ما رواه الرجلُ عن آخَر، ولم يَسمعه منه، أو لم يُدركه. فإن صَرَّح بالاتصال (٢) وقال: "حدَّثنا"، فهذا كذَّاب. وإن قال: "عن"، احتُمِلَ ذلك، ونُظِرَ في طبقَتِه: هل يُدرِكُ مَن هو فوقَهُ؟ فإن كان لَقِيَه، فقد قرَّرناه. وإن لم يكن لَقِيَه، فأمْكَنَ أن يكون مُعاصِرَه، فهو محلُّ تردُّد. وإن لم يُمكِن، فمنقطِع. كـ: قتادة عن أبي هريرة.
وحُكْمُ: "قال"، حُكْمُ: "عن". وَلَهُم في ذلك أغراض:
- فإن كان لو صَرّحَ بمن حَدَّثه عن المُسَمَّى، لعُرِفَ ضَعْفُه: فهذا غَرَضٌ مذموم، وجِنايةٌ على السُّنَّة. ومَن يُعاني ذلك، جُرِحَ به، فإنَّ الدينَ النصيحة.
_________________
(١) - في (ظ): "التدليس".
(٢) - ليست في (ظ) .
[ ٤٧ ]
- وإن فَعَلهُ طَلَبًا للعلو فقط، أو إيهامًا بتكثير الشيوخ، بأن يُسمِّي الشيخَ مرَّةً ويُكَنِّيه أخرى، وَيَنْسُبَه إلى صَنْعةٍ أو بلدٍ لا يكادُ يُعرَف به، وأمثالَ ذلك - كما تقولُ: "حدَّثَنا البُخَاريُّ"، وتَقصِدُ به من يُبَخِّرُ الناس، أو: "حدَّثنا عَلِيٌّ بما وراءَ النهر"، وتعني به نهرًا، أو: "حَدَّثنا بزَبِيد (١) "، وتُرِيد موضعًا
_________________
(١) - اسم مدينة مشهورة باليمن. (ق)
[ ٤٨ ]
بقُوص (١)، أو: "حدَّثنا بِحَرَّان"، وتُريدُ قريةَ المَرْج - فهذا مُحْتَمَلٌ، والوَرَعُ تَرْكُه.
ومِن أمثلة التدليس: الحَسَنُ عن أبي هريرة. وجمهورُهم على أنه منقطع، لم يَلْقَه (٢) . وقد رُوِيَ عن الحَسَنِ قال: "حدَّثنا أبو هريرة". فقيل: عَنَى بـ "حَدَّثَنا": أهلَ بلدِه.
_________________
(١) - مدينة كبيرة، وهي أعظم مدن صعيد مصر. (ق)
(٢) - ليست في (ظ) .
[ ٤٩ ]
وقد يؤدِّي تدليسُ الأسماء إلى جهالةِ الراوي الثقة، فيُرَدُّ خبَرُه الصحيح! فهذه مَفْسَدَة، ولكنها في غير "جامع البخاريّ" ونحوِه، الذي تَقرَّرَ أنَّ موضوعَه للصحاح. فإنَّ الرجلَ قد قال في جامعه: "حدَّثنا عبدُ الله"، وأراد به: ابنَ صالح المصري. وقال: "حدَّثنا
[ ٥٠ ]
يعقوب"، وأراد به: ابنَ كاسِب. وفيهما لِين. وبكل حالٍ: التدليسُ منافٍ للإخلاص، لِمَا فيه من التَّزَيُّن.