- لقد تفاوتت القيود التي اشتمل عليها تعريف ابن الصلاح للحديث الصحيح من حيث اتفاقهم عليها أو اختلافهم.
_________________
(١) أضاف فضيلة المناقش: "إذا كان المدخل إلى الإكليل سابقًا للمعرفة، فالأولى القول برجوع الحاكم عن هذا القول، أو أنه قصد الأغلبية".
(٢) من أمثلة ذلك: قول الحاكم في المستدرك بعد إخراجه لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة». الحاكم، المستدرك، ١/ ٩١ ح (١٠٠).
(٣) عبدالجواد حمام، التفرّد في رواية الحديث ومنهج المحدثين في قبوله أو رده، ٣٧٣.
[ ١٣٨ ]
- وقد اتفقوا على اشتراط العدالة في رواة الصحيح، وإن كان هناك تفاوت غير مؤثر في بيان معنى العدل إلا أن العدالة - وما يتعلّق بديانة الراوي وتقواه- هي الركن الأساس في الرواية.
- وكذلك ما يخص قيد ضبط الراوي وإتقانه لما يروي، فهو من القيود والشروط الأساسية للحديث الصحيح، وإن لم يتم التصريح والتنصيص عليه في بعض التعريفات التي سبقت
ابن الصلاح؛ إلا أن ما يذكرونه من شروط لرواية الراوي تتضمن ذلك، أما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحوا به ونصّوا عليه، وزاد ابن حجر وصف التمام للضبط؛ لتمييز مراتب الحديث الصحيح عن الحسن.
- أما شرط اتصال السند، فقد اشترطته أغلب التعريفات خاصة فيما يتعلّق بالحديث المتفق على صحته، بينما أشار الحاكم إلى اختلاف العلماء في تصحيح بعض المراسيل، أو روايات الثقات من المدلسين.
- ومن الشروط التي نص عليها ابن الصلاح في حدّ الحديث الصحيح: نفي الشذوذ، وقد تعددت تعريفات الحديث الشاذ - قبل ابن الصلاح- إلى ثلاثة معاني، ثم صاغها ابن الصلاح في قسمين هما: الفرد المخالف، والفرد غير المُحتمل.
وبالرغم من الاختلاف في المقصود من الشذوذ إلا أن أغلبهم أشار إلى تأثير المخالفة من الراوي لغيره على صحة الحديث - وإن لم يُسَمِّ ذلك شذوذا.
ولقد صرّح الزركشي وابن حجر على أن المراد بنفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح هي المخالفة.
- أما بخصوص نفي العلة، وإن لم ينصّ بعضهم عليه في حد الصحيح -خاصة من قبل ابن الصلاح- إلا أنهم متفقون على نفي كل ما يُعارض صحة الحديث على وجه العموم، وإنما اختلفوا في بعض العلل من حيث كونها قادحة في الصحة أو غير قادحة، فكل ما
[ ١٣٩ ]
يقدح ويؤثر على صحة الحديث من سبب ظاهر أو خفي فهو خارج عن حد الصحيح، ولكون الشروط والقيود السابقة أخرجت الأسباب الظاهرة التي تقدح في الصحة، رُجّح بأن المراد بنفي العلة في الحديث الصحيح ينصرف إلى العلل والأسباب الخفية القادحة في الصحة.
- أما بخصوص اشتراط كون الحديث مُسندًا كشرط من شروط الصحيح، واختلافهم في معنى المسند على معانٍ منها: اتصال إسناده، وهو بهذا المعنى يكون تكرارًا لاشتراط اتصال السند، والحدود تُصان عن التكرار.
ومن معاني المسند: المرفوع، وفي اشتراط ذلك في حدّ الصحيح قصر للصحة على الأحاديث المسندة المرفوعة، بينما الصحة وصف يتطرّق لكل ما يجمع شروط الصحة السابقة من الآثار والأقوال الموقوفة والمقطوعة.
- وقد زيدت بعض الشروط والقيود التي لم تُذكر في حد الصحيح عند ابن الصلاح، ومن ذلك:
- اشتراط نفي التدليس، الذي هو نوع من الانقطاع الخفي في السند، ويمكن اندراج نفي التدليس ضمن شرطي اتصال السند ونفي العلة، فباتصال السند يخرج كل سند منقطع ظاهر الانقطاع، وبنفي العلة يخرج الانقطاع الخفي.
- وهناك شرط شهرة الرواة بالطلب، والذي نُسِب للإمام الحاكم اشتراطه في رواة الصحيح، والمراد بهذه الشهرة: عناية الراوي بالحديث وإتقانه له، ويُغني عنها كما ذكر ابن حجر: وصف الراوي بتمام الضبط والإتقان، وضبط الراوي لمروياته دليل إتقانه وعنايته بالرواية.
- وكذلك نُسِب للحاكم اشتراط تعدد الرواة في إسناد الحديث الصحيح، وقد تفاوتت مواقف العلماء من فهم مراد الحاكم وتوجيهه إلى مذهبين رئيسيين:
[ ١٤٠ ]
المذهب الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لا يقل عن راويين) فمنهم من فهم ذلك وأيّده كالميانشي (ت ٥٨١ هـ)، ومنهم من اعترض عليه وخطّأه كالحازمي (ت ٥٨٤ هـ).
والمذهب الثاني: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للشهرة (أي: شهرة الراوي وخروجه عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل) فمنهم من فهم ذلك ووافقه عليه كتلميذه البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، وأبو علي الجياني -الغساني- (ت ٤٩٨ هـ).
ومنهم من فهم ذلك وانتقد تعميمه على جميع ما أُخرِج في الصحيحين كابن منده (ت ٤٧٠ هـ)، وابن طاهر المقدسي-ابن القيسراني- (ت ٥٠٧ هـ).
وهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعًا كابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، وهناك من رجّح المذهب الثاني كالسيوطي (ت ٩١١ هـ)، بينما هناك من رجّح الثاني وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين كابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، وتلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ).
بينما يدل صنيع الحاكم في المستدرك على موافقة جمهور أهل السنة من المحدثين، الذين لم يشترطوا تعدد الرواة، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد.
فهذا الشرط، وإن انطبق على بعض الأحاديث الصحيحة؛ لكنه لا يَعُمُّ كل الصحيح، بل من الصحاح آحاد وأفراد.
هذا، ويمكن اختصار تعريف الصحيح بكونه (ما اتصل سنده بنقل الثقة) (١).
وبهذا نختم فصل الحديث الصحيح، وننتقل إلى الفصل الثاني من فصول هذا البحث، وتحرير النوع الثاني الذي ذكره ابن الصلاح، وهو الحديث الحسن.
_________________
(١) من إضافات فضيلة المناقش أ. د. سعد بن عبدالله الحُميّد.
[ ١٤١ ]