التخريج: لغة: خَرَجَ خُرُوجًا " نقيض دَخَلَ دُخُولًا " ومَخْرَجًا " بالفتح مَصدرٌ أَيضًا فهو خارِجٌ وخَرُوجٌ وخَرَّاجٌ وقد أَخْرَجَه وخَرَجَ به. والمخرج: موضع الخروج .. ِوخَرَّجَ فلانٌ عَمَله إِذا جعله ضروبًا يخالف بعضه بعضا (١).
وفي الاصطلاح:
من يتتبع صنيع المحدثين الأقدمين يجد أنّ معنى التخريج عندهم إذا أطلق إنما يريدون به: ما ينتقيه الراوي لنفسه من أصول سماعاته من أحاديث شيوخه.
وقد يكون هذا الانتقاء مرتبًا على أسماء مشايخه بحسب حروف المعجم وحينئذٍ يسمى معجمًا، أو يكون حسب الأقدم من شيوخه وهذا يسمونه (مشيخة)،أو يرتب بشكل فوائد منتقاة عشوائيًا بغير ترتيب، وحينئذٍ يسمى (فوائد) .. وهكذا (٢).
وأحيانًا يعسر على الراوي ذلك (التخريج) فيستعين ببعض أقرانه (زملائه) ممن يحسن ذلك.
_________________
(١) ينظر: لسان العرب ابن منظور مادة (خرج) ٢/ ٢٤٩،وينظر مادة (خرج) في القاموس المحيط، الفيروز آبادي ١/ ٢٣٨،،وتاج العروس، الزبيدي ٤/ ١٥٨،ومختار الصحاح، الرازي ص١٩٦.
(٢) ينظر: تحرير علوم الحديث، عبد الله الجديع ٢/ ٧٣٤،وكيف ندرس علم التخريج، الدكتور حمزة المليباري والدكتور سلطان العكايلة ص ١٦.
[ ١ ]
قال الخطيب:" وإن لم يكن الراوي من أهل المعرفة بالحديث وعلله واختلاف وجوهه وطرقه وغير ذلك من أنواع علومه فينبغي له أن يستعين ببعض حفاظ وقته في تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها قبل يوم مجلسه فقد كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك فمنهم أبو الحسين بن بشران كان محمد بن أبي الفوارس يخرج له الإملاء " (١).
وفي هذا يقول الحافظ السخاوي: "التخريج: إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها وسياقها من مرويات نفسه، أو بعض شيوخه أو أقرانه، أو نحو ذلك، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين مع بيان البدل والموافقة ونحوهما مما سيأتي تعريفه. وقد يتوسع في إطلاقه على مجرد الإخراج، والتصنيف، والعزو وجعل كل صنف على حده" (٢).
وأما عند المعاصرين فعرفه الغماري:"عزو الأحاديث التي تذكر في المصنفات مطلقة غير مسندة ولا معزوة إلى كتاب أو كتب مسندة، إما مع الكلام عليها تصحيحًا وتضعيفًا ودًا وقبولًا وبيان ما فيها من علل، وإما بالاقتصار على العزو إلى الأصول" (٣).
وعرفه الدكتور محمد أبو شهبة:" عزو الأحاديث إلى من ذكرها في كتابه من الأئمة وبيان درجتها من الصحة أو الحسن أو الضعف" (٤).
وعرفه الدكتور محمود الطحان فقال:" هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته مع بيان درجته صحة أو ضعفًا عند الحاجة إلى ذلك" (٥).
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٨٨.
(٢) فتح المغيث ٢/ ٣٧٢.
(٣) حصول التفريج بأصول التخريج ص٢١.
(٤) حاشية كتاب الوسيط في علوم ومصطلح الحديث ص ٣٥٣.
(٥) أصول التخريج ودراسة الأسانيد ص ١٠.
[ ٢ ]
وعرفه الدكتور دخيل بن صالح بأنه:" بيان مصادر الحديث وإسناده، ومتنه ودرجته بحسب الحاجة" (١).
وعرفه الدكتور حاتم العوني:"عزو الحديث إلى مصادره الأصلية المسندة، فإن تعذرت فإلى الفرعية المسندة، فإن تعذرت فإلى الناقلة عنها بأسانيدها، مع بيان مرتبة الحديث غالبًا " (٢).
وقال الدكتور محمد أبو الليث: التخريج يطلق على استعمالين:"الأول: رواية المحدث الأحاديث في كتابه بأسانيده. والثاني: عزو فلان أحاديث كتاب كذا أي عزاها ونسبها إلى من رواها من الأئمة في كتابه بإسناده مع بيان درجتها من حيث القبول والرد" (٣).
وهكذا نجد تعاريف هؤلاء المعاصرين كلها تدور في فلك واحد، هو عزو الحديث والحكم عليه عند الحاجة، وحتى من اعترض على هذه التعاريف فإنه لم يبتعد بما حده عن فلك تلك التعريفات، إذ عرفه الدكتور حمزة المليباري بعد اعتراضه على ما سبق:"هو كشف مظان الحديث من المصادر الأصلية التي تعتمد في نقله على الرواية المباشرة، لمعرفة حالة روايته من حيث التفرد أو الموافقة أو المخالفة" (٤).قلت: وما أضافه أستاذنا المليباري، ليس إضافة جديدة، بل هو من لوازم دراسة الحديث للحكم عليه.
وكذا الشيخ عبد الله الجديع، إذ قال بعد اعتراضه:"أن تعمد إلى حديث فتجمع طرقه: أسانيده ومتونها، من الكتب الحديثية التي تقوم على الإسناد لا الكتب الناقلة عنها ثم التأليف بينها لتحرير مواضع الاتفاق والافتراق في الأسانيد فتتبين المتابعات والشواهد، وفي المتون
_________________
(١) طرق التخريج بحسب الراوي الأعلى ص٧.
(٢) تخريج ودراسة الأسانيد ص٢.
(٣) تخريج الحديث نشأته ومنهجيته ص ١٦.
(٤) كيف ندرس علم تخريج الحديث ص٢٨.
[ ٣ ]
فيتبين ما فيها من التوافق اللفظي والمعنوي والزيادة والاختلاف" (١).ولا أخاله خرج عن هذا الفلك.
فالتخريج يطلقه المحدثون على معانٍ منها:
١ - معرفة المصنفات التي أخرجت هذا الحديث، وذكرته بالإسناد.
٢ - يطلق ويراد به مخرج الحديث ويعنون به الصحابي تحديدًا، ثم بعد الوقوف على الصحابي الذي رواه يبحثون في الطرق الموصلة إليه.
وهكذا يمكننا تعريفه باختصار فنقول: علم يُعنى بحديث رسول الله - ﷺ - من حيث عزوه إلى مصادره الأصلية، وبيان درجته من خلال دراسة الإسناد والمتن رواية ودراية.
*شرح التعريف:
قولنا: (علم يعتني بحديث الرسول - ﷺ -):ويدخل فيه المرفوعات والموقوفات والمعلقات .. الخ ويلحق به آثار الصحابة.
ويخرج من هذا التعريف الآيات القرآنية وأقوال الفقهاء، والقواعد الفقهية والأحكام، والشعر والنثر.
قولنا: (من حيث عزوه إلى مصادره الأصلية): ونعني بـ (مصادره الأصلية):الكتب التي خرجت الحديث النبوي متصلًا أو غير متصل كالصحاح والجوامع والمصنفات والمسانيد والموطآت الخ. ويخرج بهذا القيد الكتب الفرعية (إلا عند الضرورة كما سيأتي لاحقًا).
قولنا: (وبيان درجته من خلال دراسة الإسناد والمتن):أي إصدار الحكم على الحديث، ويكون ذلك باتصال سنده أو عدمه والنظر إلى حال رواته، ثم بيان علته إن كانت هناك علة في الحديث.
_________________
(١) تحرير علوم الحديث ٢/ ٧٣٦.
[ ٤ ]
قولنا: (روايةً ودرايةً): أي النقد الحديثي في أطار الجرح والتعديل والعلل، ثم الموازنة والترجيح عند التعارض من جهة المتن والسند واختلاف طرق الحديث وألفاظه