بتتبّع كتب الحديث وعلومه بحثًا عن تعريف للحديث الشاذ، وبيان حدوده (٢)، وجدت أغلب من تكلّم على هذا النوع من علوم الحديث يذكر تعريف الإمام الشافعي - ﵀- ثم يذكرون بعضًا من تعريفات من جاء بعده، وفي ذلك إشارة منهم إلى أنه أقدم من عرّف الشاذ من الحديث (٣)، وفيما يلي سرد هذه التعريفات حسب ترتيبها الزمني إلى عصر ابن الصلاح:
_________________
(١) ينظر مادة (ش ذ ذ): الفراهيدي، العين، ٦/ ٢١٥، ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٨٠، الرازي، المختار، ٣٥٤، ابن منظور، اللسان، ٣/ ٤٩٤، الفيروزآبادي، القاموس، ٣٣٤، المعجم الوسيط، ١/ ٤٧٦.
(٢) "بعض أهل العلم ممن له استقراء لكتب العلل يقول: إنه لم يقف في أحكام المتقدمين على حكم لحديث بلفظ (شاذ)، وهذا حق إلا في النادر، لكن لا شك أن أهل الحديث استعملوا من الأحكام ما يدل على معنى الشذوذ، كقولهم: (خطأ)، وقولهم (لا يُتابع عليه)، وقولهم (غير محفوظ)، وهذا معنى قول ابن الصلاح ﵀: "وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث" -ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠ - وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر ﵀ من كلام المتقدمين حيث رأى أن ذلك يُراد به في بعض الأحيان الشاذ." العثمان، المحرر، ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٣) استدراك من فضيلة المناقش: كلام الشافعي يدل على أن هناك من عرّف الشاذ في عصره بالتفرّد.
[ ٢٨٨ ]
تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):
روى ابن أبي حاتم (١) بإسناده إلى الشافعي قوله: "ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يرويَ الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيُخالِفهم" (٢)، وبنحوه أخرجه الحاكم في كتابه المعرفة. (٣)
وروى ابن أبي حاتم أيضًا عن الشافعي قوله: "إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم." (٤)
تعريف أبو بكر الأثرم (٥) (مختلف في وفاته ما بين ٢٦١ - ٢٧٣ هـ):
قال أبو بكر الأثرم: "الشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره". (٦)
_________________
(١) عبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الرازي، أبو محمد ابن أبي حاتم. محدث حافظ. من مصنفاته: (الجرح والتعديل) و(علل الحديث)، وغيرها. مات سنة ٣٢٧ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٣/ ٢٦٣. الصفدي، الوافي بالوفيات، ١٨/ ١٣٥ (٦٨٣٢)، كحالة، المؤلفين، ٢/ ١٠٩ (٦٩٦١).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: عبدالرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي، آداب الشافعي ومناقبه، تحقيق: عبدالغني عبدالخالق، ط ٢ (القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٤١٣ هـ= ١٩٩٣ م) ٢٣٣، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١.
(٣) أخرجه البيهقي كذلك من طريق الحاكم في معرفة السنن والآثار، ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٩، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، معرفة السنن والآثار، تحقيق: عبدالمعطي أمين قلعجي، (القاهرة-المنصورة: دار الوفاء، ١٤١٢ هـ=١٩٩١ م) ١/ ١٤٣ ح (١٦٩).
(٤) ابن أبي حاتم، آداب الشافعي، ٢٣٤، وأخرجه أيضًا ابن عدي في مقدمة الكامل في الضعفاء مع وجود خطأ مطبعي دمجت فيه كلمة (نصّ) وما بعدها فكتبت (نصرتهم)، ابن عدي، الضعفاء، ١/ ٢٠٧. ومن هذه الروايات الثلاث لمعنى الشاذ عند الشافعي نجده -﵀- قيّد الشاذ بقيدين: قيد المخالفة، وقيد الثقة. وما جاء في بعض روايات التعريف بعموم المخالَف وهو قوله: "يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس" خصته الروايات الأخرى بالثقات. يقول الدكتور عبدالجواد حمام أنه بحث عن تعريف الشاذ في كتب الشافعي فلم يجده، والذين نقلوا كلامه في الشاذ لم يعزوه إلى شيء من كتبه، "وإنما رُوي كلام الشافعي عنه مُسندًا، ولعله قاله مشافهة ولم يسطّره في كتاب؛ ولذلك وقع شيء من الاختلاف في النقل عنه". حمام، التفرد، ٣٣٢.
(٥) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال: الكلبي، أبو بكر الأثرم البغدادي، الفقيه الحافظ، روى عن أحمد بن حنبل وتفقه عليه، وروى عنه الناس، قال ابن حبان "وكان من خيار عباد الله من أصحاب أحمد ابن حنبل" اُختلف في تاريخ وفاته، قيل: ٢٦١، وقيل ما بعدها، وقيل تأخرت وفاته إلى ٢٧٣ هـ. ينظر: ابن حبان، الثقات، ٨/ ٣٦، الذهبي، السير، ١٢/ ٦٢٣ (٢٤٧)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ٧٨ (١٣٣).
(٦) هكذا جاء تعريفه للشاذ مقيّدًا بالمخالفة، والناظر للتعريف مجردًا يجده قد أطلق رتبة المخالِف، والمخالَف ولم يحددهما، لكن بتتبّع السياق الذي ورد فيه التعريف والمثال الذي ذكره يظهر أنه أراد مخالفة الثقة للثقات، وبهذا يكون موافقًا للشافعي في تعريفه للشاذ. ينظر: أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم، ناسخ الحديث ومنسوخه، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، ط ١، بلد النشر] بدون [: ن] بدون [(١٤١٩ هـ) ١٨١، ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٧. وسيأتي مزيد إيضاح أثناء تحرير التعريفات.
[ ٢٨٩ ]
تعريف صالح جزرة (١) (ت ٢٩٤ هـ)
قال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة: "الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف" (٢).
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
ذكر الحاكم تحت النوع الثامن والعشرين تعريف الشاذ فقال: "الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". (٣)
_________________
(١) صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب السدي، يكنى أبا علي، ويلقب جزرة، وكان حافظا عارفا من أئمة الحديث، وممن يرجع إليه في علم الآثار، ومعرفة نقلة الأخبار. مات سنة ٢٩٣ هـ. ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٩/ ٣٢٢ - ٣٢٨ (٤٨٦٢)، الذهبي، السير، ١٤/ ٢٣ - ٣٣ (١٢)،
(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١. تعريفه الشاذ بالمنكر الذي لا يُعرف، أي الشاذ في مقابلة المعروف عند الأئمة، يترتب عليه أن الشاذ والمنكر عنده بنفس المعنى، وقال الدكتور أبو سمحة: "قوله (لا يُعرف) إما بتفرّد أو مخالفة الراوي". بينما كان للدكتور عبدالجواد حمام رأي آخر حيث قال شارحًا لتعريف الحافظ صالح جزرة: "يلاحظ في عبارته: أن الوصف المؤثر في الشاذ هو كون الحديث منكرًا غير معروف، أي عدم معرفة الحفاظ له؛ على سعة اطلاعهم، وإحصائهم للرواة والمرويات، وعدد الروايات المروية بكل سند تقريبًا، فكونه خارجًا عن محفوظاتهم، غريبًا عليهم، هو الذي أثر في وصفه بالشذوذ. -أنه لم يذكر في الشاذ وصف المخالفة. - أنه إنما يتكلّم عن الشاذ في معرض الذم والقدح." المراجع: أبو سمحة، الحديث المنكر، ١٥٢، حمام، التفرد، ٣٤٣.
(٣) وذلك بعد أن قال: "معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثٌ في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم". الحاكم، علوم الحديث، ١١٩. قال ابن الأثير موضحًا ما ذهب إليه الحاكم بقوله: "وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه، فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذكرت، والشاذ: ما لا يعرف له علة." ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٧. يقول الدكتور نورالدين عتر في تحقيقه لشرح علل الترمذي: "وثمة تحقيق جديد في مراد الحاكم بالشاذ، هو أنه نوع دقيق من المعلل، قد أُعلَّ بأمر دقيقٍ من التفرد، هو أعمق من ظاهر معنى التفرد، فهو نوع من المعلل ينقدح في نفس الناقد تعليله، وقد تقصر عبارته عن الإفصاح به، لكون علته ليست من نوع العلل المعروفة، كوصل حديث مرسل، أو وهم راو، أو دخول حديث في حديث. وهذا ما تفيده عبارة الحاكم، وتدل عليه الأمثلة التي ذكرها للشاذ، وهو أن الشاذ نوع من الحديث الفرد، يقع رجاله في السند على نسق فريد لم يُعرف في سياق أسانيد الأحاديث غير سياق الحديث المحكوم عليه بالشذوذ، وكذلك المتن. وذلك يُشعر بوقوع خلل في الحديث وإن كنا لا نستطيع بيان هذا الخلل وتعيينه ما هو؟ ". ينظر: ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٤٥٩ - ٤٦٠. "أي: أن للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين:
(٤) تفرد ثقة.
(٥) ينقدح في نفس الناقد أنه غلط. وبهذا إذا كان هناك حديث فرد ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لا شيء فيه عند الحاكم. الأثري، الأقوال الراجحات في الحديث الشاذ وزيادة الثقات، ٤١.
[ ٢٩٠ ]
تعريف أبي يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ):
عرّف الخليلي الحديث الشاذ بعد أن ذكر تعريف الشافعي له، ونسبه كذلك لجماعة من أهل الحجاز (١)، ثم أردفه بقوله: "والذي عليه حفَّاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يَشذُّ بذلك شيخ (٢)، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يُقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يُحتج به" (٣)
_________________
(١) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٢) لفظ (شيخ. المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٣٧، ابن القطان، الوهم والإيهام، ٤/ ٦٢٧، الذهبي، الميزان، ٢/ ٣٨٥ (٤١٧٧)، الذهبي، الموقظة، ٧٨، الليث آبادي، المعجم، ٧٧، الغوري، الموسوعة، ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٣) الخليلي، المرجع السابق. حيث ذكر المراد بالشاذ بعد أن ذكر أنواع الأفراد، وميّز بين تفرّد الأئمة الحفاظ، وتفرّد الشيوخ. قال ابن رجب موضحًا مراد الخليلي من تفرد الشيوخ بقوله: "ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردًا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه، " إلى أن قال: "وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم" ينظر: ابن رجب، العلل، ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ باختصار. وعلى ذلك فإن "وصف (شيخ) ليس المراد منه هنا الجرح أو التعديل من حيث الضبط والعدالة؛ لأنه ذكر أن هذا الشيخ قد يكون ثقة وقد يكون غير ذلك، وما كان عن غير ثقة فهو متروك، وما كان عن ثقة فهو متوقف فيه، وغير محتج به. فما الفرق إذن بينه وبين الأئمة والحفاظ؟ الظاهر أن الفرق يتعلّق بكمِّ الرواية، وسعة المرويات، وشهرة هذا الراوي، لا من حيث التوثيق والتجريح، فالإقلال من الرواية قد يكون سببًا في عدم شهرة الراوي أو معرفته؛ لذا يوصف بأنه: (مستور) أو (محله الصدق)، أو يوصف بأنه (شيخ) فهو لم يوثق ولم يجرح، لعدم اختبار ضبطه، لكن قد ارتفعت الجهالة عنه." حمام، التفرد، ٣٧٨ - ٣٧٩.
[ ٢٩١ ]
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
قال الميانشي: "وأما الشاذ: فهو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون" (١).
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ابن الصلاح: "الشاذ المردود (٢) قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف." (٣)
_________________
(١) الميانشي، ما لا يسع جهله، ٢٩. قال الزركشي: "وجرى الميانشي على طريق المحدثين." ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف، وقال محقق الكتاب: وقوله: "ولكن لا يوافقه على روايته المعروفون" أي لا يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلا لما كان جريًا على طريق المحدثين. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٩.
(٢) وتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر "الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة" الدهلوي، أصول الحديث، ٧٧. "وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف." الزركشي، النكت، ١٤٠، ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١ - ٣٢.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩. ذكر ابن الصلاح التقسيم السابق بعد أن ناقش تعريف كل من الشافعي والحاكم والخليلي، واعترض على الأخيرين بقوله: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: " إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له، مزحزحًا له عن حيز الصحيح. ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر." ابن الصلاح، المرجع السابق.
[ ٢٩٢ ]
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
لقد قسّم ابن الصلاح الشاذ إلى قسمين، تضمَّنا - بشيء من التصرّف- ما ذكره السابقون له في تعريفهم للشاذ، أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح.
وممن اختصر كلامه دون تعقيب: ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (١)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٤)، بينما تعقّبه ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) في تقسيمه فقال: "وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (٥).
وكان ممن رجّح بين التعريفات: ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) حيث رجّح تعريف الشافعي للشاذ فقال: "إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة
_________________
(١) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٧.
(٢) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٤٢.
(٣) ينظر: البلقيني، المحاسن، ١٧٠.
(٤) ينظر: العراقي، التقييد، ١٠٠، العراقي، التبصرة، ١/ ٢٤٦.
(٥) ابن جماعة، المنهل، ٥١. قال الطيبي في الخلاصة: "قوله (أحفظ منه وأضبط) على صيغة التفضيل، يدل على أن المخالف إن كان مثله لا يكون مردودًا" الطيبي، الخلاصة، ٧٧. أضاف محقق المنهل ط غراس: "بل يُعطى له حكم التعارض، ويُدفع ذلك التعارض بأحد وجوه الترجيح المعروفة عند علماء هذا الفن". ينظر: ابن جماعة، المنهل الروي، ١٣٦.
[ ٢٩٣ ]
حديثا منفردا به - لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يسمى شاذًا، وإن اُصْطُلِح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغا له." (١)
وكذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) ففي كتابه (التقريب) (٢) اختصر ما ذكره ابن الصلاح، ولم يُعقّب عليه، لكن في كتابه (المجموع شرح المهذب) رجّح ما ذهب إليه الشافعي في الشاذ بقوله "ومذهب الشافعي وطائفة من علماء الحجاز أن الشاذ ما يخالف الثقات، أما ما لا يخالفه فليس بشاذ، بل يُحتجُّ به. وهذا هو الصحيح وقول المحققين" (٣)، وممن رجّح تعريف الشافعي أيضًا: ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) حيث اختصر كلام ابن الصلاح، وأكّد على تصويب مذهب الشافعي في الشاذ فقال: "الذي قاله الشافعي أولًا هو الصواب؛ أنه إذا روى الثقة شيئًا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ -يعني المردود-؛ وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروِ غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلًا ضابطًا حافظًا" (٤).
وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع) (٥) بينما اقتصر في التذكرة على ما يوافق تعريف الشافعي للشاذ، فقال: "الشاذ: وهو ما روى الثقة مخالفا لرواية الثقات" (٦).
ومن أبرز التعاريف للحديث الشاذ بعد ابن الصلاح:
_________________
(١) ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، ١/ ٥٢٢.
(٢) النووي، التقريب، ٤٠.
(٣) النووي، المجموع شرح المهذب ٤/ ١٤٣، ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٨.
(٤) ابن كثير، الاختصار، ٥٠.
(٥) ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٦٥.
(٦) ابن الملقن، التذكرة، ١٦.
[ ٢٩٤ ]
تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث اعتمد تعريف الشافعي للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف بأن قيّده بالقبول، بينما الشافعي قيّده بالثقة، فقال في كتابه (نزهة النظر): "الشاذ: ما رواه المقبول (١) مخالفًا لِمَنْ هو أَولى منه." (٢)، وأتبعه بقوله: "وهذا هو المعتمد (٣) في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح."
وقال في كتابه (النكت): "فالأليق في حد "الشاذ" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم". (٤)
وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) وتبعه السيوطي (ت ٩١١ هـ) (٥) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة (٦)، ففي كتابه (فتح المغيث) ذكر ترجيح قول الشافعي في الشاذ، وأشار إلى أنه اختيار شيخه ابن حجر، فقال: "فالأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي؛ ولذا اقتصر شيخنا في شرح النخبة عليه". (٧)
_________________
(١) أي: ثقة أو صدوق. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧٩. وعبّر بالمقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن. ينظر: السليماني، الجواهر، ٣٠٢.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٥.
(٣) ذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاق آخر عند المحدثين، مثل إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي سيِّئ الحفظ إذا لازمه سوء الحفظ في جميع حالاته. ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٢٩.
(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧١.
(٥) ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٢.
(٦) قيّد التهانوي المخالفة في تعريفه للشاذ بكونها تستلزم رد ما رواه الأرجح، فقال: "والشاذ: ما رواه الثقة أو الصدوق مخالفًا لمن هو أرجح منه لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو مرجِّحٍ سواهما (مخالفة تستلزم ردَّ ما رواه الأرجح)." وقال الجزائري في توجيه النظر: "والشذوذ مخالفة الثقة في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين." المراجع: التهانوي، قواعد في علوم الحديث، ٤٢، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٨٠".
(٧) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩.
[ ٢٩٥ ]
ووضّح المراد بالحديث الشاذ بقوله: "الشاذ اصطلاحا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (الملا) - بالهمز وسهل تخفيفا- أي: الجماعة الثقات من الناس; بحيث لا يمكن الجمع بينهما" (١).