والمخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٢).
وفي الاصطلاح: "أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه" (٣).
_________________
(١) سبق تعريف المخالفة في فصل الحديث الشاذ، ويُعاد تعريفها هنا بشيء من الاختصار.
(٢) ينظر مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨.
(٣) كافي، منهج الإمام البخاري، ٢٥٩. حيث قال مؤلف الكتاب: "لم أجد لها تعريفًا، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله"، ثم أشار إلى بعض أسباب مخالفة الرواة لبعضهم في الرواية، فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها". المرجع السابق.
[ ٣٥٢ ]
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.
وإن كانت المخالفة تدخل ضمن التفرّد إلا أنها نوع خاص منه، وقد مثّل ابن الصلاح للفرد المخالف بقوله:
"مثال الأول - وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات -: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين (١) عن عُمر بن عثمان (٢) عن أسامة بن زيد (٣)، عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (٤) فخالف مالك غيره من
الثقات في قوله عُمر ابن عثمان - بضم العين-. وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب (التمييز) (٥)، أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عَمْرو بن عثمان، يعني: بفتح العين، وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان، كأنه عَلِم أنهم يخالفونه. وعَمْرو
_________________
(١) علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب القرشي الهاشمي، زين العابدين، قال الذهبي: قال الزهري: "ما رأيت قريشا أفضل منه"، وقال ابن حجر: ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور" مات سنة ٩٣، وقيل: ٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧ (٣٩٠٠)، ابن حجر، التقريب، ٤٠٠ (٤٧١٥).
(٢) قال ابن حجر في التقريب: "عمر بن عثمان بن عفان في حديث أسامة صوابه عمرو تفرد مالك بقوله عمر" وعمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي، أبو عثمان، ثقة. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٨٣ (٤١٩٦)، ابن حجر، التهذيب، ٧/ ٤٨١، ابن حجر، التقريب، ٤١٥، ٤٢٤ (٥٠٧٧).
(٣) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى، أبو محمد ويقال أبو زيد، صحابي جليل، الحِبُّ وابن الحِبِّ، ولد في الإسلام، ومات سنة: ٥٤ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٤٦ (١٢)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ١/ ١٩٤ (٨٤)، ابن حجر، الإصابة، ١/ ١٠٢ (٨٩).
(٤) أخرجه مالك في الموطأ من حديث أسامة بن زيد كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل (٢/ ٥١٩) ح (١٠). مقتصرًا على الشق الأول منه «لا يرث المسلم الكافر»، والحديث كاملًا متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ٨/ ١٥٦ ح (٦٧٦٤)، ومسلم في صحيحه كتاب الفرائض، ٣/ ١٢٣٣ ح (١٦١٤).
(٥) لم أجد هذا النص في الجزء المطبوع من كتاب التمييز، ولعله في الجزء المفقود منه، والله أعلم. ينظر: ابن عبدالبر، التمهيد، ٩/ ١٦٠ - ١٦١.
[ ٣٥٣ ]
وعُمر جميعا: ولدا عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عَمرو بفتح العين، وحكم مسلم وغيرُه على مالك بالوهم فيه، والله أعلم". (١)
وقد تُعقِّب في هذا المثال، فمن وافقه في كون المنكر والشاذ بمعنى واحد، تعقّبه بأنه "لا يلزم من تفرد مالك بقوله في الإسناد عمر أن يكون المتن منكرًا، فالمتن على كل حال صحيح؛ لأن عمر وعمرا كلاهما ثقة" (٢) فالحديث ليس بمنكر، ولم يُطلق عليه أحد اسم النكارة والمتن ليس بمنكر، وغايته أن يكون السند منكرا، أو شاذا لمخالفة الثقات لمالك في ذلك (٣).
وأما ابن حجر - ومن سار على نهجه (٤) من التفريق بين الشاذ والمنكر، وترجيح إطلاق الشذوذ على مخالفة الثقة لغيره من الثقات، وإطلاق النكارة على مخالفة الضعيف- فقد استدرك على ابن الصلاح تمثيله للمنكر بمخالفة الإمام مالك لغيره، فقال:
"وإذا تقرر كون هذا - أيضا - لا يصلح مثالا للمنكر فلنذكر مثالا للمنكر غيره. وقد ذكر الحافظ العلائي في هذا المقام حديث هشام بن سعد (٥) عن
الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "جاء رجل إلى النبي - ﷺ - أفطر في رمضان
_________________
(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢.
(٢) العراقي، التقييد، ١٠٦.
(٣) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٥٤ بتصرف يسير.
(٤) ينظر: البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٤٧٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٥، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٤٤.
(٥) هشام بن سعد المدني، أبو عباد، ويقال: أبو سعيد القرشي، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، قال الذهبي: حسن الحديث. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، ورُمِي بالتشيع. مات سنة: ١٦٠ هـ وقيل: قبلها. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٣٦ (٥٩٦٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٧٢ (٧٢٩٤).
[ ٣٥٤ ]
" (١) فذكر حديث المواقع أهله في رمضان، وذكر فيه الكفارة وقوله: "على أفقر مني" وزاد في آخر المتن "وصم يوما مكانه واستغفر الله".
قال العلائي: "تفرد به هكذا هشام بن سعد - وهو متكلم فيه سيِّئ الحفظ، وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فمن دونهم، فإنه عندهم عنه عن حميد ابن عبدالرحمن، عن أبي هريرة لا عن أبي سلمة وليست عندهم هذه الزيادة".
قلت: وذكر أبو عوانة (٢) في صحيحه (٣) حديث هشام بن سعد هذا وقال: غلط هشام ابن سعد، وأورده ابن عدي (٤) في مناكير هشام بن سعد " (٥)
ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيًّا منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلا ما اُشتهِر عن ابن حجر - ﵀- من تضييق معنى المنكر، وحصره في مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه (٦) - وذلك فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في
_________________
(١) أصل حديث أبي هريرة من طريق حميد بن عبدالرحمن مخرّج في الصحيحين، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، ٣/ ٣٢ ح (١٩٣٦)، ومسلم في صحيحه كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، ٢/ ٧٨٢ ح (١١١١).
(٢) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو عوانة، الحافظ النّيسابوري ثمّ الإسفرايينّي صاحب (المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم) مات سنة: ٣١٦ هـ. ينظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٧٤/ ١٤٥ (١٠١٢١)، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٧/ ٣١٥.
(٣) أبو عوانة، المسند، ٢/ ٢٠٤ (٢٨٥٧).
(٤) ابن عدي، الضعفاء، ٨/ ٤١١ (٢٠٢٥).
(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٨ - ٦٧٩.
(٦) قال الدكتور نور الدين عتر: "اختلفت عبارات علماء المصطلح في تعريف المنكر عتر، منهج النقد، ٤٣٠. وقال الدكتور أبو سمحة: "إطلاق المنكر على المخالفة من الضعيف. وهذا ما استقر عليه رأي ابن حجر العسقلاني، واعتمده في (النزهة) ونجد هنا: أن ابن حجر تفرّد بالسبق إلى هذا التقييد؛ بجعله صورة المنكر مقتصرةً على هذه الصورة دون غيرها مما عُرف من صوره السابقة " أبو سمحة، المنكر، ٥٧ باختصار، ينظر كذلك: حمام، التفرد، ٤٣٨.
[ ٣٥٥ ]
كتابه النخبة وشرحه النزهة حيث قال- بعد أن عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقًا) لمن هو أولى منه-: "وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له:) المنكر) " (١)، وذكر أنه المعتمد على رأي الأكثرين وذلك في تنكيته على كتاب ابن الصلاح. (٢)
ومثّل له في النزهة بمثال خالف فيه الضعيف غيره من الثقات فقال:
"ومثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبَيِّب بن حُبَيِّب (٣) -وهو أخو حمزة ابن
حُبَيِّب الزيات المقرئ (٤) - عن أبي إسحاق (٥) عن العَيْزار بن حُرَيث (٦) عن ابن عباس ﵄ عن النبي
- ﷺ - قال: «من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقرى الضيف، دخل الجنة» (٧).
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ٨٦.
(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.
(٣) حُبيّب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، قال الذهبي: وهاه أبو زرعة، وتركه ابن المبارك. وقال ابن معين: لا أعرفه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثقة، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث عن الثقات لا يرويها غيره. ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٤٥٧ (١٧٢٢)، ابن حجر، اللسان، ٢/ ١٧٤، ٧٨٢.
(٤) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم، قال الذهبي: وثقه ابن معين، قال ابن حجر: صدوق زاهد ربما وهم، مات سنة: ١٥٦ وقيل: ١٥٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٥١ (١٢٣٣)، ابن حجر، التقريب، ١٧٩ (١٥١٨).
(٥) عمرو بن عبدالله بن عبيد، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، قال الذهبي: أحد الأعلام، وهو كالزهري في الكثرة، قال ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، مات سنة ١٢٧ وقيل: ١٢٩ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٨٢ (٤١٨٥)، ابن حجر، التقريب، ٤٢٣ (٥٠٦٥).
(٦) العيزار بن حريث العبدى الكوفي، قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة ١١٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٠٨ (٤٣٦٣)، ابن حجر، التقريب، ٤٣٨ (٥٢٨٣).
(٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٢/ ١٣٦ ح (١٢٦٩٢)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء، ٣/ ٣٣٠ (٥٣٢) في ترجمة حبيب بن أبي حبيب وقال -بعد أن أخرجه مع حديث آخر له-: "وهذان الحديثان الذي ذكرتهما لا يرويهما، عن أبي إسحاق غيره وهما أنكر ما رأيت له من الرواية".
[ ٣٥٦ ]
قال أبو حاتم (١): هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف". (٢)
وممن قال بالمخالفة في معنى الحديث المنكر:
الإمام مسلم حيث أشار إلى أن من علامة المنكر في حديث الراوي كثرت مخالفته للثقات، أو تفرده بما لا يوافقونه عليه، فقال - ﵀-: "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها" (٣).
ذكر ذلك في مقدمة صحيحه في سياق بيانه لصفات الرواة الذين تجنّب إخراج أحاديثهم في صحيحه ممن اُتهِم بوضع الحديث، ثم أتبعهم بذكر من غلب على حديثه المنكر والغلط، فقال: "وكذلك، من الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم"، ومثّل لهم بقوله: "فمن هذا الضرب من المحدثين:
عبدالله بن محرر" (٤)، ويحيى ابن أبي أنيسة (٥)، والجراح بن المنهال أبو العطوف (٦)، وعباد بن كثير (٧)، وحسين ابن عبدالله بن ضميرة (٨)،
_________________
(١) ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ٥/ ٣٥٩ ح (٢٠٤٣)، والقول لأبي زرعة كما جاء في كتاب العلل.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٦
(٣) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٧. "المنكر عند الإمام مسلم - ﵀-: راجع إلى المخالفة، وللمخالفة مراتب، ويُحكم على الراوي بقدر مخالفته." السليماني، الجواهر، ٣٦٤.
(٤) عبد الله بن محرر العامري الجزري، قاضي الجزيرة، قال الذهبي: قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حجر: متروك. مات في خلافة أبي جعفر. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٩٢ (٢٩٤٤)، ابن حجر، التقريب، ٣٢٠ (٣٥٧٣).
(٥) يحيى بن أبى أنيسة، أبو زيد الجزري، قال الذهبي: تالف، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة ١٤٦ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣١٦ (٦١٣٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٨٨ (٧٥٠٨).
(٦) الجراح بن منهال، أبو العطوف الجزري. قال أحمد: كان صاحب غفلة، وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك. مات سنة ١٦٧، وقيل: ١٦٨ هـ. ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٣٩٠ (١٤٥٣)، ابن حجر، اللسان، ٢/ ٩٩ (٤٠٤).
(٧) عباد بن كثير الثقفي البصري العابد، قال الذهبي: قال البخاري: تركوه، وقال ابن حجر: متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب. مات سنة: ١٤٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٣١ (٢٥٧٢)، ابن حجر، التقريب، ٢٩٠ (٣١٣٩).
(٨) الحسين بن عبد الله بن ضميرة الحميرى المدني. قال العقيلي: منكر الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ترك الناس حديث الحسين بن ضميرة، وهو عندي متروك الحديث كذاب. سُئل أبو زرعة عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة فقال: ليس بشئ ضعيف الحديث، اضرب على حديثه. ينظر: العقيلي، الضعفاء، ١/ ٢٤٦ (٢٩٤)، ابن أبي حاتم، الجرح، ٣/ ٥٨، ابن عدي، الضعفاء، ٣/ ٢٢٥ (٤٨٨).
[ ٣٥٧ ]
وعمر بن صهبان (١)، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث" (٢). وجميع من ذكر من الرواة الضعفاء والمتروكين.
قال ابن حجر - مُعقِّبا على كلام مسلم -: "فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون، فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -" (٣).
ويؤيد ما ذهب إليه ابن حجر من إطلاق وصف الترك على هؤلاء الرواة قول الذهبي: "وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث." (٤)
_________________
(١) عمر بن صهبان الأسلمي، أبو جعفر المدني، قال الذهبي: قال الدارقطني: متروك، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة ١٥٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٦٣ (٤٠٧٥)، ابن حجر، التقريب، ٤١٤ (٤٩٢٣).
(٢) مسلم، المرجع السابق، ثم قال: "فلسنا نعرج على حديثهم، ولا نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته".
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥. قال الدكتور أبو سمحة: "فإن أراد ابن حجر قصر المنكر عند مسلم على هذه الصورة، فواقع المنكر عنده يخالف ذلك، وإن أراد بيان صورة من صوره، فالأمر كما قال." فهو يرى أن دلالة المنكر عند الإمام مسلم أوسع من قصرها على مخالفة الضعيف فقط، فقال: "فالإمام مسلم يُعدّ ممن وسّع دلالة المنكر لتشمل المخالفة والتفرد ممن لا يُحتمل منه ذلك، وهذا بصريح قوله في مقدمته " ثم قال: "أن ما ذكره في (التمييز) من أخبار منتقدة هي مناكير عنده. وفيها من المخالفات والأفراد المردودة ما يشمل الثقات والضعفاء الذين لا يتحمل منهم ذلك على حد سواء، بما يكشف لنا دلالة المنكر عنده." ينظر: أبو سمحة، المنكر، ٤٢ - ٤٤ باختصار.
(٤) الذهبي، الميزان، ٣/ ١٤١. وقال أيضًا: الكثير الخطأ مع القلة - أي: قلة روايته- هو المتروك. ينظر: الذهبي، السير، ٩/ ٤٢٩.
[ ٣٥٨ ]
ويُمثّل لمخالفة الضعيف غيره من الثقات: ما ذكره مسلم في كتابه التمييز، حيث أخرج خبرًا في إسناده عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم (١)، ووصف هذا الخبر بكونه غير محفوظ الإسناد عن أبي هريرة، (٢) ثم قال: "وإن من أسند ذلك عنه عن النبي - ﷺ - واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهوًا أو تعمدًا.
فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ. ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر ابن
عبدالله بن أبي خثعم وأشباهم من نقلة الأخبار، لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ" (٣)، فسمّى مخالفة الضعيف للثقات منكرًا.
قال الزركشي: "ومن تأمل كلام الأقدمين من أهل الحديث وجدهم إنما يطلقون النكارة على الحديث الذي يخالف رواية الحفاظ المتقنين" (٤) ثم استشهد بكلام مسلم في مقدمة صحيحه في علامة الحديث المنكر.
_________________
(١) عمر بن عبدالله بن أبي خثعم اليمامي، قال الذهبي: قال البخاري: ذاهب الحديث، قال ابن حجر: ضعيف. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٦٤ (٤٠٧٨)، ابن حجر، التقريب، ٤١٤ (٤٩٢٨).
(٢) حيث قال مسلم ﵀: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن حباب ثنا عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله ما الطهور بالخفين؟ قال: «للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن». مسلم، التمييز، ٢٠٨ - ٢٠٩، ح (٨٨).
(٣) مسلم، التمييز، ٢٠٩.
(٤) الزركشي، النكت، ٢/ ١٥٦. وقال أيضًا: "كتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي أصل نافع في معرفة المنكرات من الأحاديث" يقصد به الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي. قال الكتاني: "وكتابه هذا هو المعروف: بالكامل ذكر فيه كل من تكلم فيه ولو كان من رجال الصحيحين وذكر في ترجمة كل واحد حديثا فأكثر من غرائبه ومناكيره". الكتاني، المستطرفة، ١٤٥.
[ ٣٥٩ ]
ويتلخّص من عبارة الإمام مسلم﵀- أنه يتجنب ذكر المناكير في صحيحه، ويترك الرواية عمن عُرف بروايتها واشتهر بها، وأن الحديث المنكر ضعيف مردود، ويُستدل عليه بمخالفة الثقات، أو بتفرّد من لا يُحتمل منه هذا التفرّد. (١)
وأشار البقاعي إلى أن هذا التفرّد ينقدح في النفس أن له علة قد لا يُقدر على التعبير عنها، فقال ناقلًا لما ذكره الإمام مسلم - بتصرّف-: "إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لا يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لا يقدر على التعبير عنها" (٢). فقد أوضح البقاعي نوع التفردات التي يستنكرها الإمام مسلم، ويُفهم من ذلك - ومما جاء عن مسلم في مقدمة صحيحه- أنه يجمع في إطلاق وصف النكارة بين رواية الضعيف المُخالف للثقات، والمتفرّد تفردًا لا يُحتمل.
نخلص مما سبق:
لقد سبق الإمام مسلم ابن الصلاح في الجمع بين قيدي المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في أن التفرّد غير المحتمل من الراوي يُعدُّ منكرًا، بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات، وأطلق ابن الصلاح المخالفة من الراوي (ثقة كان أو غير ثقة) لمن هو أولى منه.
ومن أبرز التعريفات التي جمعت بين المخالفة والتفرّد ضمن قيود المنكر: تعريف ابن حجر الذي نقله عنه بعض تلامذته كالبقاعي والأنصاري، وأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، بينما عدّ مجرد التفرّد من الشديد الضعف منكرًا.
_________________
(١) ينظر: السلمي، المنكر، ١/ ٤١، حمام، التفرّد، ٤٢٢. بتصرف.
(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧. نقل كلامه بتصّرف، وهو يدل على ما فهمه من قيام ريبة في حديث المتفرد دعت إلى استنكار حديثه، وليس فقط مجرد التفرّد.
[ ٣٦٠ ]
ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيًّا منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلا ما اُشتهِر عن ابن حجر﵀- فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح.