فقد قسّم ابن الصلاح الأفراد إلى قسمين: فرد مطلق، وفرد نسبي.
أما القسم الأول: وهو التفرّد المطلق: فقد قيّده بالانفراد بالرواية دون متابعة أو مشاركة، سواء كان التفرّد بأصل الحديث أو جزء منه، وسواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة (١)، ولم يقيّد موضع التفرّد من السند إنما أطلق موضع التفرّد دون تحديد، فقال: "الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقًا، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.
أما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد، وقد سبقت أقسامه وأحكامه قريبا." (٢) ويقصد بأقسامه وأحكامه ما ذكره في الأنواع التي سبقت الفرد من الشاذ والمنكر وزيادة الثقة، ويختلف حكم الحديث الفرد فيها حسب مرتبة راويه من الثقة والضبط، واحتمال التفرّد منه أو عدم احتماله.
- أما القسم الثاني: التفرد النسبي: وإنما سُميّ نسبيًا؛ لكون التفرد فيه ليس مطلقًا بل بالنسبة لطريق معين، أو بالنسبة لصفة في أحد الرواة أو لجهة معينة أو بالنسبة لأهل بلد معين، حيث قال: "وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة،
وحكمه قريب من حكم القسم الأول، ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أو أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو لم يروه عن فلان
_________________
(١) سبق بيان ذلك في قيد التفرّد في فصل الحديث الشاذ والمنكر.
(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.
[ ٣٧٥ ]
غير فلان - وإن كان مرويًا من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك " (١).
وما ذكره الحاكم من أنواع الفرد تدخل ضمن هذا التقسيم، حيث قال:
"معرفة الأفراد من الأحاديث وهو على ثلاثة أنواع:
فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله - ﷺ - يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي، والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة، فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه" (٢).
وحين اعترض مغلطاي على تقسيم ابن الصلاح، وأراد منه كما تبع الحاكم في إفراد هذا المصطلح بالذكر أن يتبعه كذلك في تقسيم الأفراد إلى ثلاثة أنواع، فقال: "كان ينبغي له إذ يتبع الحاكم في أفراده أن يتبعه في تقسيمه " (٣)
أجاب على اعتراضه ابن حجر فقال: "وهو اعتراض عجيب، فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها الحاكم داخلة في القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، ولا سبيل إلى الإتيان بالثالث: لأن الفرد إما مطلق وإما نسبي وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:
أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث.
والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.
والأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد وأما النسبي فيتنوع - أيضا - أنواعًا:
_________________
(١) المرجع السابق. ينظر في تقسيم الأفراد لمطلق ونسبي غالب كتب الحديث بعد ابن الصلاح ممن اختصر كتابه أو نكّت عليه، ومن ذلك: النووي، التقريب، ٤٣، ابن جماعة، المنهل، ٥١، الطيبي، الخلاصة، ٥٣، ابن كثير، علوم الحديث، ٥٢، ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٦٨.
(٢) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٩٦ - ١٠٢ باختصار.
(٣) مغلطاي، الإصلاح، ٢/ ٢٧١ - ١٧٢.
[ ٣٧٦ ]
أحدهما: تفرد شخص عن شخص.
ثانيها: تفرد أهل بلد عن شخص.
ثالثها: تفرد شخص عن أهل بلد.
رابعها: تفرد أهل البلد عن أهل بلد أخرى " (١)
وقال الزركشي - مُلحقًا أنواع الأفراد عند الحاكم إلى ما تندرج تحته من الفرد المطلق أو النسبي-: "وقسم الحاكم التفرد ثلاثة أقسام: الأول: تفرد أهل مدينة عن صحابي، الثاني: تفرد رجل واحد عن إمام من الأئمة، الثالث: تفرد أهل مدينة عن مدينة أخرى. والأول والثالث يدخلان تحت الفرد بالنسبة إلى جهة خاصة." (٢).
ويُلاحظ أن الزركشي أدرج القسم الأول من الأقسام التي ذكرها الحاكم - وهو: تفرد أهل مدينة عن صحابي- ضمن الفرد النسبي (٣)، حيث مثّل الحاكم لهذا النوع بأمثلة منها: حديث عائشة ﵂ أنها: "لما توفي سعد بن أبي وقاص (٤)،
قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله، لقد صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء (٥) وأخيه (٦) في المسجد" (٧).
_________________
(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥ باختصار.
(٢) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٣) ينظر: عتر، منهج النقد، ٤٠٠.
(٤) سعد بن مالك بن أُهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، أبو إسحاق ابن أبي وقاص، من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، روى الكثير عن النبي - ﷺ -. مات سنة: ٧ أو ٨ للهجرة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٢٧٥ (٨٩١)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٨٢ (٢٣١٦)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٢٨٦ (٣٢٠٨).
(٥) سهيل بن البيضاء، واسم أمه البيضاء دعد بنت الجحدم، وهو أخو سهل، وصفوان ابني بيضاء، يعرفون بأمهم، وأبوهم وهب بن ربيعة بن من بني النضر بن كنانة القرشي الفهري، وكان سهيل قديم الإسلام، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، فجمع الهجرتين جميعا، ثم شهد بدرا وغيرها، ومات بالمدينة في حياة النبي - ﷺ - سنة تسع، وصلى عليه رسول الله - ﷺ - في المسجد. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣١٤ (١٠٧٧)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٨٢ (٢٣١٦)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٥١٣ (٣٥٧٨).
(٦) سهل بن بيضاء أخو سهيل وصفوان، أمهم البيضاء، كان ممن قام في نقض الصّحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، ومات بالمدينة وصلّى عليه النبيّ - ﷺ - وعلى أخيه سهيل في المسجد. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣٠٧ (١٠٤٢)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٦٩ (٢٢٨٣)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٤٩٠ (٣٥٣٧).
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، ٢/ ٦٦٩ ح (٩٧٣).
[ ٣٧٧ ]
قال الحاكم: تفرد به أهل المدينة ورواته كلهم مدنيون، ". (١)
- بينما نجد ابن حجر في كتابه النكت ذكر هذا المثال كمثال للنوع الثاني من الفرد المطلق، وهو: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (٢)، فقال: "ومثال النوع الثاني: حديث عائشة - ﵂ - "في صلاة النبي - ﷺ - على سهيل بن بيضاء - ﵁ - " له طريقان عنها (٣) رواتها كلهم مدنيون. قال الحاكم: "تفرد أهل المدينة بهذه السنة." (٤)
- ولعل ما أشار إليه السخاوي في شرحه لألفية العراقي يوضح بعض التداخل في أمثلة الفرد النسبي مع المطلق، فقال -قاصدًا أمثلة الفرد النسبي-: "والحاصل أن القسم الثاني
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ٩٧.
(٢) قال السخاوي: "وصنف أبو داود (السنن) التي تفرد بكل سنة منها أهل بلد; كحديث طلق في مس الذكر، قال: إنه تفرد به أهل اليمامة، وحديث عائشة في صلاة النبي - ﷺ - على سهيل بن بيضاء، قال الحاكم: تفرد أهل المدينة بهذه السنة." السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٢.
(٣) أخرج مسلم في صحيحه حديث الصلاة على سهيل بن البيضاء من طريق عباد بن عبدالله بن الزبير، ومن طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن كلاهما عن عائشة ﵂. ينظر: صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩ ح (٩٧٣).
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٤ - ٧٠٥. قال السليماني: "قسّم الحافظ الفرد المطلق إلى قسمين، وبالنظر فيهما حصل تداخل بين بعض صوره، وبين بعض صور النسبي. ونقل المناوي عن بعضهم أنه لا فرق بين النسبي والمطلق في أقسام النسبي، كما في (اليواقيت والدرر)، وصرّح السخاوي بأن بعض أنواع النسبي تشترك في بعض أنواع المطلق، كما في (فتح المغيث). وذكر بعضهم أن بعض الروايات تكون مطلقة من جهة، ونسبية من جهة، مع أنها رواية واحدة، وحصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق والنسبي، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العلمية قليلة، والله أعلم" السليماني، الجواهر، ٣٢٠ - ٣٢١.
[ ٣٧٨ ]
أنواع، منها ما يشترك الأول معه فيه ; كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحدا فقط. (١)
وتفرد الثقة بما يشترك معه في روايته ضعيف، ومنها ما هو مختص به، وهي تفرد شخص عن شخص أو عن أهل بلد، أو أهل بلد عن شخص أو عن بلد " (٢) ذكر هذه النتيجة بعد أن أسبقها بشرحه لعبارات الألفية فقال: " (فإن يريدوا) أي: القائلون بقولهم هذا وما أشبهه (واحدا من أهلها) بأن يكون المتفرد به من أهل تلك البلد واحدًا فقط وهو أكثر صنيعهم، وأطلقوا البلد (تجوزا) كما يُضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازا (فاجعله من أولها) أي: الصور المذكورة في الباب، وهو الفرد المطلق." (٣)
ثم نقل عن ابن دقيق العيد قوله: "إنه إذا قيل في حديث: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردًا مطلقًا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مرويًا عن غير ذلك المعين، فليتنبه لذلك، " (٤)
- وبالنسبة لأقسام الأفراد عند المقدسي، فالقسم الأول عنده يدخل في التفرد المطلق، وقد أشار فيه إلى التفرّد في أصل السند- ولعل ابن حجر تبعه في ذلك حين عرّف الفرد
_________________
(١) مثال ذلك: حديث عبدالله بن زيد في صفة وضوء رسول الله - ﷺ -: إن قوله: «ومسح رأسه بماء غير فضل يده» - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب في وضوء النبي - ﷺ - ١/ ٢١١ ح (٢٣٦) - فقد نقل السخاوي عن الحاكم قوله: سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، ولم يشركهم فيها أحد. ثم عقّب بقوله: "فإنه لم يروه من أهل مصر إلا عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع الأنصاري، عن أبيه عنه، فأطلق الحاكم أهل البلد وأراد واحدا منهم." ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ بتصرّف.
(٢) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٧١، ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٥٧.
(٣) السخاوي، المرجع السابق.
(٤) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٨، السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٧٢.
[ ٣٧٩ ]
المطلق، واختار تقييد موضع التفرّد بأصل السند، وذلك في كتابه النزهة (١)، - بينما الأنواع الأخرى عند المقدسي تفرّدات وغرائب نسبيّة.
- وأما ابن الأثير - فعلى الرغم من كونه لخّص ما ذكره الحاكم في كتابه- إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين للأفراد فقال: "ومن الغرائب: الأفراد، وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي - ﷺ -، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور" (٢)، فالأول يتراوح في دخوله تحت الفرد النسبي كما صرّح الزركشي (٣)، وبين اعتباره نوعًا من الفرد المطلق حسب المثال الذي استشهد
به ابن حجر لتفرّد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (٤)، أما القسم الثاني الذي ذكره ابن الأثير فإنه يتبع الفرد المطلق.
- وأما الخليلي فقد ذكر أنواع الأفراد حسب مرتبة الراوي المتفرّد من الثقة وعدمها، ولم يُشر لجهة الإطلاق في التفرّد أو النسبية، وإن كانت الأنواع التي ذكرها في مجملها لا تخلو من أن تندرج تحت واحدٍ منهما.
- وكذلك الميانشي ذكر نوعًا واحدًا للفرد، أطلق فيه موضع التفرد، وحدد مرتبة راويه بكونه ثقة، وأردفه بما يشير إلى أنه يقصد بالفرد زيادة الثقة، فقال "وأما المفرد: فهو ما
_________________
(١) ابن حجر، النزهة، ٦٤ - ٦٦. بينما نجده في كتابه النكت على ابن الصلاح أطلق موضع التفرّد، وجعل الفرد المطلق على قسمين فقال: "الفرد إما مطلق وإما نسبي، وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين: أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث. والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم. والأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد " ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤ باختصار.
(٢) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٥.
(٣) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥.
[ ٣٨٠ ]
انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ" (١)، فإذا قصد تفرّده بالحديث مُطلقًا بحيث لم يروه أحدٌ سواه لا عن شيخه ولا عن غيره، فهذا فرد مطلق، وإن خصّ التفرّد بالرواية عن الشيخ دون باقي تلامذته، بينما رُوي الحديث عن شيوخ آخرين، فهذا تفرّد نسبي.
- وغالب من جاء بعد ابن الصلاح ممن لخّص كتابه تابعوه في هذه التقسيم إلى مطلق ونسبي، وهذا شبه اتفاق بينهم على هذه القسمة، وإنما حدّد موضع التفرد - في الفرد المطلق- ابن حجر في كتابه النزهة فقال:
"ثم الغرابة إما أن تكون: في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي." - وقصد بذلك أن يرويه عن الصحابي تابعي واحد، - وقد أوضح ذلك بالأمثلة التي ذكرها، وفيها يتفرّد
التابعي في روايته عن الصحابي (٢)، وأشار أيضًا إلى أن هذا التفرد قد يستمر في الطبقات التي تلي التابعي فقال: "وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم "، هذا فيما يخص الفرد المطلق، (٣) بينما أشار إلى أن موضع التفرد في الفرد النسبي يكون في الطبقة التي تلي التابعين فقال: "أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن
_________________
(١) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٩.
(٢) فقال: "كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم، وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط، للطبراني أمثلة كثيرة لذلك." ابن حجر، النزهة، ٦٥، ومن مظان الأفراد كذلك المعجم الصغير للطبراني كما ذكر السخاوي في الفتح. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٢.
(٣) "إن كان التفرد في أصل السند أو في كل السند، فهو الفرد المطلق، وإلا فهو الفرد النسبي." أبو شبهة، الوسيط، ٣٦٩.
[ ٣٨١ ]
الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد. فالأول: الفرد المطلق. والثاني: الفرد النسبي " (١).
وقد علّق الدكتور الزهار على تخصيص ابن حجر لموضع التفرد بقوله: "بالنظر إلى تعريفات باقي الحفاظ للفرد المطلق يتضح أن الحافظ ابن حجر رأى التخصيص في إطلاق التفرد في طبقة معينة وهي أصل السند، وذهب الباقون إلى جعله مطلق التفرد." (٢) ولعل لابن حجر سلفًا فيما ذهب إليه، وذلك فيما ذكره المقدسي في النوع الأول من الغرائب والأفراد حيث قال: "النوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهورا برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في
الكتابين " (٣) حيث خصص موضع التفرّد بتفرد التابعي عن الصحابي، بل وأتبعه أيضًا بتفرد من بعده - أي: تابع التابعي- عنه بالرواية، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر حين قال: "وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم " (٤)، وتحديد موضع التفرّد من السند إنما ذكره ابن حجر في كتابه النخبة وفي شرحه عليها وهو النزهة، بينما نجده أطلق موضع
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٦٤ - ٦٦.
(٢) زهار، التفرد، ١٣٨.
(٣) المقدسي، الأطراف، ١/ ٢٩.
(٤) ابن حجر، المرجع السابق.
[ ٣٨٢ ]
التفرّد وتابع ابن الصلاح في ذلك في كتابه النكت على ابن الصلاح، بل وأشار إلى أن للمطلق أقسامًا، وجعل من ضمنها تفرّد أهل البلد بالرواية دون غيرهم. (١)
نخلص مما سبق:
أن معظم تعريفات الحديث الفرد أو الأفراد، وما جاء في تفصيل بعضهم لأنواعها يشمل في غالبه الفرد المطلق والنسبي (٢)، وإن لم يُشر قائلها لذلك، فهي في مجملها لا تخلو من هذين القسمين، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم الحديث إلى فرد مطلق ونسبي لا تعلّق به مباشرة من حيث الحكم على الحديث بالصحة والضعف، وإنما القبول والرد، وتصحيح الروايات وتضعيفها
متعلّق باعتبارات أخرى لا مدخل للتفرّد المطلق أو النسبي فيها، ولكنه من القرائن المهمة في عملية النقد الحديثي. (٣)
_________________
(١) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥. "الذي ذهب إليه لم أجده لغيره من المحدثين، ولم أرَ من قسّم المطلق هذين القسمين، مطلق أهل البلد ومطلق الراوي المنفرد " حمام، التفرد، ٢٣١.
(٢) بل دعا ذلك بعض المعاصرين إلى الإشارة أن الفائدة من التوسّع بذكر الأمثلة على هذه الأقسام قليلة من الفائدة العلمية، فقال: "حصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق والنسبي، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العلمية قليلة، والله أعلم". السليماني، الجواهر، ٣٢١. ولعل من أبرز الفوائد بيان ما يجتمع فيه إطلاق الفردية والغرابة من هذه الأنواع، وما يختصّ به نوع الفرد عن الغريب.
(٣) ينظر مباحث حكم الحديث الفرد المطلق والفرد النسبي في كتاب التفرد لعبدالجواد حمام، ٢٣١ - ٢٤٣، عتر، منهج النقد، ٤٠١. وقد ذكر القاسمي أقسام الفرد المطلق ثم قال: "فتحصل أن الفرد المذكور قسمان: مقبول، ومردود. والمقبول ضربان: فرد لا يخالف، وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه، والمردود أيضًا ضربان: فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده. -وقد استفاد هذا التقسيم من النووي في شرحه على مسلم، ١/ ٣٤ - ثم ألحقه بأقسام الفرد النسبي، وقال: "ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفه إلا أن يراد تفرد واحد من أهل هذه البلاد فيكون من الفرد المطلق. أو قيد براو مخصوص كقولهم لم يروه عن بكر إلا وائل ولم يروه عن وائل غير فلان فيكون غريبًا." القاسمي، قواعد التحديث، ١٢٨. "فتلخص من هذا أن الحديث الفرد يدور على سبعة أضرب وأحوال، أربعة منها مندرجة ضمن الفرد المطلق، والثلاثة الباقية تندرج ضمن الفرد النسبي، والحكم على كل نوع منها يرجع إلى قرائن أخرى، على اختلاف في ذلك بين المحدثين، " زهار، التفرد، ١٤٢.
[ ٣٨٣ ]