المخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٣).
وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: "هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (٤).
_________________
(١) حيث صرّح بذلك حين مثلّ للحديث المنكر، -المرادف للشاذ عنده- فقال: "ومثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢. هذا عدا أن الثقة قد يُخطئ ويُستنكر تفرده؛ لقرائن تحفّ بالرواية، إذ "ليس من حد الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ، فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يقر على خطأ! ". الذهبي، الموقظة، ٧٨.
(٢) وكذلك بالنسبة لقيود الحديث المنكر كما سيأتي في فصل الحديث المنكر بإذن الله، إذ أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح بمعنى واحد.
(٣) ينظر: مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨.
(٤) حيث قال: "لم أجد لها تعريفًا، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله. كافي، منهج الإمام البخاري، ٢٥٩.
[ ٢٩٩ ]
ثم أشار إلى بعض أسباب هذا التغاير فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط.
وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها" (١).
ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (٢)
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث. (٣)
وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي - ﵀- إلا أنه جعل الشذوذ خاصًا بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.
أما المثال الذي ذكره أبو بكر الأثرم في كتابه ناسخ الحديث ومنسوخه في باب صيام العشر (٤) فهو من حديث موسى بن عُلي (٥) عن أبيه (٦) عن عقبة بن عامر (٧)
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٤ - ١١٩.
(٣) "مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه". ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.
(٤) الأترم، ناسخ الحديث، ١٧٩.
(٥) موسى بن عُلي بن رباح، مع أنّ جمهور النقاد على توثيقه، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، مات سنة ١٦٣ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٨/ ١٥٣ - ١٥٤ (٦٩١)، ابن حبان، الثقات، ٧/ ٤٥٣، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٠٦ (٥٧١٩)، ابن حجر، التهذيب، ١٠/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٦٤١)، ابن حجر، التقريب، ٥٥٣ (٦٩٩٤).
(٦) على بن رباح بن قصير اللخمي المصري، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى، (والد موسى بن على بن رباح) قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة ١١٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٩ (٣٩٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٤٠١ (٤٧٣٢).
(٧) عقبة بن عامر الجهنى - ﵁ -، صحابي جليل، اُختلف في كنيته فقيل: أبو حماد وقيل أبو عمرو وقيل أبو عبس وقيل غير ذلك، روى عن النبي - ﷺ - كثيرًا، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، من فقهاء الصحابة، شهد فتوح الشام، وتولّى مصر زمن معاوية ومات بها سنة ٥٨ هـ. ينظر: ابن الأثير، أُسد الغابة، ٤/ ٥١ (٣٧١١)، ابن حجر، الإصابة، ٧/ ٢٠٥ (٥٦٢٦).
[ ٣٠٠ ]
أن رسول الله - ﷺ - قال: «يوم عرفة وأيام التشريق أيام أكل وشرب» (١).
ثم قال - بعد أن ذكر أحاديث ظاهرها الاختلاف في حكم صوم يوم عرفة-: "وأما حديث عقبة بن عامر فإنه حديث تفرد به موسى بن علي، وروى الناس هذا الحديث من وجوه كثيرة، فلم يدخلوا فيه صوم عرفة، غيره.
وقد يكون من الحافظ الوهم أحيانًا، فالأحاديث إذا تظاهرت فكثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، " ثم أعقبه بقوله: "فالشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (٢)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصيام، باب صيام أيام التشريق ٢/ ٣٢٠ ح (٢٤١٩)، والترمذي في سننه كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق ٢/ ١٣٥ ح (٧٧٣) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة ٥/ ٢٥٢ ح (٣٠٠٤)، وأحمد في مسنده ٢٨/ ٦٠٥ ح (١٧٣٧٩)، والدارمي في سننه كتاب الصوم، باب في صيام يوم عرفة ٢/ ١١٠٦ ح (١٨٠٥)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصيام، باب ذكر خبر روي عن النبي - ﷺ - في النهي عن صوم يوم عرفة مجمل غير مفسر ٣/ ٢٩٢ ح (٢١٠٠)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصوم، باب الصوم المنهي عنه ٨/ ٣٦٨ ح (٣٦٠٣)، والحاكم في مستدركه كتاب الصوم ١/ ٦٠٠ ح (١٥٨٦) هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، جميعهم من حديث عقبة بن عامر، ولفظ أبي داود " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب".
(٢) الأثرم، ناسخ الحديث، ١٨٠ - ١٨١.
[ ٣٠١ ]
فهذا المثال الذي ذكره الأثرم زاد الراوي لفظة لم تأتِ من الوجوه الأخرى للحديث، وقد أشار إلى أن الحافظ قد يهم، ويشذ في مقابلة الأكثر.
ومن تعريفه للشاذ وتقييده بالمخالفة، يظهر اعتباره هذه اللفظة مخالفة لما جاءت به الأحاديث الأخرى في فضل صوم عرفة، وأيّده إلى ما ذهب إليه بخصوص هذا الحديث ابن عبدالبر حيث قال: "هذا حديث انفرد به موسى بن عُلي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي - ﷺ - من وجوه، يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق أيام أكل وشرب". (١)
وقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من:
- ابن القيم (٢)، والنووي في كتابه المجموع (٣)، وصوّبه كذلك ابن كثير" (٤)،
واقتصر ابن الملقن على تعريف الشافعي للشاذ في كتابه (التذكرة) (٥)، واعتمده ابن حجر - غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق-، فقال: "الشاذ: ما
_________________
(١) ابن عبدالبر، التمهيد، ٢١/ ١٦٣. وقد ذكره السخاوي في فتح المغيث مثالًا للشذوذ في المتن فقال: "ومثاله في المتن: زيادة يوم عرفة في حديث: أيام التشريق أيام أكل وشرب، فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى ابن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر. قال الأثرم: والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحيانا. على أنه قد صحح حديث موسى هذا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم. وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وكأن ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، وينظر: الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٥١٤ - ٥١٥.
(٢) ابن القيم، إغاثة اللهفان، ١/ ٥٢٢.
(٣) ينظر: النووي، المجموع، ٤/ ١٤٣، الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٨.
(٤) ابن كثير، الاختصار، ٥٠.
(٥) ابن الملقن، التذكرة، ١٦.
[ ٣٠٢ ]
رواه المقبول (١) مخالفًا لِمَنْ هو أَولى منه." (٢)، وأتبعه بقوله: "وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح."، وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم". (٣)
قال ابن حجر في النزهة - ممثلًا للحديث الشاذ-: "مثال ذلك: ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار (٤)، عن عوسجة (٥)، عن ابن عباس: «أن رجلا توفي على عهد النبي - ﷺ -، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه » (٦) وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج (٧) وغيره، وخالفهم
حماد بن زيد (٨)؛
_________________
(١) وفسر مراده بالمقبول بقوله: "الشاذ رواية ثقة أو صدوق" ابن حجر، النزهة، ٨٧. ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧٩. وإنما "ذكر المقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن". السليماني، الجواهر، ٣٠٢.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٥.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧١.
(٤) عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم، قال الذهبي: "مكي إمام"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت". مات سنة ١٢٦ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٧٥ (٤١٥٢)، ابن حجر، التقريب، ٤٢١ (٥٠٢٤).
(٥) عوسجة المكي مولى ابن عباس، روى عن ابن عباس، وعنه عمرو بن دينار. قال الذهبي: "وثق، وقال البخاري: لم يصح حديثه"، وقال ابن حجر: "ليس بمشهور" ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٠١ (٤٣٠٨)، ابن حجر، التهذيب، ٨/ ١٦٥ (٣٠١)، ابن حجر، التقريب، ٤٣٣ (٥٢١٤).
(٦) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام ٣/ ١٢٤ ح (٢٩٠٥)، والترمذي في سننه كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المولى الأسفل ٣/ ٤٩٤ ح (٢١٠٦)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب الفرائض، باب إذا مات العتيق وبقي المعتق ٦/ ١٣٢ ح (٦٣٧٦) وقال: عوسجة ليس بالمشهور لا نعلم أن أحدًا يروي عنه غير عمرو بن دينار ولم نجد هذا الحديث إلا عند عوسجة، وابن ماجه في سننه كتاب الفرائض، باب من لا وارث له ٢/ ٩١٥ ح (٢٧٤١).
(٧) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج القرشي الأموي مولاهم، أبو الوليد وأبو خالد المكي، قال الذهبي: "أحد الأعلام"، وقال ابن حجر: " ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل". مات سنة ١٥٠ هـ أو بعدها. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٦٦ (٣٤٦١)، ابن حجر، التقريب، ٣٦٣ (٤١٩٣).
(٨) حماد بن زيد. مات سنة ١٧٩ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٩ (١٢١٩)، ابن حجر، التقريب، ١٧٨ (١٤٩٨).
[ ٣٠٣ ]
فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة. ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم (١): المحفوظ حديث ابن عيينة (٢). انتهى.
فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك، رجح أبو حاتم (٣) رواية من هم أكثر عددًا منه." (٤)
في هذا المثال حماد بن زيد -وهو ثقة- روى الحديث مرسلًا، وخالف بذلك رواية عدد من الثقات رووه موصولًا، وهذا المثال الذي مثّل به ابن حجر للشذوذ في السند يُناسب ما عرّف به الشاذ من كونه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه.
- وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي وتبعه السيوطي (٥) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة. (٦)، ولعله استفاد هذا القيد
_________________
(١) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، قال عنه الذهبي: "الحافظ، قال موسى ابن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن حجر: "أحد الحفاظ"، مات سنة: ٢٧٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٥ (٤٧١١)، ابن حجر، التقريب، ٤٦٧ (٥٧١٨).
(٢) قال ابن أبي حاتم: وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس: أن رجلا توفي على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثا، إلا مولى هو أعتقه ، الحديث. "فقلت له: فإن ابن عيينة ومحمد بن مسلم الطائفي يقولان عن عوسجة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، فقلت له: اللذان يقولان ابن عباس محفوظ؟ فقال: نعم. قَصَّر حماد بن زيد". ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٥٦٤ ح (١٦٤٣).
(٣) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، قال عنه الذهبي: "الحافظ، قال موسى ابن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن حجر: "أحد الحفاظ"، مات سنة: ٢٧٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٥ (٤٧١١)، ابن حجر، التقريب، ٤٦٧ (٥٧١٨).
(٤) ابن حجر، النزهة، ٨٥. أضاف فضيلة المناقش: اجتمع في هذا الترجيح ثلاثة مرجّحات:
(٥) الاختصاص: فابن عيينة لا يتقدمه أحد في الرواية عن عمرو بن دينار.
(٦) متابعة محمد بن مسلم وحماد بن سلمة، وابن جريج لسفيان بن عيينة، فهذا ترجيح بكثرة العدد.
(٧) صفة رواية الراوي: وهو حماد بن زيد، فإنه معروف بشدة التوقّي والاحتراز، فإذا شكّ في شيء قصّر أخذًا بالأحوط.
(٨) ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٢.
(٩) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٤، ٢٤٩. وتوسّع في الشرح فقال: "ومن المسائل المختلف فيها مما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئا فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عددا، أو أكثر ملازمة منه، فإن الفقيه والأصولي يقولان: المثبت مقدم على النافي فيقبل. والمحدثون يسمونه شاذا; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرد قول الجماعة بقول الواحد بعيد." السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٣٠.
[ ٣٠٤ ]
من كلام شيخه ابن حجر حين قال: "وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ (١)، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم
_________________
(١) أمثلة على وقوع المخالفة من الراوي إلا أن علماء الحديث قبلوا الحديث على الوجهين -البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم ١/ ١٥٢ ح (٧٥٧)، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة ١/ ٢٩٧ ح (٣٩٧) - قال الدارقطني: وقد خالف يحيى أصحاب عبيدالله كلهم منهم أبو أسامة وعبدالله ابن نمير وعيسى بن يونس وغيرهم ورووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة، فلم يذكروا أباه، ورواه معتمر عن عبيدالله عن سعيد مرسلا عن النبي - ﷺ -، ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيدالله حدث به على الوجهين. والله أعلم." ٢٢٣ - ٢٢٤ ح (٩). قال ابن حجر: "لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين". ابن حجر، فتح الباري، ٢/ ٢٧٧. المثال الثاني: قال الدارقطني: "وأخرجا جميعا حديث ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تسافر وليس معها محرم» الحديث- أخرجه البخاري في صحيحه أبوا تقصير الصلاة ٢/ ٤٣ ح (١٠٨٨)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم ٢/ ٩٧٧ ح (١٣٣٩) - وزاد مسلم عن ليث عن سعيد مثله فقال وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل عن سعيد عن أبي هريرة." ٢٢٧ - ٢٢٨ ح (١٢)، ذكر ابن حجر في الفتح بأن موطن الاختلاف هنا: أن بعض الطرق ذكرت في الإسناد رواية سعيد عن أبيه، وبعضها لم تذكر ذلك، وأشار إلى تصحيح المحدثين لكلا الوجهين فقال: "لم يهمل البخاري حكاية هذا الاختلاف بل ذكره عقب حديث بن أبي ذئب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني، فإن سعيدا المقبري سمع من أبيه عن أبي هريرة وسمع من أبي هريرة فلا يكون هذا الاختلاف قادحا ". ابن حجر، هدي الساري، ٣٥٤. المثال الثالث: "وأخرج البخاري- في صحيحه كتاب الجنائز، باب من انتظر حتى تُدفن ٢/ ٨٧ ح (١٣٢٥) - وحده عن سعيد عن أبيه أنه سأل أبا هريرة فقال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من صلى على جنازة» قال: وقد رواه عبيدالله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة قال: نصر بن علي وغيره عن عبدالأعلى. ٢٢٨ - ٢٢٩ ح (١٣)، وأشار ابن حجر بأن الجواب على هذا الحديث كالجواب على المثال السابق، إلا أن الرواية التي أخرجها البخاري هي المعتمدة، بينما الرواية الثانية غير مشهورة. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٣٥٥.
[ ٣٠٥ ]
على ما يخالف فيه بكونه منكرا." (١) فقد ذكر ضابطًا للمخالفة، وهو: تعذر الجمع بين الروايات على قواعد المحدثين.
وقد أورد السخاوي في كتابه فتح المغيث مثالين في الشذوذ، فذكر المثال الذي استشهد به الحافظ ابن حجر على أنه شذوذ في السند، والمثال الذي ذكره الأثرم على أنه شذوذ في المتن (٢)، والأمثلة تؤيد المذهب القائل بأن الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه، سواء كانت هذه المخالفة في الإسناد أو في المتن.
ذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي ثلاثة أمثلة تحت نوع الشاذ، المثال الأول أثناء مناقشته لقول الحاكم في الشاذ والفرق بينه وبين المعلل فقال:
"قلت: ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غنام النخعي (٣)،
عن علي بن حكيم (٤)، عن شريك (٥)، عن عطاء بن
_________________
(١) المرجع السابق، ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٢) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٣) عبيد بن غنام ابن القاضي حفص بن غياث، أبو محمد النخعي الكوفي، قال الذهبي في السير: "الإمام، المحدث، الصادق، وهو ثقة" مات سنة ٢٩٧ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٣/ ٥٥٨ (٢٨٢).
(٤) على بن حكيم بن ذبيان الأودي، أبو الحسن الكوفي، قال البخاري: سمع شريكًا، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة ٢٣١. ينظر: البخاري التاريخ الكبير، ٦/ ٢٧١ (٢٣٧٦)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٩ (٣٩٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٤٠٠ (٤٧٢٣).
(٥) شريك بن عبدالله بن أبى نمر القرشي، أبو عبد الله المدني، نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين قوله: "شريك بن عبدالله بن أبي نمر ليس به بأس"، وقال ابن حجر: "صدوق يخطيء"، مات سنة ١٤٠ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٤/ ٣٦٤ (١٥٩٢)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٨٥ (٢٢٧٧)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٦ (٢٧٨٨).
[ ٣٠٦ ]
السائب، عن أبي الضحى (١)، عن ابن عباس قال: «في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى» (٢). وقال: صحيح الإسناد.
ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له، حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح، ولكنه شاذ بمرة" (٣)
قال ابن كثير: "وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: «في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه الأرض حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كإبراهيمكم» فهذا ذكره ابن جرير مختصرا، واستقصاه البيهقي في الأسماء والصفات، وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس - ﵁ - عن الإسرائيليات (٤) والله أعلم" (٥)
بينما ذكر ابن حجر تعليق البيهقي على الحديث بالشذوذ، ولم يُعقّب. (٦)
وقال السيوطي: "هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، ورواه البيهقي في شعب الإيمان وقال: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة، وهذا الكلام من البيهقي في غاية الحسن، فإنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما تقرر في علوم الحديث لاحتمال أن يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو علة تمنع صحته، وإذا تبين ضعف
_________________
(١) مسلم بن صبيح الهمداني مولاهم، أبو الضحى الكوفي، مشهور بكنيته، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث"، وقال ابن حجر: "ثقة فاضل"، مات سنة ١٠٠ هـ في خلافة عمر بن عبدالعزيز. ينظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٦/ ٢٨٨، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٥٩ (٥٤١٨)، ابن حجر، التقريب، ٥٣٠ (٦٦٣٢).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٣/ ٧٧، والحاكم في مستدركه كتاب التفسير، باب تفسير سورة الطلاق ٢/ ٥٣٥ ح (٣٨٢٢ - ٣٨٢٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨ ح (٨٣١ - ٨٣٢) وقال: إسناد هذا عن ابن عباس ﵄ صحيح، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا والله أعلم.
(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٨.
(٤) أي أقاويل بني إسرائيل مما ذكر في التوراة، أو أخذ من علمائهم ومشايخهم من قصص وأخبار الأمم الماضية وبدء الخلق وغيرها. ينظر: القاري، شرح النخبة، ٤٤٥، الغوري، معجم المصطلحات، ٩٨.
(٥) ابن كثير، البداية والنهاية، ١/ ٤٢ - ٤٣.
(٦) ينظر: ابن حجر، الفتح، ٦/ ٢٩٣.
[ ٣٠٧ ]
الحديث أغنى ذلك عن تأويله؛ لأن مثل هذا المقام لا تقبل فيه الأحاديث الضعيفة، ويمكن أن يؤول على أن المراد بهم النُذُرُ الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر، ولا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي بلَّغ عنه". (١)
- وأما المثال الثاني الذي ذكره السيوطي تحت نوع الشاذ، فهو المثال الذي أورده ابن حجر تحت نوع الشاذ، وقد سبقت الإشارة إليه قريبا (٢).
- وأما المثال الثالث فقد ذكره كمثال على الشذوذ في المتن (٣) فقال:
"ومن أمثلته في المتن ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبدالواحد بن زياد عن الأعمش (٤)، عن أبي صالح (٥)، عن أبي هريرة مرفوعا:
«إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع عن يمينه» (٦).
_________________
(١) السيوطي، الحاوي للفتاوي ١/ ٣٨٦.
(٢) و"مثاله ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا توفى على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه الحديث".
(٣) هذا المثال ذكره الزركشي تحت نوع المنكر؛ لأنه ممن يساوي بين الشاذ والمنكر، وستأتي الإشارة إلى ذلك في فصل الحديث المنكر بإذن الله.
(٤) سليمان بن مهران الأسدي، أبو محمد الكاهلي، الكوفي، الحافظ المشهور بالأعمش، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، قال ابن حجر: "ثقة حافظ عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس"، مات سنة: ١٤٧ أو ١٤٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٦٤ (٢١٣٢)، العلائي، جامع التحصيل، ١٨٨، ابن حجر، التقريب، ٢٥٤ (٢٦٠٢).
(٥) ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني، قال الذهبي: "من الأئمة الثقات عند الأعمش"، وقال ابن حجر: "ثقة ثبت". مات سنة: ١٠١ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٨٦ (١٤٨٩)، ابن حجر، التقريب، ٢٠٣ (١٨٤١).
(٦) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ٢١ ح (١٢٦١)، والترمذي في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ٢٨١ ح (٤٢٠) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ١٦٧ ح (١١٢٠)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصلاة، باب النوافل ٦/ ٢٢٠ ح (٢٤٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الحيض، باب ما ورد في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٣/ ٦٤ ح (٤٨٨٨) وقال: "رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة حكاية عن فعل النبي - ﷺ - لا خبرا عن قوله "ثم ساق الحديث من رواية التيمي وقال: " وهذا أولى أن يكون محفوظا لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس.
[ ٣٠٨ ]
قال البيهقي: (١) خالف عبدالواحد (٢) العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي - ﷺ - لا من قوله، وانفرد عبدالواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ" (٣)
وقد ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة عبدالواحد في ميزان الاعتدال، وأشار إلى تجنب صاحبي الصحيحين إخراجه لكونه مما اُستنكر عليه فقال: "عبد الواحد بن زياد أبو بشر العبدي البصري، أحد المشاهير احتجا به في الصحيحين، وتجنبا تلك المناكير التي نقمت عليه، فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رسول الله
- ﷺ -: «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح. (٤)
وقد أعلّه البيهقي بمخالفة عبدالواحد للعدد الكثير.
نخلص مما سبق:
المخالفة من الاختلاف وهي ضد الاتفاق، والمراد بمخالفة الراوي هي أن يروي عن شيخه حديثًا يُغاير ما رواه غيره من الثقات عن الشيخ ذاته، وتكون هذه المغايرة أو الاختلاف في السند أو في المتن، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة، وتكثر المخالفة أو تقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ أو قلتهم.
_________________
(١) لم أجد هذا القول بنصه إنما بمعناه، وقد ذكرته عند تخريج الحديث.
(٢) عبدالواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري، وثقه أحمد، وابن معين، وأبوزرعة، وأبوحاتم، والعجلي، وذكره العقيلي في الضعفاء، قال ابن حجر: ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، توفي سنة ١٧٦ هـ. ينظر: العجلى، معرفة الثقات ٢/ ١٠٧ (١١٤٣)، العقيلي، الضعفاء الكبير، ٣/ ٥٥ (١٠١٥)، ابن أبي حاتم، الجرح، ٦/ ٢١ (١٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٣٦٧ (٤٢٤٠).
(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧١.
(٤) الذهبي، الميزان، ٢/ ٦٧٢ (٥٢٨٧).
[ ٣٠٩ ]
وقد عدّ الشافعي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه شذوذًا، ووافقه على ذلك: الأثرم، والنووي في كتابه المجموع، وابن الملقن في كتابه التذكرة، وابن حجر - مع توسّعه بإضافة الراوي الصدوق؛ ليصبح الشاذ عنده مخالفة المقبول لمن هو أولى منه-، وتبعه السخاوي، والسيوطي، ومثّلوا للشذوذ بأمثلة يُخالف فيها الراوي المقبول (الثقة أو الصدوق) غيره من الثقات.