اعتنى بعض علماء الحديث ونقادّه ببيان مفهوم بعض المصطلحات الحديثية المتداولة بينهم، وذلك إما: بتعريفها ووضع حدّ لها، أو بذكر بعض قيودها وشروطها التي تميّزها عن غيرها، وكان مما وجدته في بيان مفهوم الحديث الصحيح (٤) أو شروطه ما يلي:
_________________
(١) من النكات اللطيفة في معنى الحديث الصحيح: ما اختاره الجعبري في معنى الصحيح في اللغة بأنه: الصدق، ولعل ما دعاه لاختيار هذا المعنى كون تعريف الخبر في اللغة: هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، وبالنظر في تعريف الصدق في اللغة فإنه: أصل يدل على قوة في الشيء قولا وغيره. وهي إشارة لطيفة منه إلى الصفات التي تحفّ الحديث الصحيح. المراجع: الجعبريّ، رسوم التحديث في علوم الحديث، ٥٤، ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ٣/ ٣٣٩ مادة (ص د ق)، الجرجاني، التعريفات، ٩٦، مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ١/ ٢١٥.
(٢) يُنظر مادة (ص ح ح): الأزهري، تهذيب اللغة، ٣/ ٢٦٠. ابن فارس، المرجع السابق، ٣/ ٢٨١. الجوهري، الصحاح، ١/ ٣٨١. الرازي، مختار الصحاح، ٣٧٥. ابن منظور، لسان العرب، ٢/ ٥٠٧. الفيروزآبادى، القاموس المحيط، ٢٢٨.
(٣) وهو حقيقة في الأجسام، مجاز في غيرها. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٦١.
(٤) سبق في التمهيد - عند الحديث عن نشأة الإسناد- الإشارة إلى دور الصحابة، ومن جاء بعدهم من السلف الصالح في التثبت عند نقل الأخبار، والتدقيق فيها، والتأكّد من اتصال السند وثقة الرواة وعدالتهم (إذ أهم شروط الصحيح كما سيأتي عند تحرير التعريفات)، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه، باب المسح على الخفين أن عبدالله بن عمر - ﵁ - سأل أباه - ﵁ - عن روايةٍ لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -، فقال له عمر - ﵁ -: إذا حدَّثك سعدٌ عن النبي - ﷺ -، فلا تسأل عنه غيرَه. ١/ ٥١ ح (٢٠٢). وأخرج الحاكم في المستدرك أن عمرًا - ﵁ - سأل عبدالرحمن بن عوف عن حديثٍ، فوجد عنده منه علمًا، فقال له: هَلُمَّ؛ فأنت العدل الرضا.١/ ٤٧١ ح (١٢١٣) وأخرج مسلم -في مقدمة صحيحه- قول التابعي الجليل محمد بن سيرين ١/ ١٤، وأخرج عنه أيضًا قوله: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، ١/ ١٥، فالتدقيق في نقل الأخبار، والسؤال عن الإسناد إنما لمعرفة حال رواته من العدالة والضبط، وهذا يستلزم أن يكون السند متصلًا غير منقطع، وإلا لم تُعرف عدالة الساقط من السند.
[ ٤٧ ]
تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):
قال الشافعي: "إذا حدّث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، فهو ثابت عن رسول الله - ﷺ - " (١)
وقد استطرد -﵀- في ذكر شروط الحديث الصحيح، فقال:
"خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي - ﷺ - أو من انتهى به إليه دونه، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا:
منها أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدّث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه: لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظًا إن حدث به من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بريًا من أن يكون مدلسا (٢)، يحدث عن من
لقي ما لم يسمع منه، ويحدّث عن النبي - ﷺ - ما يحدث الثقات خلافه عن النبي - ﷺ -،
_________________
(١) ذكره الشافعي في كتابه الأم، ولم ينصّ على كونه تعريفًا للصحيح؛ لكنه يتضمنه، وقد استشهد به ابن جماعة في كتابه المنهل الروي بعد أن عرّف الحديث الصحيح، وكذلك ابن الملقن في كتابه المقنع. المراجع: الشافعي، الأم، ٨/ ٥١٣، ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٣، ابن الملقن، المقنع، ٤٣.
(٢) قال أيضًا ﵀ في كتابه الرسالة: "وأقبل في الحديث: (حدثني فلان عن فلان)، إذا لم يكن مدلسا" إلى أن قال: "ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثا حتى يقول فيه: (حدثني) أو (سمعت) ". ا. هـ. والتدليس نوع من أنواع الانقطاع في السند، وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: "يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه". المراجع: الشافعي، الرسالة، ٣٧٣ - ٣٨٠، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٣، وسيأتي الحديث عنه بشيء من التفصيل في قيد نفي التدليس من ضمن القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح للصحيح.
[ ٤٨ ]
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولًا إلى النبي - ﷺ - أو إلى من انتهي به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت." (١)
تعريف الحميدي (٢) (ت ٢١٩ هـ):
قال ﵀:
" فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله - ﷺ - ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتًا عن رسول الله - ﷺ -، متصلًا غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثًا متصلًا حدثنيه ثقة معروف عن رجل جَهِلْتُه وعَرَفَه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتًا يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي - ﷺ -، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت، أو حدثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ -، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر، لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المُحدِّث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ -، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى ذلك عنه، قال: فهذا الظاهر الذي يُعمل به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلًا
وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نُكلَّف علمه إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه". (٣)
_________________
(١) المرجع السابق، ٣٧٠ - ٣٧٢، قال ﵀: "وإذا ثبت عن رسول الله - ﷺ - الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرا يخالف أمره."المرجع السابق ٣٣٠. وقد استطردت في ذكر شروط الصحيح عند الشافعي اقتداءً بابن رجب الحنبلي الذي ذكرها في شرحه لعلل الترمذي بعد قوله: " أما الصحيح من الحديث: وهو الحديث المحتجُّ به فقد ذكر الشافعي ﵀ شروطه بكلام جامع". قال محقق الكتاب الدكتور نورالدين عتر -مُعلِّقًا على ذلك-: "وهذا أقدم تعريف مدوّن يصلنا للحديث الصحيح. ابن رجب، شرح علل الترمذي، تحقيق: نور الدين عتر، ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٢) عبدالله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي، أبو بكر الحميدي، المكي، من شيوخ البخاري، ثقة حافظ فقيه أجلُّ أصحاب ابن عيينة، قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٥٢ (٢٧٢١)، ابن حجر، التقريب، ٣٠٣ (٣٣٢٠).
(٣) أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية، ٢٤. وقد ذكر محقق كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم -الدكتور أحمد فارس السلّوم- في مقدمة تحقيقه أن للحميدي رسالة صغيرة في من يقبل حديثه ويُردّ، وقد أفادني مشكورًا هو والدكتور سعد الحميّد بأنني سأجد بعضًا من نصوصها في مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وفي الكفاية للخطيب البغدادي. والحميدي من تلاميذ الإمام الشافعي، وفي نفس الوقت =
[ ٤٩ ]
تعريف مسلم (ت ٢٦١ هـ):
وصف الإمام مسلم الأحاديث -التي أودعها في صحيحه- بقوله في مقدمة كتابه الصحيح: "الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم". (١)
تعريف ابن خزيمة (٢) (ت ٣١١ هـ):
قال ﵀ في بداية كتاب الوضوء من كتابه الصحيح: "مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ - بنقل العدل عن العدل، موصولًا إليه - ﷺ - من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار، التي نذكرها بمشيئة الله تعالى". (٣)
_________________
(١) = من شيوخ البخاري حيث قال ابن حجر في فتح الباري: "جزم كل من ترجمه- أي البخاري- بأن الحميدي من شيوخه في الفقه والحديث"، وقد افتتح كتابه الصحيح بالرواية عنه، حيث ذكر ابن حجر من ضمن تعليله لسبب ذلك: "لكونه أفقه قرشي أخذ عنه"، فلا عجب إذن من اهتمام الحميدي -﵀- بذكر شروط الحديث الصحيح، ونجد محقق كتابه المسند الأستاذ حسين سليم أسد يذكر من ضمن الأسباب التي دفعته لتحقيق الكتاب: "نظافة هذا المسند الذي بلغت أحاديثه (١٣٣٠) حديثًا، منها (٥٨٢) حديثًا اتفق عليه الشيخان، وانفرد البخاري بـ (٩٦) حديثًا منها، بينما انفرد مسلم بـ (١٥٢) حديثًا، وإذا علمنا أن هناك عددًا من الآثار ينبغي تحييدها، ثم حسبنا النسبة المئوية لما فيه من الضعيف لوجدناها أقل من ٧% وهذه النسبة لا تكون إلا في الكتب التي بلغت غاية في النظافة".ا. هـ. المراجع: ابن حجر، فتح الباري، ١/ ١٠، ١/ ١٥، حسين سليم أسد، "آثار الحميدي، من تحقيقه ودراسته لكتاب أبي بكر عبدالله بن الزبير الحميدي، مسند الحميدي، ١/ ٥٨، أحمد فارس السلوم، "الحاكم أول من صنف في جمع علوم الحديث" من تحقيقه لكتاب أبي عبدالله الحاكم، معرفة علوم الحديث، ١١.
(٢) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٥، ولم ينصّ ﵀ على تعريف الصحيح بل ذكر طريقة انتقائه للمرويات، ومواصفات الراوي والمروي، ولكونه جرّد كتابه للأحاديث الصحيحة؛ فيُعدّ ذلك تضمينًا لشروط الصحيح عنده، قال ابن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم: "شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر"، ولابن حجر تعقيب على ما ذكره ابن الصلاح بخصوص اشتراط مسلم نفي الشذوذ، نقل هذا التعقيب السيوطي في تدريب الراوي، وسيأتي بيان ذلك عند تحرير التعريفات بإذن الله. المراجع: ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، ٧٢، يُنظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠.
(٣) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، كان فقيها مجتهدا، عالما بالحديث. وله مصنفات عديدة تزيد على ١٤٠ من أشهرها كتابه الصحيح. ينظر: الذهبي، السير، ١١/ ٢٢٥. الزركلي، الأعلام، ٦/ ٢٩.
(٤) ابن خزيمة، الصحيح، ١/ ٤٥، أيضًا نجده ﵀ لم ينص على تعريف للصحيح، بل وصف لنا بشكل عام صفات مروياته في كتابه.
[ ٥٠ ]
تعريف ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ):
ذكر ﵀ في مقدمة صحيحه شروطه في الراوي والمروي فقال: "نملي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسنادًا وأوثَقِها عمادًا من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها" (١)، وأضاف في نهاية مقدمته: " وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها." (٢)
وقال في شروط رواة صحيحه:
"وأما شرطنا في نَقْلَةِ ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجَّ فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:
الأول: العدالة في الدين بالسَّتر الجميل. والثاني: الصدق في الحديث بالشُّهرة فيه. والثالث: العقل بما يُحدِّثُ من الحديث. والرابع: العلم بما يُحيلُ من معاني ما يروي. والخامس: المُتَعَرِّى خبره عن التدليس.
فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبَنَيْنَا الكتاب على روايته وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به." (٣)
وقال في مقدمة كتابه "المجروحين" - مختصرًا لما فصّله سابقًا-:
"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد (٤) الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني
_________________
(١) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ١/ ٥١ باختصار.
(٢) المرجع السابق، ١/ ١٢٦.
(٣) المرجع السابق، ١/ ١١٢.
(٤) إشارة منه إلى حجية خبر الآحاد، ورد على من يشترط التعدد في الصحيح.
[ ٥١ ]
الحديث من اللفظ، المتبرّي على (١) (هكذا (التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ - سماعًا متصلًا." (٢)
تعريف الخطابي (٣) (ت ٣٨٨ هـ):
عرّف الخطابي الصحيح بقوله: "ما اتصل سنده، وعُدِّلت نقَلتُه" (٤).
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
ذكر الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" تحت النوع التاسع عشر: معرفة الصحيح والسقيم: "وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة (٥)، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول إلى وقتنا
_________________
(١) هكذا في المطبوع، ولعل الصواب "من" بدلا من "على"، كما جاء في تعريف الشافعي السابق: "بريًّا من أن يكون مدلسا".
(٢) ابن حبان، المجروحين، ١/ ٨.
(٣) حمد بن محمد بن إبراهيم ابن الخطاب البستيّ، أبو سليمان. كان إمامًا في الفقه والحديث واللغة. من تصانيفه: (غريب الحديث) و(شرح البخاري). ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٣/ ٢٨٢. السيوطي، طبقات الحفاظ، ٤٠٤. الزركلي، الأعلام، ٢/ ٢٧٣.
(٤) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦.
(٥) مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي: إلى ثلاث حالات هي:
(٦) من جُهل اسمه (فأُطلِق على الإبهام جهالة). ٢ - إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل.
(٧) جهالة الاشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الاصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصًا بالجهالة وهو قلّة الرواية. المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤١٥، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٦، ابن حجر، فتح الباري، ١٠/ ٥٧٥، ابن حجر، لسان الميزان، ٦/ ١٣، الجديع، تحرير علوم الحديث، ١/ ٣٥٠. عبدالجواد حمام، جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي، ٢/ ٩١١ - ٩٣٧، ٢/ ١١٣٧.
[ ٥٢ ]
هذا كالشهادة على الشهادة." (١)
تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):
نقل الميانشي تعريف الحاكم للصحيح، فقال: "وصفة الصحيح: أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل العلم بالقَبول، وهو بمنزلة الشهادة، حكاه الحاكم أبو عبدالله". (٢)
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
قال ﵀: "أما الحديث الصحيح فهو: الحديث المسند، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه؛ ولا يكون شاذًا ولا معللًا". (٣)
_________________
(١) الحاكم، علوم الحديث، ٦٢. هذا ما عرّف به الحديث الصحيح في هذا الكتاب بينما نجده قد ذكر في كتابه الآخر (المدخل إلى الإكليل) أن الحديث الصحيح على أقسام عشرة ذكرها بأمثلتها، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء تحرير التعريفات ..
(٢) الميانشي، ما لا يسع جهله، ٢٧.
(٣) ثم بعد أن ذكر التعريف ومحترزاته أردف بقوله: "فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف، كما في المرسل. ومتى قالوا: هذا (حديث صحيح) فمعناه: أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول". ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١ - ١٤، ويشير تعقيبه إلى الاختلاف الحاصل بين العلماء في تصحيح بعض الأحاديث، وأثر التفرّد في الرواية ولو جمعت شروط الصحيح، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل يتضح بإذن الله في تحرير مصطلح الفرد والشاذ، وبيان من يُحتمل تفرّده من الرواة، ومن لا يُحتمل.
[ ٥٣ ]
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من اختصر تعريفه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٢)، ومنهم من استدرك وتعقّب كابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٣)، وتلميذه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) حيث أضاف قيد نفي التدليس، فقال في كتابه الموقظة: "فالمجمع على صحته إذًا: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس" (٤).
وأطال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، في تعريف الصحيح - جامعًا أغلب ما اُستدرِك على من سبقه- فقال: "حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى
ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذًا، ولا مردودًا، ولا معللًا بعلة قادحة، وقد يكون مشهورًا أو غريبًا" (٥)
_________________
(١) قال -﵀-: "هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة". وقوله "بالعدول الضابطين" محتملة لأن يكون مراده مجموع رواة الإسناد من أوله إلى آخره، ويحتمل اشتراطه العدد وليس مرادًا كما قال السيوطي في "التدريب": "توهم أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين، وليس مرادا"، المراجع: النووي، التقريب، ٢٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧.
(٢) قال -﵀- مختصرًا لكلام ابن الصلاح: "اعلم أن الحديث الصحيح: هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة". ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٣. ثم أشار كغيره إلى سبب الاختلاف في الحكم على بعض الأحاديث بالصحة، والسبب في ذلك اختلافهم في وجود هذه الشروط أو انتفائها، وأعقب ذلك بذكر تعريف الشافعي والخطابي للحديث الصحيح.
(٣) ناقش تعريف ابن الصلاح ثم تعقّبه بقوله: "ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسنًا، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعًا مانعًا."ا. هـ، فقد أشار إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، ولعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة، حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الاتصال. ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥.
(٤) الذهبي، الموقظة، ٢٤. وسلفه- في إضافة نفي التدليس- الشافعي وابن حبان في شروطهما في رواة الصحيح، وحين ناقش تعريف الحديث الحسن أشار إلى التداخل بينه وبين الصحيح.
(٥) ابن كثير، الاختصار، ٢٨. فأشار تعريفه إلى أن الصحة لا تقتصر على المسند المرفوع، بل يشمل الموقوف والمقطوع، وكذلك ليس شرطًا أن يكون الحديث عزيزًا بل قد يكون مشهورًا أو غريبًا، ووصف العلة بكونها قادحة، وزاد قيدًا بقوله "ولا مردودًا"، ولعله أضافه من باب التأكيد على أن الصحيح من نوع المقبول لا المردود، فإن اُختلف في معنى الشذوذ-كما سيأتي في فصل الحديث الشاذ- فمراده أن الصحيح المتفق عليه يكون من المقبول الذي لم يرد، والله أعلم.
[ ٥٤ ]
وبعد أن أطال ابن كثير في تعريف الصحيح، عاد ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) لاختصاره، حيث نجده في كتابه المقنع صاغ تعريف الصحيح بما عرّفه به النووي في التقريب، فقال: "ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة" (١)، ثم عاد واختصره في كتابه التذكرة (٢)، فقال: "الصحيح: ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه" (٣).
ومن أبرز ما تمت إضافته - لتعريف ابن الصلاح- وصف التمام لضبط الراوي، وأضافه ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في كتابه نخبة الفكر، فقال: "وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته". (٤)
ووافق ابن حجر على إضافة هذا الوصف من جاء بعده من تلامذته وغيرهم (٥).