. وليس هذا من موضوع (علل الحديث)؛ إذا الناسخ والمنسوخ جميعًا صحيحا النسبة إلى النبي - ﷺ -، وموضوع (علم العلل) ما لا يثبت عن النبي - ﷺ - من الحديث لقادح خفي. المراجع: ينظر: الترمذي، السنن، ٦/ ٢٣٠، ابن أبي حاتم، العلل، ١/ ٥٧١ (١١٤) - ٢/ ١٠٧ (٢٤٦)، الزركشي، النكت، ٢/ ٢١٥، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٢٠، العراقي، التبصرة، ١/ ٢٠٩، ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١، الجديع، التحرير، ٢/ ٦٥٠.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٢ - ٩٣.
[ ٤٣٧ ]
"مراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المُصنّف وبين ما يقع في كلامهم؛ أن اسم العلة إذا أُطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولا اصطلاحا.
إذ المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة، ولهذا قال الحاكم: "وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل". (١)
وقد نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر جواب هذا الإشكال- بشكل أكثر إيجازًا- فقال: "وذلك من قائله إما تجوزا عن الاصطلاح، ونظرًا إلى معناها اللغوي فقط، وإما أن يكون قاله قبل تقرر الاصطلاح." (٢)
وذهب الصنعاني (٣) إلى أن ما استقرّ عليه الاصطلاح "تعريف أغلبي للعلة وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث" (٤)
ولعل ما ذهب إليه السخاوي من إجابة على هذا الإشكال أكثر استيعابًا، حيث قال:
"ولكن ذلك - أي: الإعلال بالأمور الظاهرة- منهم بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يُحتمل أيضا أن التعليل بذلك من الخفي; لخفاء وجود طريق آخر ينجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده." (٥)
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١.
(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٥٢٢. قال محقق الكتاب مُعقّبا: "إن إطلاق العلة على الأمر الخفي القادح: قيد أغلبي؛ لأنا وجدنا كثيرا من الأقوال عند العلماء الجهابذة الفهماء أطلق لفظ العلة على غير الخفي".
(٣) محمد بن إسماعيل بن صلاح محمد الحسني، الصنعاني. حدث، فقيه، أصولي، مجتهد، متكلم، من أئمة اليمن. من كتبه: (سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني) وغيرهما. مات سنة ١١٨٢ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٦/ ٣٨، كحالة، المؤلفين، ٣/ ١٣٢ (١٢١٨٣).
(٤) الصنعاني، توضيح الأفكار، ٢/ ٢٢.
(٥) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٨٧. "وأيضًا فبعض الأحاديث التي علتها ظاهرة، ترجع إلى رواية الثقات المشاهير، فلعل من أعلَّ بالعلة الظاهرة في مثل هذا الموضع؛ أراد أن يدفع بذلك شبهة الاحتجاج بالثقة مطلقًا؛ ويثبت أن الثقة قد يروي عن كذاب، أو متروك، أو ضعيف، أو مجهول، أو يروي ما لا يتصل سنده، فليس كل ما رواه الثقة فهو صحيح، ومع هذا، فما قاله السخاوي، وكذا الصنعاني في تقييد استعمال العلة في الأمر الخفي بالأغلب أقوى في الجواب. والله أعلم" السليماني، الجواهر، ٣٢٦.
[ ٤٣٨ ]
فذكر هنا جوابين لهذا الإشكال:
الأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي.
الثاني: أن ما قد يبدو -في بعض الأحيان- تعليلًا بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لا يتنبّه إليه إلا أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته.
والجواب الثاني لعله يؤيّد ما ذهب إليه شيخه ابن حجر بقوله: " لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مُضعَّف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك." (١)
فالعلة في الاصطلاح إذن: "لا تُطلق على الضعف الظاهر في السند من جهة الانقطاع أو ضعف أحد الرواة أو بعضهم، ولكن تُطلق على ما خفي أولًا على الناقد ثم اكتشفه مما يضعف به الحديث." (٢)
"وما تقدم من إعلال المُحَدِّثين بالظاهر كالإرسال أو الوقف وعدم السماع أو ضعف الراوي، أو جهالته .. هو في حقيقة الأمر إعلال بالخفي غالبًا. فالتعليل بالإرسال وإن كان ظاهرًا في الجملة؛ لكن التعليل به وبيان أنه الصواب في الرواية أو أنه خطأ أمر خفي، إذ كيف يرجحون الإرسال ويعرفون أنه الصواب في الرواية وأن الخطأ في المسند نفسه لولا المقارنة والحفظ والفهم والمعرفة.
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠.
(٢) سليم، ما لا يسع جهله، ١٢٢.
[ ٤٣٩ ]
والتعليل بعدم سماع الراوي ممن فوقه أمر خفي كذلك؛ لأنهم يعلون به في خبر يتوهم فيه سماع الراوي ممن فوقه، بل قد يختلفون فيه مما يدل على شدة الخفاء في ذلك، وهم لا يقولون هذا تخمينًا، مع علمهم أن الراوي أدرك من روى عنه لكنه قد لا يكون سمع منه مطلقًا أو لم يسمع منه خبرًا من الأخبار وهذا لا يدركه إلا جهابذة النقاد من أهل المعرفة والحفظ." (١)
ويلاحظ أيضًا:
"أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف، لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس - مطمئن إلى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسا إليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طارئ.
ومع ذلك فإن معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساسًا يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه." (٢)
ولكون العلة مقيّدة بالخفاء والغموض، "فيستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه." (٣)
_________________
(١) طوالبة، العلة، ٤٥٠.
(٢) الفحل، علل الحديث، ١٨ - ١٩.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
[ ٤٤٠ ]
وأشار الخطيب البغدادي إلى سُبل معرفة العلة بقوله: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط." (١)
فمن طرق معرفة العلة: (٢)
١ - الإلهام من الله - ﷾ - الناشئ عن الإخلاص وكثرة الممارسة.
٢ - كثرة الممارسة للحديث ومعرفة الرجال، وأحاديث كل واحد منهم.
٣ - جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والاعتبار بمكانتهم من الحفظ والإتقان.
٤ - النص على علة الحديث من إمام من أئمة الحديث المعروفين بتمرّسهم في ذلك.
"فما حاز علم العلل هذه الشهرة، وحظي بالتقديم والتبجيل دون سائر علوم الحديث إلا بخفاء العلل التي يبحث فيها ودقتها" (٣)؛ لذا قال الخطيب البغدادي تحت باب (بيان علل المسند): "يستحب أن يُصنّف المُسنَد مُعَللا، فإن معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث." (٤)
هذا فيما يخص قيد الغموض والخفاء في العلة (٥).
_________________
(١) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.
(٢) ينظر: الخضير، الضعيف، ٢٣٥ - ٢٣٦ باختصار، عتر، منهج النقد، ٤٥١ - ٤٥٣، أيضًا ينظر: مبحث (علامات لكشف العلة من منهج المتقدمين). الجديع، التحرير، ٢/ ٧٤١.
(٣) أبو سفيان مصطفى باحو، العلة وأجناسها عند المحدثين، ٢١. ينظر: عتر، منهج النقد، ٤٤٧.
(٤) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٤.
(٥) قال ابن حجر - ممثّلًا لعلة خفية بشيء من التفصيل-: "ومن المواضع الخفية في الأحاديث المعللة - ما ذكره ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من باع عبدا وله مال » الحديث. فقال: "قد كنت أستحسن هذا الحديث من ذي الطريق حتى رأيت من حديث بعض الثقات عن عكرمة بن خالد عن الزهري عن ابن عمر - ﵁ - فعاد الحديث إلى الزهري، والزهري إنما رواه عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه - ﵁ - وهو معلول (يعني لأن نافعا رواه عن ابن عمر - ﵁ -) فجعل مسألة بيع العبد عن عمر - ﵁ - ومسألة بيع النخل عن النبي - ﷺ - قلت: وسبب الخفاء في هذا المثال أن عكرمة بن خالد أكبر من الزهري، وهو معروف بالرواية عن ابن عمر - ﵁ -، فلما وجد الحديث من رواية حماد بن سلمة عنه كان ظاهره الصحة، وكان يعتضد بها ما رواه الزهري عن سالم عن أبيه، ويرجح على رواية نافع لكن لما فتشت الطرق تبين أن عكرمة سمعه ممن هو أصغر منه وهو الزهري، والزهري لم يسمعه من ابن عمر - ﵁ - إنما سمعه من سالم فوضح أن رواية حماد بن سلمة مدلسة أو مسوّاة، ورجع هذا الإسناد الذي كان يمكن الاعتضاد به إلى الإسناد الأول الذي حكم عليه بالوهم، وكان سبب حكمهم عليه بالوهم كون سالم أو من دونه سلك الجادة؛ لأن العادة والغالب أن الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي - ﵁ - قيل بعده: عن النبي - ﷺ -، فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله -كان الظن غالبا على أن من ضبطه هكذا أتقن ضبطا، والله أعلم." ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٢ - ٧١٤، ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ٣/ ٦٠٣ (١١٢٢)، وقد ورد كلامه عقب حديث «من باع نخلًا قد أُبّرت ».
[ ٤٤١ ]