الحمد لله حمد الشاكرين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين.
أما بعد:
فلا يخفى على ذي لبٍّ وبصيرة ما للسنة النبوية من مكانة عظيمة في التشريع الإسلامي؛ لذا أولاها علماؤنا الأجلاء عنايةً فائقةً، فحفظوا متونها وأسانيدها، واحتاطوا في نقلها وتمحيصها، وتوالت الأجيال على ذلك، وبرز جُلّة من العلماء والحفاظ فوضعوا قواعد وأصول تقرّب إلى الأفهام جهود السلف الصالح في نقد مرويات السنة وتمحيصها، فنتج ما يُعرف بمصطلح (١) الحديث.
وعلم مصطلح الحديث كغيره من فنون العلم، كانت بدايته مُجملةً ومنثورةً في كتب علوم الشريعة ثم أُفرِد أبوابٌ منه في تصانيف مستقلِّة، وتوالى التصنيف جمعًا لأبوابه، وتحريرًا لمسائله، وضبطًا لقواعده حتى استوى كعلمٍ مُستقِلٍّ.
ويُعدُّ كتاب ابن الصلاح (٢) في علوم الحديث عمدةً في ذلك حيث
_________________
(١) معنى كلمة المصطلح: "ما جعله أهل فنٍّ أو عُرفٍ من الألفاظ خاصًا لمعنىً مرادٍ عندهم. مثل: الصحيح والحسن والمجهول والمدلس وغيرها من الاصطلاحات عند المحدثين." الليث الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث وعلومه، ١٤٥.
(٢) تقي الدين عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوريّ، أبو عمرو، المعروف بابن الصلاح، أحد الفضلاء المقدمين في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، من مصنفاته: (علوم الحديث، ويعرف بمقدمة ابن الصلاح) و(معرفة المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال)، وغيرها. مات سنة ٦٤٣ هـ. ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٢٣/ ١٤٠، ابن العماد، شذرات الذهب ٧/ ٣٨٣، كحالة، معجم المؤلفين، ٢/ ٣١٦ (٨٨٥٠).
[ ١٦ ]
وصفه ابن حجر (١) بقوله: "اجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر" (٢)، وقد ذكر فيه مؤلفه - ﵀- خمسةً وستين نوعًا من أنواع علوم الحديث، وأشار إلى أنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى. (٣)
ولم تسلم هذه الأنواع المتعددة من وقوع التداخل بين معانيها، والمراد بها، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير (٤) - في مختصره على كتاب ابن الصلاح- فقال: "في بسطه هذه الأنواع إلى هذا العدد نظر؛ إذ يمكن إدماج بعضها في بعض، وكان أليق مما ذكره. ثم إنه فرق بين متماثلات منها بعضها عن بعض، وكان اللائق ذكر كل نوعٍ إلى جانب ما يناسبه" (٥).
وقد كان للزركشي (٦) - وتبعه أيضًا ابن حجر- رأي في هذا التنويع فأجابا عن ذلك بقولهما: "اُعترض عليه بأن كثيرًا من هذه الأنواع متداخل، لصدق رجوع
بعضها إلى بعض: كالمتصل بالنسبة إلى الصحيح، وكالمنقطع، والمعضل، والمعنعن، والمرسل،
_________________
(١) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حَجَر: من أئمة العلم والتاريخ. له مصنفات كثيرة منها: (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) و(نخبة الفكر) و(الإصابة في تمييز الصحابة)، وغيرها. مات سنة ٨٥٢ هـ. ينظر: ابن العماد، الشذرات،٩/ ٣٩٥، الزِرِكْلي، الأعلام، ط ١٥، ١/ ١٧٨. كحالة، المؤلفين، ١/ ٢١٠ (١٥٥٢).
(٢) ابن حجر، نزهة النظر، ٣٤.
(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١.
(٤) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي الدمشقيّ، أبو الفداء، عماد الدين: حافظ مؤرخ فقيه. من تصانيفه: (اختصار علوم الحديث) و(جامع المسانيد)، و(البداية والنهاية). مات سنة ٧٧٤ هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٣٤ (١١٦١)، ابن العماد، الشذرات، ١/ ٦٧، الزركلي، الأعلام، ١/ ٣٢٠.
(٥) ابن كثير، اختصار علوم الحديث، تحقيق: فيصل يوسف العلي، ٢٧.
(٦) محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي، أبو عبدالله المصري الشافعي، الإمام بدر الدين، العلامة، المُصنِّف، المُحرِّر، عالم بفقه الشافعية والأصول، من مصنفاته: (البرهان في علوم القرآن)، (النكت على مقدمة ابن الصلاح) (التذكرة في الأحاديث المشتهرة). مات سنة ٧٩٤ هـ. ينظر: ابن العماد، الشذرات، الزركلي، الأعلام، ٦/ ٦٠، كحالة، المؤلفين، ٣/ ١٧٤ (١٢٤٧٤).
[ ١٧ ]
والشاذ، والمنكر، والمضطرب وغيرها من أقسام الضعف. والجواب عن هذا: أن المصنف لما كان في مقام تعريف الجزئيات انتفى التداخل؛ لاختلاف حقائقها في أنفسها بالنسبة إلى الاصطلاح، وإن كانت قد ترجع إلى قدر مشترك" (١).
وقد تركوا ﵏ في تحريراتهم ونكاتهم (٢) وشروحهم ومختصراتهم دررًا متناثرة حريٌّ بطالب العلم أن يجمعها، ويضم المتشابه منها، ويُعلِّل التباين إن وجد، فأحببت أن أسلك هذا الطريق، وأحرِّر تلك التعريفات ضمن سياق الاتفاق والافتراق حول أبرز قيود التعريف لكل مصطلح.
فبعد استخارة للمولى ﷿، واستشارة لأهل الاختصاص- اخترت موضوع رسالة الدكتوراه في مسار الكتاب والسنة في تحرير اثني عشر مصطلحًا حديثيًا، من أبرز ما أورده ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث)، ودراستها دراسة تحليلية موضوعية تحت عنوان (المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق). (٣)