ورد لفظ العلة - وكذلك وصف الحديث بكونه مُعلًا أو معلولًا- في كتب نقاد الحديث، إلا أن تفسير معنى العلة أو الحديث المعلول، وحدِّه بما يُميِّزه إنما ورد في بعض الكتب التي صُنِّفت في علوم الحديث، وكان "أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث- وهو أقرب إلى الوصف منه إلى التعريف-" (١) ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث.
تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):
قال الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث"- تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث-: "معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح، والسقيم، والجرح والتعديل ".
ثم أتبعه بقوله: "وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير." (٢)
تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):
أما ابن الأثير فقد ذكر صفة الحديث المعلل في مقابلة الحديث الشاذ (٣)، فقال في مقدمة كتابه جامع الأصول: "وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه،
_________________
(١) محمد عبدالرحمن طوالبة، مفهوم العلة عند المحدثين، ٤٢٨ - ٤٢٩.
(٢) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.
(٣) ما ذكره ابن الأثير استفاده من علوم الحديث للحاكم، كما سبق بيانه في فصل الحديث الشاذ.
[ ٤٢٧ ]
فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذُكِرت، فزال الخلل منه (١). والشاذ: ما لا يعرف له علة." (٢)
تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):
ذكر ابن الصلاح - في كتابه علوم الحديث تحت (النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل) - معنى علل الحديث، فقال: "عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.
ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر." (٣)
تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:
أما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)،
_________________
(١) عبارة (زال الخلل منه) أجدها مُبهَمة، إذ كيف يزول الخلل مع ظهور علته، ولعل المقصود منها: ظهور وجه الخلل بها، فزال خفاؤه. فقد ذهب الحاكم -في بيان الفرق بين الشاذ والمعلول- إلى أن المعلول ما يوقف على علته بعد البحث وجمع الطرق، بينما الشاذ يتفرّد الراوي به ولا متابع له، وينقدح في نفس الناقد بأن له علة لم يقف عليها، حيث قال: "فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثا في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". الحاكم، علوم الحديث، ١١٩. وقد راجعت مخطوطة لجامع الأصول وجدتها على موقع الألوكة، للتأكد من عدم وجود تصحيف أو سقط في المطبوع، فوجدت العبارة بنصها. ينظر: المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير، جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -، مكتبة الغازي خسروبك، مصوّرة، اللوح ١٩، السطر ٢٧. http://www.alukah.net/library/0/76159/.
(٢) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٧.
(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠. قال ابن حجر: "قلت: وهذا تحرير لكلام الحاكم في (علوم الحديث) ". ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠.
(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٣ - ٤٤.
[ ٤٢٨ ]
وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (١)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) في شرح التبصرة (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) نقل عبارة ابن الصلاح بتصرّف يسير في المقنع (٥)، واختصرها في التذكرة، فقال: "والمعلل: وهو ما اطلع فيه على علة قادحة في صحته، مع السلامة عنها ظاهرا." (٦)
ولعل من أبرز تعريفات الحديث المعلل بعد ابن الصلاح (٧):
تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث قال في النزهة: "المعلل لغة: ما فيه علة، واصطلاحا: ما فيه علة خفية قادحة" (٨). ثم أوضح مراده بهذه العلة - في موضع آخر- فقال:
"ثم الوهم إن اُطّلِع عليه بالقرائن الدالة على وهم راويه -من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق- فهذا هو المعلل." (٩)
فالمعلل - وفق ما ذكر- ناتج عن وهم الرواة. (١٠)
_________________
(١) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٢.
(٢) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٧٨.
(٣) ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٥٩.
(٤) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٧٤.
(٥) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢١٢.
(٦) ابن الملقن، التذكرة، ١٧ - ١٨.
(٧) ملاحظة: لم أُشر إلى ما جاء في النسخة المطبوعة من كتاب الموقظة في الجمع بين مصطلحي (المضطرب والمعلل)؛ لأن إدراج لفظ المعلل من صنيع المحقق -﵀- وقد أدرجه لوجوده في إحدى النسخ، على الرغم من أن شيخ الذهبي (ابن دقيق العيد) لم يورده في كتابه (الاقتراح). ينظر: الذهبي، الموقظة، ٥١، سليم، شرح الموقظة، ١٢٠، العوني، شرح الموقظة، ١٣٧.
(٨) ابن حجر، النزهة، ٧٠.
(٩) المرجع السابق، ١١٣.
(١٠) "كثير من أجناس العلل راجع إلى تخلّف صفة الضبط في الراوي، وذلك هو الوهم، والأوهام تتنوع بحيث لا يُمكن حصرها أو تسمية كل منها باسم اصطلاحي خاص". الحسني، مدار الإسناد، ١/ ١٩٩.
[ ٤٢٩ ]
وقد صاغ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) تعريف الحديث المعلل بقوله: "فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اُطُّلِع فيه بعد التفتيش على قادح." (١)