نريد به: جمع الأسانيد الكثيرة للحديث الواحد باعتبار الصحابي الواحد (المتابعات)،لأن حديث كل صحابي يعد مستقلًا عن غيره من الصحابة ﵃ أجمعين.
والطرق جمع طريق، والطريق: هو سلسلة رجال السند الموصلة إلى موضع التفرد ولو إلى الصحابي. فبعض الأحاديث أفراد ليس لها إلا إسناد واحد، وبعضها لها إسنادان أو ثلاثة أو عشرة الخ. على أن كثرة الأسانيد قد تنفع وقد لا تنفع؛ لأن الغرابة لا تنافي الصحة مطلقًا مثلما أن الشهرة لا تعني صحة الإسناد كما هو مقرر عند أهل الصنعة.
ولابد من التنبيه على استعمال الأئمة لحرف (ح) وهو تحويل لطريق جديد في الإسناد.
_________________
(١) وقد انتقد بعض العلماء تسرع مجد الدين بن تيمية في أحكامه، ينظر كلام الشوكاني في نيل الأوطار ١/ ١.
[ ٢٦ ]
ولتوضيح هذه المرحلة – جمع الطرق- نقول: لو أردنا جمع طرق حديث الزبير بن العوام عن النبي - ﷺ -:"من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار". من الكتب التسعة نجد أنّ من أخرجه:
١ - أحمد في مسنده ١/ ١٦٥،قال: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير ﵁: مالي لا أسمعك تحدث عن رسول الله - ﷺ - كما أسمع ابن مسعود وفلانا وفلانا؟ قال: أما إني لم أفارقه منذ أسلمت؛ ولكني سمعت منه كلمة: (من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار).
٢ - وفي ١/ ١٦٦،قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، قال: قلت لأبي الزبير بن العوام، به.
٣ - والدارمي (٢٣٣)،قال: أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني يزيد بن عبد الله عن عمرو بن عبد الله بن عروة عن عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير عن الزبير، به.
٤ - البخاري (١٠٧): حدثنا أبو الوليد قال حدثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قلت للزبير، به.
٥ - أبو داود (٣١٦٦)،قال: حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا خالد (ح). وحدثنا مسدد ثنا خالد المعنى عن بيان بن بشر عن وبرة بن عبد الرحمن عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قلت للزبير، به.
٦ - وابن ماجه (٣٦)، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار قالا: حدثنا غندر محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن جامع بن شداد أبي صخرة عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، به.
٧ - والنسائي في الكبرى (٥٨٨٢) قال: أنبأ محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد عن شعبة، قال: أخبرني جامع بن شداد قال: سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير يحدث عن أبيه أنه قال للزبير، به.
[ ٢٧ ]
فهذه طرق الحديث جمعناها من الكتب التسعة مباشرة، ولو رجعنا إلى الكتب التي اختصت بتخريج الأسانيد كتحفة الأشراف أو المسند الجامع لسهل الأمر علينا كثيرًا، ولكنني أردت ههنا توضيح المراحل، ليتعلمه طالب العلم المبتدئ، ولاسيما إن كان الحديث في كتب غير هذه المجموعة.
ولتوضيح طريقة التعامل مع تحفة الأشراف أو المسند الجامع، وكيفية نقل الطرق منهما نقول: إذا أردت الرجوع إلى الحديث السابق –مثلا- في تحفة الأشراف للمزي أو المسند الجامع، فارجع إلى الفهارس العامة آخر الكتاب (الكشاف) – ويمكن للمتمرس الرجوع مباشرة إلى موضعه فيهما-وابحث في أطراف الأحاديث على أول لفظة من الحديث (من كذب علي متعمدا ..).فستجد الألفاظ رتبت حسب الحروف الهجائية (أب ت ) فاذهب مباشرة إلى الحرف الأول من اللفظة الأولى وهو (م) وابحث في (م+ن) يعني: (من)،ثم (من + كذب) وستجد مجموعة من الأطراف بهذا اللفظ فمثلًا:
الطرف الصحابي جزء/صفحة رقم
-من كذب علي متعمدا .. الزبير بن العوام ٥/ ١٥٠ (٣٦٢٣)
-من كذب في حلمه .. علي بن أبي طالب ٩/ ٣١٨ (١٠١٧٢)
فأنت تبحث في هذه الأطراف وتنظر أمامه في اسم الصحابي، لأنه قد يكون مرويًا عن عدة صحابة، فهذا الحديث متواتر روي عن علي بن أبي طالب وأنس وجابر وغيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين فتنبه إلى من رواه من الصحابة.
وبالإمكان الرجوع إلى فهرست الصحابة ومسانيدهم أيضًا آخر الكتابين، ويمكن الرجوع مباشرة إلى موضع الحديث من الكتابين ولكن هذا لمن مارس وهو سهل جدا إن شاء الله تعالى.
[ ٢٨ ]
وبالرجوع إلى التحفة مثلًا في تخريج هذا الحديث نجده في مسند الزبير بن العوام، ومن حديث ابنه عبد الله بن الزبير ﵄، قال الإمام المزي:
* (خ د س ق) حديث: من كذب عليَّ متعمِّدًا ( الحديث) وفيه قصَّة.
خ في العلم (٣٨: ٢) عن أبي الوليد، عن شعبة، عن جامع بن شدَّاد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه به.
د فيه (العلم ٤) عن عمرو بن عون ومسدَّد، كلاهما عن خالد الطحَّان، عن بيان بن بشر، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن عامر به.
س فيه (العلم، في الكبرى) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة به.
ق في السنّة (٤: ٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة به. أ. هـ. من تحفة الأشراف.
وقد سبق توضيح رموزه، إذ ذكر في أول الحديث من أخرجه (خ د س ق)،ثم ذكر طرف الحديث ثم فصل في موضعه من المصنفات ذاكرًا رقم الكتاب ثم الباب وتسلسل الحديث في الباب فمثلا: البخاري في صحيحه في كتاب العلم باب (٣٨)،حديث ٢،وهكذا، وقد زاد الدكتور بشار عواد رقم الحديث أو الجزء والصفحة في طبعته، فسهل الأمر كثيرًا.
ثم يحدد الإمام المزي ﵀ موضع التفرد في الإسناد بهذه الطرق (فقط) وهو ههنا عامر بن عبد الله بن الزبير رواه عنه جامع بن شداد ووبرة بن عبد الرحمن به.
وأما لو رجعت إلى المسند الجامع بالطريقة نفسها فستجده:
-عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
[ ٢٩ ]
أخرجه أحمد ١/ ١٦٥ (١٤١٣) قال: حدَّثنا مُحَمد بن جَعْفَر، حدَّثنا شُعْبة، عن جامع بن شَدَّاد.
وفي ١/ ١٦٦ (١٤٢٨) قال: حدَّثنا عَبْد الرَّحْمان بن مَهْدِي، حدَّثنا شُعْبة، عن جامع بن شَدَّاد.
و"البُخَارِي" ١/ ٣٨ (١٠٧) قال: حدَّثنا أبو الوَلِيد، قال: حدَّثنا شُعْبة، عن جامع بن شَدَّاد.
و"أبو داود" ٣٦٥١ قال: حدَّثنا عَمْرو بن عَوْن، أخبرنا خالد (ح) وحدَّثنا مُسَدَّد، حدَّثنا خالد، المَعْنَى، عن بَيَان بن بِشْر. قال مُسَدَّد: أبو بِشْر، عن وَبَرَة بن عَبْد الرَّحْمن.
و"ابن ماجه" ٣٦ قال: حدَّثنا أبو بَكْر بن أَبِي شَيْبَة، ومُحَمد بن بَشَّار، قالا: حدَّثنا غُنْدَر، مُحَمد بن جَعْفَر، حدَّثنا شُعْبة، عن جامع بن شَدَّاد، أَبِي صَخْرَة.
و"النَّسائي"، في "الكبرى" ٥٨٨٢ قال: أخبرنا مُحَمد بن عَبْد الأَعْلَى، قال: حدَّثنا خالد، عن شُعْبة، قال: أخبرني جامع بن شَدَّاد.
كلاهما (جامع، ووَبَرَة) عن عامر بن عَبْد اللهِ بن الزُّبَيْر، عن أبيه، فذكره. أ. هـ.
قلت: والمسند الجامع وإن كان فيه جهد كبير وعمل عظيم يشكر عليه من قدمه، ولكنه عمل بشري، يعوزه مراجعة وتدقيق، وقد كنت عهدت أستاذنا الدكتور بشار عواد قد اشتغل بمراجعته، واستدراك ما فاتهم في عملهم من طرق أخرى، وقد وقفت على بعضها في مواضع من الكتاب أسأل الله أن يوفقهم لاستدراكها.
فينبغي مراجعة الكتب الأصلية في التخريج، وعدم الاكتفاء بكتب التخريج المتأخرة، ولاسيما بعد ظهور مئات الكتب والأجزاء التي كنا نفتقر إليها فيما سبق وكذا ظهور الحواسيب والانترنت التي سهلت الوصول إلى أقصى الأرض، والأمر سهل ومتيسر بفضل الله تعالى.
وههنا نجد أنّه قد فات أصحاب المسند الجامع طريق الدارمي فلم يذكروه وقد مر سلفًا، وهذا الطريق – الدارمي- مع أهميته فهو لا يؤثر في حكم الحديث هنا لأمرين:
[ ٣٠ ]
لكون الحديث في البخاري فهو لا يؤثر على الحكم.
لكون إسناده ضعيفًا لحال عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد.
ولكن قد تجد طريقًا يغير الحكم على الإسناد مطلقًا وينقله من حال إلى حال، فليتنبه.