الحمد لله الذي خلقنا، وما كنا من قبل شيئًا، وجعلنا مستخلفين في الأرض، وما تركنا من بعد هملًا، بل بعث الرسل، وأنزل الكتب، وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ علينا نعمَهُ ظاهرة وباطنة، فالحمد لله الذي أكمَل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينًا.
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله: الرسول الأميّ، الهادي البشير، والسراج المنير، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وعلى آله وصحبه، الذين آمنوا به، وآزروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وترسموا هديه؛ فطبقوه عملًا، وبَلَّغوه قولًا، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ، الذين واصلوا المسيرة، فسمعوا ووعوا، ثم بَلَّغوا خلفًا عن سلف، وجيلًا عن جيل.
وبعد؛ فإنَّ تعلُّم أمور الدين أشرف العلوم، وألزمها للمسلم. وإن أساس علوم الإسلام: القرآن الكريم؛ المصدر الأول للتشريع: فقهًا، ودعوةً، ومعرفةً.
والسنة النبوية؛ مفسرة لآياته، وموضحة لمبهمه، ومخصصة لعامه، ومفصلة لمجمله. وهي تسجيل دقيق لهديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهي وحي بالمعنى من الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعصمة الأنبياء تمنع أن يصدر عنهم شيء مخالف للوحي الإلهي -. والعمل بها ضرورة حتمية. وإنكار حجيتها موجب للردة.
[ ١ ]
وإن نصرة الدين الإسلامي، والذود عن حياضه؛ لا يتحصل إلا بالإيمان بما جاء به صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قولًا، وفعلًا، وتقريرًا. ولا يكتمل إلا بالعمل على ترسيخ تلك المعاني في النفوس.
وإن محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تكون إلا بتصديقه، ونشر دعوته، وإحياء سنّته من بعده، وتعزيزها؛ باتباعها، وتيسيرها لمن أراد أن يسترشد بأقواله، ويتأسى بأفعاله، ويسير على نهجه.
ولقد حرص المسلمون منذ عهد الصحابة ﵃ على الاهتمام بالسنة النبوية: بالتأسي بها، وتتبعها، وتدارسها. وهيأ المولى ﷾ لحفظها أجيال العلماء في كل عصر، يبذلون المال والنفس فداءً لها، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. كما قاموا بنقلها إلى تلاميذهم، لينقلها هؤلاء بدورهم إلى من بعدهم، حتى جاء عصر تدوين المصنفات الحديثية، وعندها برزت الدراسات حول هذه المصنفات شرحًا، وتعليقًا، وجمعًا.
فعُلماء السنة النبوية السابقون - ﵏ - قاموا بتدوينها في: المسانيد، والجوامع، والسُنن الجامعة، وأتموها: بالمستخرجات، والمستدركات، ومعاجم أطرافها، وأوائلها.
وقد انفردوا في ضبط هديه، وشمائله، وسيرته؛ بما لم يفعله أحد من أتباع المرسلين، ولا غيرهم من المشترعين، فأسسوا التواريخ لرواتها. ونصبوا ميزان الجرح والتعديل، لتمحيص المقبول، والمردود.
واستنفذوا الوسائل المتاحة لهم. وما تمكنوا من جمع كل السنن، والآثار
[ ٢ ]
بين دفتي مجلد واحد شامل. بل عمد كل منهم إلى الجمع مع التصنيف حسب الموضوع، أو طبقًا لمعايير معينة للصحة.
وما جمعه السيوطي (٩١١هـ) في جامعه الكبير: "جمع الجوامع"، مستمدًا من ثمانين مصنفًا حديثيًا. وما استدركه المناوي (١٠٣١هـ) في "الجامع الأزهر في أحاديث النبي الأنور"؛ فثمرة عملهما المبارك لم تستوعب كل ما روي من أحاديث، وقد أورداها بغير أسانيد.
والحاجة إلى تجميع شامل للأحاديث، ومتابعاتها، وشواهدها. وتجميع شامل للرواة، ومروياتهم، وما قيل في كل منهم؛ مطمح قديم.
قال ابن معين (٢٣٣هـ): " لو لم نكتب الحديث خمسين مرة، ما عرفناه" (١) .
وقال ابن المديني (٢٣٤هـ): "الباب إذا لم تجمع طرقه، لم يتبين خطؤه" (٢) .
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري (٢٤٤هـ): "كل حديث لا يكون عندي منه مئة وجه؛ فأنا فيه يتيم" (٣) .
وقال أبو حاتم الرازي (٢٧٧هـ): "لو لم يُكتب الحديث من ستين وجهًا، ما عقلناه" (٤) .
وقال الخطيب البغدادي (٤٦٣هـ): "قَلَّ من يتمهر في علم الحديث. ويقف على غوامضه. ويستثير الخفي من فوائده؛ إلا من: جمع متفرقه. وألف
_________________
(١) (تذكرة الذهبي ٤٣٠) .
(٢) (مقدمة ابن الصلاح ١٩٥) .
(٣) (تذكرة الذهبي ٥١٦) .
(٤) (فتح المغيث للسخاوي ٢: ٣٢٧) .
[ ٣ ]
مشتتَه، وضم بعضه إلى بعضه، واشتغل بتصنيف أبوابه، وترتيب أصنافه" (١) .
وقال ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ): "ولقد كان استيعاب الأحاديث سهلًا لو أراد الله تعالى ذلك، بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه، ثم يذكر من بعده ما اطلع عليه مما فاته من حديث مستقل، أو زيادة في الأحاديث التي ذكرها، فيكون كالدليل عليه. وكذا من بعده، فلا يمضي كثير من الزمان إلا وقد استوعبت، وصارت كالمصنف الواحد. ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن" () .
وكتب السيوطي (٩١١هـ) على ظهر جامعه الكبير: "هذه تذكرة مباركة بأسماء الكتب التي أنهيت مطالعتها على هذا التأليف، خشية أن تهجم المنية قبل تمامه، على الوجه الذي قصدته، فيقيض الله تعالى من يذيّل عليه. فإذا عرف ما أنهيت مطالعته، استغنى عن مراجعته. ونظر ما سواه من كتب السنة" (جمع الجوامع) .
قلت: وذكر واحدًا وثمانين مصنفًا حديثيًا.
ولجمع الطرق، والروايات فوائد يدركها علماء هذا الشأن، ومن أقربها تحقيق المعنى الصحيح للحديث، وتقوية أسانيده بانضمام بعضها إلى بعض، كما أنه سيفضي إلى الحكم الشرعي الصحيح.
ولا يخلو مصنف من فوائد ينفرد بها، ويختص، بما لا غنى للباحثين عنها. وقد تكون زيادة كلمة، أو بيان غامض مبهم. أضف إلى ما سبق؛ أن هذه المصنفات ما بين مطبوع، ومخطوط. بعضها في متناول الباحث، والبعض
_________________
(١) (الجامع ٢: ٢٨٠) .
[ ٤ ]
الآخر بعيد عنه، ولا يتيسر الحصول عليه.
والوصول إلى المراد من هذه المصنفات عسير، إلا على المتخصص. وحتى المتخصص، فإنه يحتاج إلى زمن طويل أحيانًا حتى يتمكن من جمع طرق، وأطراف حديث واحد. وطالما أعيا مشايخنا المحدثين طلب بعض الأحاديث من مظانها. بل إنني واحد من الذين ثقفوا المصنفات الحديثية معرفة بمواردها، ومصادرها، ومع تمكُّني من معرفة الأبواب التي ارتكزت عليها هذه المصنفات؛ إلا أنني أجد صعوبة أحيانًا في التوصل لحديث ما. فكيف بالعلماء الذين ليسوا مختصين بهذا العلم، كالفقهاء، والمفسرين، والدعاة، والخطباء، والمؤرخين، والأدباء، واللغويين، وسواهم، ممن تصادفهم أحاديث، ويودون الوقوف على حقيقتها من مصادرها للاستشهاد بنصوصها، من مصنفات رواتها.
من تلك الأمثلة حديث سُئلت عنه، فأنفقت جهدًا، ووقتًا، ولم أقف عليه حتى الآن. وهو ما ذكره الماوردي - في باب: جامع التيمم، والعذر فيه - دليلًا على اشتراط طلب الماء قبل التيمم، بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "أنفذني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طلب الماء، ثم تيمم" (١) .
وإذا كانت الحاجة فيما مضى إلى موسوعة للحديث النبوي أملًا، فقد أصبحت في الوقت الحاضر عملًا واجبًا، بعد حملات التشكيك في حجِّيَة السنة، والتقليل من شأنها في العديد من مواقع الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) . وعدد من: الدراسات، والندوات، واللقاءات، والأحاديث الإعلامية المشبوهة: تلفازًا، وإذاعةً، وصحافةً.
_________________
(١) (الحاوي الكبير ١: ٢٦٣) .
[ ٥ ]
يضاف إلى هذا احتجاج بعض خطباء الجمع، وعدد من: المؤلفين، والمحاضرين، والإعلاميين، وغيرهم، بأحاديث نبوية، بعضها ضعيف السند، وبعضها الآخر مرجوح، أو مختصر، من غير التزام ببيان الدرجة، أو المصدر.
إلى جانب ما يلاقيه جمهرة عامة المسلمين من الارتباك عندما تتعارض الآراء، والتوجّهات، وبخاصة إذا ما صحبها تعسف الإلزام، كعدد الركعات في قيام رمضان، وحكم الإمساك عن الصيام بعد النصف من شعبان، من الذين يلتزمون بظاهر الأحاديث التي وصل إليها حد عِلمهم، ووصفهم لمخالفيهم بصفات التجريح، والتجريم، والتفسيق، وربما التكفير، الأمر الذي خَلَّف في المجتمعات الإسلامية متشددًا مغاليًا، وضائعًا يائسًا، ومحتارًا بائسًا.
إن صدور موسوعات بهذا المنهاج، أو ذاك، هو وصل لما انقطع من مسعى الآباء، والأجداد. ولن يلغي منهجٌ منهجًا آخر يغايره، بل يزيد كل منهما الثاني ألقًا، وإشراقًا.
ولن تتم الفائدة المرجوة، إذا استعجلنا قطف الثمار، وأخرجنا عملًا هزيلًا. إن التاريخ لا يسأل عن العمل: في كم تم؟ ولكن يسأل: كيف تم؟. ولا بُدَّ لنجاحه من أناة، وصبر، وسعة أفق، لا يهدر فيها الإتقان استعجالًا للزمن.
إن تاريخنا التصنيفي يظهر أن العمل الفردي - وإن شابه شيء من النقص أحيانًا - فهو أنفذ عملًا، وأقرب منالًا، وأيسر قصدًا في الإنجاز. ففي إبان دراستي في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة عام (١٣٨٩هـ) لمست حاجة كثير من المسلمين إلى مصنف يجمع بين دفتيه كل ما ينبغي أن يعلمه المسلم من أمور دينه، وتاقت نفسي إليه. وسألته تعالى أن يهيئ لي الأسباب؛ فيوجهني إلى ما يحبه، ويرضاه.
[ ٦ ]
وعندما درست أنا وزملائي مقرر (نقد الرجال) في مرحلة الماجستير بمكة المكرمة عام (١٣٩٥هـ)؛ كان شيخنا الدكتور محمد أمين المصري (١٣٩٧هـ) - يرحمه الله - يشير دومًا إلى عدم اتفاق علماء الحديث على ألفاظ موحدة في الجرح والتعديل، وأنه لو ابتكر إطار موحد؛ لكان عملًا جيدًا.
ثم كان لعملي الموسوعي الوجيز: "مرويات شعبة بن الحجاج في الكتب الستة" في بحث الماجستير اتجاهًا تأصيليًا - غير مخطط له من شخصي الضعيف - في اتجاه مشروع موسوعة الحديث النبوي.
وفي المحرم (١٣٩٩هـ) انتقلت إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران. وهناك نمت فكرة العمل الحديثي بوصفه بحثًا يجمع أطراف أحاديث صحيح الإمام البخاري في موضع واحد، ثم تطور إلى عمل يجمع سلاسل أشجار أسانيد الأحاديث النبوية.
وكان من فضل الله تعالى أن تكون دراستي للدكتوراه (١٤٠٠-١٤٠٣هـ) تحت إشراف العالم الزاهد الدكتور موسى شاهين لاشين، في جامعة الأزهر الشريف، بالقاهرة المحروسة. والمشاركة من خلال بحث الدكتوراة "القسم الثاني من سنن أبي داود" في بناء موسوعة جامعة الأزهر لمصنفات الحديث: تحقيقًا، وتخريجًا، وحكمًا.
وهكذا انطلقت معتمدًا على البارئ الخالق عزوجل. مبتدئًا بأحاديث العبادات، لأنها أكثر دورانًا على الألسنة، وأكثر تداولًا في حياة الإنسان. مفتتحًا بكتاب (أحاديث الزكاة) من ستة عشر مصدرًا، في طبعة تمهيدية، مهداة لأربعمائة شخصية عِلمية، ومعنوية، في أرجاء العالم الإسلامي، ممن يهمهم هذا العمل، لإثرائي بملحوظاتهم، وتطلعاتهم، التي يرون فيها تقويمًا له، ودفعًا لمسيرته.
[ ٧ ]
فـ (أحاديث الصيام) من ستة وسبعين مصدرًا، في طبعة تمهيدية، مهداة أيضًا. وقد وصلتني أجوبة جمة من أولئك النقاد الميامين؛ فأخذت من هذا بسبب، وذاك بآخر.
وما زلت طالب علمٍ. مستزيدًا من فيض الوهاب، فاتحًا قلبي، وعقلي لتقويم مسيرتي البحثية، مرحبًا بكل نقد يرد إليَّ، شديد الرغبة في الاستنارة بآراء العلماء المنبثقة من الدراية الواسعة، والدربة العلمية، لاكتمال الإتقان، والإحكام؛ إخراجًا، ومضمونًا. وما زال العلماء - قديمًا، وحديثًا - يراجع بعضهم بعضًا، ويستدرك بعضهم على بعض، من غير أن يكون هناك حرج في الصدور؛ فإن الحق أحق أن يتبع.
وإنني أطمح لهذا العمل الحديثي - بعونه تعالى وتوفيقه - أن يحتوي على كل شيء يختص بالسنة النبوية على وجه الأرض، في ديوان للسنن والآثار (للمحدثين)، أجزاؤه أكثر من خمسمائة وخمسين جزءًا. وموسوعة للحديث النبوي مستقاة من الديوان (للباحثين) في أربعين جزءًا. ثم مدونة لأحاديث الأحكام منتخبة من الموسوعة (للفقهاء) في عشرين جزءًا. وأخيرًا معلمة للهدي النبوي (لكل مسلم) في تسعة أجزاء.
ومن المعلوم أن المرحلة الأولى في كل عمل تتطلب جهدًا مضاعفًا، وزمنًا أطول، حتى يقوم البناء على أسس متينة. وهذا العمل يتطلب إعدادًا مثابرًا، وخطوات متتابعة. لا يمكن حذف واحدة منها.
وختامًا؛ فالله أسأل أن يشملنا حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "نضّر الله عبدًا: سمع مقالتي، فوعاها، وحفظها، ثم أدّاها إلى من لم
[ ٨ ]
يسمعها. فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئٍ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين. ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٩ ]