- لم يضع - من جاء قبل ابن الصلاح- تعريفًا للحديث الضعيف أو حدًا له، بل اكتفى بعضهم ببيان معنى الصحيح وشروطه أو مراتبه، وزاد آخرون ببيان معنى الحسن، واستغنوا بذكر ذلك عن تحديد معنى للضعيف؛ إذ ببيان مراتب المقبول من الحديث يتميّز ضده من المردود، فبالضّد تتميز الأشياء؛ لذا نجد أن ابن الصلاح قال في حدّ الضعيف: "كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف." (٤) وتبعه في ذلك من جاء بعده، فذهبوا إلى اختصار تعريفه، أو إعادة صياغته، بحيث دارت تعريفاتهم للضعيف على نفي شروط القَبول، فالضعيف عندهم: (ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول).
_________________
(١) ينظر: الفحل، المرجع السابق، ٣٤ - ٣٥ بتصرف.
(٢) أوضح ذلك بقوله: "غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١.
(٣) المرجع السابق ١/ ٣٢.
(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤١.
[ ٢٨١ ]
- وحسب ما مضى معنا في فصل الصحيح والحسن، فبمقدار اتفاقهم على كل شرط من شروط القبول، يكون اتفاقهم على أن انتفاءه يسلب الحديث صفة القبول، ويجعله في حيّز الضعف والرّد (١).
- فكما أن من شروط الصحيح والحسن لذاته اتصال سنده- كما مرّ سابقًا في فصل الصحيح والحسن- واشترطت ذلك أغلب التعريفات سوى ما ذكره الحاكم وأشار إليه من اختلافهم في تصحيح بعض المراسيل، أو روايات بعض الثقات المُدلسين، ففي الغالب يُعدُّ انتفاء شرط الاتصال -أي: السقط في السند- مُخِلًّا بصحة الحديث وقبوله.
والسقط في الإسناد بوجه عام على نوعين: سقط ظاهر، وسقط خفي، فمما يندرج تحت السقط الظاهر: المعلق، والمرسل، والمنقطع، والمعضل.
ويندرج تحت السقط الخفي: المدلس، والمرسل الخفي.
وأيًّا كان موقع الساقط من الإسناد في أوّله أو وسطه أو آخره، وسواء كان الساقط واحدًا أو متعددًا، متفرقًا، أو متتاليًا، فإن انقطاع السند يطعن في صحته وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلًا
_________________
(١) "المردود، وهو ما اختل فيه شرط أو أكثر من شروط القبول، ويندرج تحته هذه الأنواع، نسردها تبعا لفقد كل شرط منها:
(٢) ما ضعف لاختلال العدالة: الموضوع، المتروك، المطروح.
(٣) ما ضعف لاختلال الضبط: الضعيف، المنكر، المضطرب، المصحف، المقلوب، المدرج.
(٤) ما ضعف لفقد الاتصال: المنقطع، المرسل، المعضل، المعلق، المدلس، المرسل الخفي. وهذا القسم يرد للجهل بحال المحذوف فيحتمل أن يكون ضعيفا.
(٥) ما ضعف لفقد شرط عدم الشذوذ، وهو الشاذ، والمنكر بالأولى، لأنه دليل على اختلال الضبط.
(٦) ما ضعف لفقد شرط عدم العلة، وهو المعلل بأحد أوجه الإعلال، فهذا مردود، لأن العلة فيه إما من وهم الراوي، أو تبين الانقطاع في سند ظاهره الاتصال. وقد ظهر من ذلك أن مدار الشروط في الحقيقة على توفر العدالة والضبط، وسائر الشروط دلائل على هذين الشرطين اللذين لا بد منهما لتوفر أداء الحديث كما هو" عتر، منهج النقد، ٤٥٧ - ٤٥٨.
[ ٢٨٢ ]
للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضًا واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.
هذا فيما يخص المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، وهو: السقط في السند.
- أما ما يخص الركن الأكبر في الرواية وهي عدالة الرواة، فقد اتفقوا على اشتراطها كشرط من شروط قبول الرواية، وإن تخلل مفهوم العدالة تفاوت في مراتب رواتها -يفيد في الترجيح بينهم عند التعارض- إلا أنه غير مؤثر في مدلولها، والتأكيد على اشتراطها؛ لذا كان الطعن في عدالة الرواة من مسببات ضعف الحديث، وهو يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل.
- وغالبًا ما ترتبط دلالات ألفاظ الجرح والتعديل بجانبيّ العدالة والضبط عند الرواة، لذا كان المسلك الثالث من مسالك الضعف في الرواية الطعن في ضبط الرواة.
والمراد به: وصف الراوي بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، كأن يوصف: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ.
ويتفاوت الطعن بهذه الصفات بين الجرح الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.
وغالب ألفاظ الجرح والتعديل مرتبطة بجانبي العدالة والضبط معًا، قال ابن الملقن: "واعلم أن العدالة والضبط إما أن ينتفيا في الراوي، أو يجتمعا، أو يوجد واحد منهما فقط، فإن انتفيا فيه لم يقبل حديثه أصلا، وإن اجتمعا فيه قُبِل، وهو الصحيح المعتبر، وإن
[ ٢٨٣ ]
وُجِدت العدالة وحدها دون الضبط قُبِل حديثه لعدالته، وتوقّف فيه لعدم ضبطه، على شاهدٍ منفصل يجبر ما فات من صفة الضبط، وإن وُجِد فيه الضبط دون العدالة لم يُقبل حديثه، لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية." (١)
- ولعل ما مرّ في فصل الحسن من بيان درجات رواته (٢)، وتقسيمه إلى قسمين، أحدهما يحسُن لذاته، بينما الآخر في أصله ضعيف اكتسب الحُسن بتعدد طرقه، هو الذي حدا ببعضهم إلى اعتبار انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار، شرطًا من شروط الضعيف ضعفاّ خفيفًا قابلًا للانجبار؛ إذ أن انتفاء العاضد يجعل الحديث الضعيف باقيًا على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.
وينبغي التنبه إلى أن مسببات الضعف في الحديث تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى ذلك تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته.
- ومن أنواع الضعيف الذي لا ينجبر (٣):
_________________
(١) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٩٦. ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٩٩. "لعلماء الجرح والتعديل ألفاظ في جرح الرواة تجعلنا نقسم الحديث الضعيف إلى أربعة أقسام:
(٢) ضعيف ضعفًا يسيرًا، كقولهم: فلان فيه لين، أو ليّن.
(٣) ضعيف ضعفًا متوسطًا، كقولهم: فلان ضعيف، فلان كثير الغلط.
(٤) ضعيف ضعفًا شديدًا، كقولهم: تالف، هالك.
(٥) هو الذي يطلقون فيه على الراوي صفة الكذب والوضع. والضعف اليسير والمتوسط يكون بسبب شيء في ضبط الراوي، أما الضعف الشديد، فقد يكون بسبب الطعن في عدالته، وقد يكون بسبب خلل شديد في ضبطه، بأن تكون أوهامه كثيرة عددًا أو فاحشة معنى." محمد عوّامة، حكم العمل بالحديث الضعيف بين النظرية، والتطبيق، والدعوى، ٣٢.
(٦) "آخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف". الذهبي، الموقظة، ٣٢.
(٧) "ميز المحدثون بين مراتب الضعف الناشئ من القدح في رجاله، فهناك الضعف الذي يقبل التقوية وهذا يسمونه ضعيفا أيا كان سبب ضعفه، وهناك الضعف الشديد الذي لا ينجبر وهذا يطلقون عليه أيضا الضعيف ويؤخذ من تعابيرهم تمييزه كقولهم ضعيف جدا. أو فيه فلان متروك أو متهم. إلا أن كثيرا من المحدثين ميزوا بعض حالات الضعيف بألقاب خاصة بها هي: (المنكر، المتروك، المطروح) ندرسها فيما يلي: واتفقوا على تمييز الضعف الأخس وهو الكذب المختلق بلقب خاص هو (الموضوع)." عتر، منهج النقد، ٢٨٩ - ٢٩٠، وإطلاق لقب (حديث ضعيف) صالح أن يكون لأي من السببين، -أي: الضعف الشديد، أو الضعف الخفيف- وإن كان يوهم خفة الضعف أحيانًا، فيشكل إطلاقه على (المنكر) و(الموضوع) مثلًا. ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ٩٠٥ - ٩٠٦، الخيرآبادي، المعجم، ٨٩. ويُفهم من ذلك أن الحديث الذي فيه ضعف يمكن انجباره يدخل تحت مسمى الأحاديث الضعيفة، بينما الشديد الضعف الذي لا ينجبر له في العادة مسميات خاصة منها: المنكر، المتروك، المطروح، الموضوع.
[ ٢٨٤ ]
كون الحديث شاذًا مردودًا، أو منكرًا أو معللًا بعلة قادحة في صحته، لذا كان من مسميات الحديث الضعيف غير المنجبر: المنكر، والمعلل، وسيأتي بيان كل نوع منهما في فصل مستقل بإذن الله.
وقبل الانتقال إلى الفصل الرابع، والذي يُعنى بتحرير مصطلح الحديث الشاذ، تجدر الإشارة إلى أسباب وجود الأحاديث الضعيفة في المصنفات الحديثية، والتي لخّصها بعض المعاصرين في أمور أربعة، هي:
- أن يكون الغرض من إيراد الأحاديث الضعيفة، هو: معرفة مخرجها، أي: من باب التعريف بها لا الاحتجاج (١).
- أو الذهول عن مواطن الضعف بها، وأسباب ردّها. (٢)
- أو من باب الضرورة إذا لم يكن في الباب غيره، أو لا يُعرف الحديث إلا من ذلك الوجه الضعيف. (٣)
_________________
(١) قال الحاكم: "وللأئمة ﵃ في ذلك غرض ظاهر، وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه والمنفرد به عدل أو مجروح". الحاكم، الإكليل، ٣١.
(٢) قال ابن حجر: "بعض من صنف الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة؛ بل والباطلة، إما لذهول عن ضعفها، وإما لقلة معرفة بالنقد." ابن حجر، النكت، ١/ ٤٤٧.
(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٧.، ابن حجر، المرجع السابق.
[ ٢٨٥ ]
- أو باب إخراج كل ما أُسند في هذا الموضوع، فيروي كل ما جمعه في هذا الباب. (١)
وبهذه الأسباب نختم الفصل الثالث؛ لننتقل إلى تحرير مصطلح الشذوذ، والذي رأيت أن يكون ترتيبه الرابع بين فصول هذا البحث؛ لتعلّقه بتحرير قيود تعريفات الفصول الثلاثة السابقة (الصحيح، والحسن، والضعيف)، وإلى الفصل الرابع: الحديث الشاذ.
_________________
(١) ينظر: العثمان، المحرر، ١٣٥ - ١٤١ باختصار.
[ ٢٨٦ ]