- المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وهو عنده على قسمين مُحصِّلَتهما:
أ) استنكار حديث المُخالِف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
ب) واستنكار رواية الفرد الذي ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد سواء خالف أو لم يخالف غيره من الثقات.
- وسبقه الإمام مسلم - ﵀- في الجمع بين المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في التفرّد غير المحتمل بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات.
- وقريبًا مما ذهب إليه الإمام مسلم صاغ ابن حجر تعريفه للمنكر جامعًا بين قيديّ التفرد والمخالفة - وذلك فيما نقله عنه تلميذيه البقاعي والأنصاري- فأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، واستنكر مجرد التفرّد من الشديد الضعف.
وقد اُشتهر عنه ﵀ اقتصاره على معنى المخالفة دون التفرد فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح، ومجموع ما ذكره من أقوال في معنى المنكر- حسب ما وجدته أثناء البحث- خمسة أقوال:
[ ٣٦١ ]
- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: "وربما سماه بعضهم منكرا".
- تفرد الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: "فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث".
- مخالفة الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: "وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين".
- تفرّد الضعيف ضعفًا شديدًا كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: "المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة".
- رواية المتروك تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال: "فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم".
واُشتهر عنه كذلك تصريحه بالتفريق بين الشاذ والمنكر، وابن حجر ليس أول من فرّق بين الشاذ والمنكر، بل سبقه إلى ذلك شيخه ابن الملقن، ولعل لهما سلف في ذلك، مثل قول ابن معين: "إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا" (١).
- أما غالب تعريفات المنكر فقد دارت حول تفرد الضعيف أو التفرّد غير المحتمل (٢)، وأضاف الذهبي - ﵀- تفردات الصدوق وألمح إلى قلة نسبتها إلى ما سبق.
_________________
(١) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١١٨.
(٢) عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله: "هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات" الخضير، الضعيف، ١٨٧ - ١٨٨. "خلاصة القول: من خلال الاستقراء لمنهج الأئمة المتقدمين يظهر بجلاء أن الأحاديث المنكرة هي الأحاديث التي يخطئ فيها الراوي؛ في إسنادها أو متنها، سواء أكان هذا الراوي ثقة أم صدوقًا، أم ضعيفًا، أم متروكًا؛ وأنّ النكارة تطلق على تفرد الضعيف، أو على ما يرويه المتروك مطلقًا." المحمدي، الشاذ، ٨٠ - ٨١.ينظر: مبحث تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين. الجديع، التحرير، ١٠٣٥ - ١٠٣٨.
[ ٣٦٢ ]
- ويدخل ضمن المنكر كذلك تفردات الثقات الناشئة من الخطأ أو الوهم أو غلبة الظن بذلك كما يُفهم من تعريف البرديجي - ﵀- وأمثلته.
- وفي الإحصائية التي أجراها الدكتور عبدالجواد حمام حول ما جمعه من الأحاديث الموصوفة بالنكارة وجد أن ثلثي هذه الأحاديث تفردات للضعفاء أو مخالفتهم، والثلث في تفرد الثقة أو الصدوق أو مخالفتهم (١).
وبشأن التفريق بين الشاذ والمنكر:
فلعل الداعي إلى القول بالفرق بينهما: أن أكثر (٢) تعريفات الشاذ - كما سبق في الفصل الخاص بالحديث الشاذ-: عن مخالفة الثقات أو تفردهم، بينما تعريفات المنكر يدور غالبها حول تفرّد الضعيف ومن باب أولى مخالفته لأنها أشد.
فالناس في المنكر فريقان:
فريق يقول إنه هو والشاذ سيان، ، وفريق يقول إن المنكر أسوأ حالا من الشاذ. (٣)
_________________
(١) "مجموع كل المواضع التي درستها وعددها اثنان وسبعون حديثًا، نجد أن ثمانية وأربعين راويًا منهم ضعفاء، وأربعة وعشرون منهم ما بين ثقة وصدوق، أي مقبول، وهذه نسبة تساوي الثلث تقريبًا. إذًا فماهية المنكر عند الحفاظ ليست محض التفرد، ولا محض المخالفة، ولا مجرد رواية الضعيف، بل المنكر عندهم فيما ظهر لي: (الفرد الذي ترجّح فيه خطأ راويه). وكثيرًا ما تكون أمارة الخطأ المخالفة، أو ضعف الراوي لكن ليست هي العلة المؤثرة، إنما ما ثبت عند الحفاظ أنه خطأ في الرواية المتفرّدة يسمونه منكرًا؛ خالف أو لم يخالف، ثقة كان المتفرد أو ضعيفًا." حمام، التفرد، ٥٠٠.
(٢) "الشاذ عند أهل الحديث ثلاثة أنواع:
(٣) مخالفة الثقة لأرجح منه.
(٤) تفرّد الراوي الثقة.
(٥) تفرّد الشيخ سواء كان ثقة أو ضعيفًا، والشيخ في اصطلاحهم من دون الأئمة الحفاظ؛ وهو يشمل الثقة والضعيف والمنكر ثلاثة أنواع:
(٦) ما انفرد به ظاهر الفسق، أو المستور، أو سيِّئ الحفظ، أو المضعّف في بعض مشايخه.
(٧) ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة أو الصدوق.
(٨) ما تفرد به الثقة وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولم يُقم على ذلك دليلًا". أحمد أشرف عمر لبي، الحديث الشاذ تسهيل وتأصيل، ١٦٦ - ١٦٧.
(٩) ينظر، الجزائري، التوجيه، ١/ ٢١٣ باختصار.
[ ٣٦٣ ]
"قال الحسين بن حبان (١): قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: " لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا" (٢)،
ولعل سبب اشتباه الحديث الشاذ كونه من رواية الثقات، والخطأ في روايات الثقات أشد غموضًا ولا يميّزه في الغالب إلا النقّاد (٣)، أما كون المنكر لا يشتبه لأحد فهذا دليل وضوحه وعدم اشتباهه لكونه في الغالب متعلّقا برواية الضعفاء والمتهمين والمتروكين، والله أعلم.
ولأن التفرّد كان قيدًا بارزًا في تعريف كل من مصطلح الشاذ والمنكر؛ رأيت من المناسب أن أُلحِق فصل الأفراد بهما.
_________________
(١) الحسين بن حبان بن عمار بن الحكم، أبو علي صاحب يحيى بن معين كان من أهل الفضل، والتقدم في العلم، وله عن ابن معين كتاب (سؤالات) غزير الفائدة مات سنة ٢٣٢ هـ قبل ابن معين بسنة. ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٨/ ٥٦٤ (٤٠٤٠)، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٥/ ٨١٢.
(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١١٨.
(٣) "من الملاحظ: أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف الفحل، علل الحديث، ١٨ - ١٩.
[ ٣٦٤ ]