تنقسم الترجمة إلى ثلاثة أقسام:
١ - ترجمة معرفية: وتعنى بعين المتَرجَم له، بما يميزه عن غيره ممن يشترك معه في الاسم أو الكنية أو اللقب أو البلد أو العشيرة، وهي على أهميتها في ذلك بيد أنها لا تفيد الحكم على الراوي من حيث جرحه أو تعديله.
_________________
(١) ينظر: مقدمة ابن الصلاح ص٤٨،ونزهة النظر ص١٥،وفتح المغيث ١/ ٢٢٠،وقد سوّى بعض أهل العلم بين المتابعة القاصرة والشاهد.
[ ٣٣ ]
فمثلًا: قال البخاري في صحيحه: حدثنا إسحاق أخبرنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن بن دينار قال: سمعت أبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:" أنّ رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه فشكر الله له فأدخله الجنة".
فللحكم على هذا الإسناد -مثلًا- لابد من معرفة رجاله، ولكي نترجم للرواة لابد من معرفتهم فمن إسحاق هذا، ومن عبد الصمد، ومن أبو صالح؟ فحينما نترجم لهم معرفيًا نميزهم عن غيرهم، وهو أمر يسير جدا على المتمرس، وأحيانًا يعسر الأمر، وذلك حينما يُذكر راوٍ باسمه أو كنيته فقط – مثلًا- ويكون عندنا راويان أو أكثر لهم الاسم نفسه أو الكنية، يشتركان في روايتهما عن الشيخ ذاته وتلميذهما واحد، فمثلًا في إسحاق شيخ البخاري هنا، من المقصود به؟
إذ للبخاري أكثر من شيخ اسمه إسحاق، هل هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، أو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي، أو إسحاق بن منصور الكوسج أو إسحاق بن شاهين؟ فهؤلاء كلهم من شيوخ البخاري وممن روى عنهم في صحيحه، وطريقة تمييزه تكون بالرجوع إلى شيوخه أو تلامذته، يعني من (روى عنه) ومن (روى هو عنهم)،وخير ما يفيد الباحث في رجال الكتب الستة كتاب تهذيب الكمال للمزي.
والنكتة هنا هي أنّ البخاري روى عن إسحاق بن راهويه وعن إسحاق بن منصور الكوسج كلاهما من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، فلا نقدر على تمييزه لا من شيخه ولا تلميذه، لذا فلابد من الرجوع إلى أقوال الأئمة النقاد لعلهم ميزوه، وخير ما ينفعك كتب تحرير المشتبهات، والمؤتلف والمختلف، والمبهمات، والمستخرجات، والشروح.
[ ٣٤ ]
ورجح أبو علي الجيّاني أنّ البخاري إذا أطلق إسحاق هكذا يريد ابن منصور الكوسج، فقال:" والأشبه عندي أنه إسحاق بن منصور فإن البخاري إذا حدّث عنه كثيرًا ما يبهمه ولا ينسبه " (١).
ووضع الحافظ ابن حجر العسقلاني قاعدة استقرائية جزم بها أن البخاري إذا أطلق إسحاق وقال إسحاق أخبرنا فهو ابن راهويه جزمًا، فقال:" التعبير بالأخبار قرينة في كون إسحاق هو ابن راهويه لأنه لا يعبر عن شيوخه إلا بذلك " (٢).
وقال مرة في شيخ للبخاري اسمه إسحاق:"هو ابن إبراهيم، المعروف بابن راهويه، وإنما جزمت بذلك مع تجويز أبي علي الجياني أن يكون هو، أو إسحاق بن منصور؛ لتعبيره بقوله: «أخبرنا يعقوب بن إبراهيم»، لأن هذه العبارة يعتمدها إسحاق بن راهويه، كما عُرف بالاستقراء من عادته أنه لا يقول إلا: «أخبرنا» ولا يقول: «حدثنا» " (٣).
قلت: وهذه القاعدة ليست على إطلاقها فإسحاق هنا وإن قال: أخبرنا، فليس هو ابن راهويه وإنما هو ابن منصور الكوسج كما نص الحافظ ابن حجر نفسه فقال:" إسحاق هو ابن منصور الكوسج كما جزم به أبو نعيم في المستخرج " (٤).
والمسألة تحتاج إلى تدقيق ومراجعة، ولكل قاعدة شواذ، فلعل اختلاف النسخ سبب في اختلاف ألفاظ التحديث فتنبه (٥).
_________________
(١) التعريف بشيوخ حدّث عنهم محمد بن إسماعيل البخاري وأهمل أنسابهم ص٤٣.
(٢) الفتح ٣/ ٦٢،و٤/ ٧١.
(٣) فتح الباري ٦/ ٤٩١.
(٤) المصدر نفسه ١/ ٢٧٨.
(٥) وقد وقفت على أكثر من موضع في مسند إسحاق بن راهويه يقول فيه: حدثنا، فمرة برقم (١٩٩)، (١٢٦٨) من حديث يحيى بن آدم و(٥٤٢) من حديث الملائي، و(١٤٣٢) من حديث وكيع، و(١٥٢٠) من حديث وهب بن جرير و(١٥٧٩) من حديث عبيد الله بن موسى وغيرها كثير، وإن قيل إن الحافظ قصد حديثه في الصحيح، فحديثنا هذا يقيد قاعدة الحافظ ﵀ فليتنبه.
[ ٣٥ ]
وهكذا ندرك أهمية الترجمة المعرفية في تمييز الرجل عن غيره، ونعرف جهد العلماء في تقييد المهمل وتبيينه.
لذا فأحيانًا تجد النقاد لا يتمكنون من تمييز الرجل فيقولون: إن كان الرجل فلانًا فهو ثقة والإسناد صحيح وإلا فلا، وعبارات نحو ذلك.
فمثلا: جاء في سؤالات البرقاني للدارقطني:"قلت ابن أبي فديك يروى عن عبد الله بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة؟ فقال: إن كان هذا يزيد مولى المنبعث فهو ثقة" (١).
وقال ابن أبي حاتم في العلل:"وسألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن نمير، عن حجاج بن دينار، عن شعيب بن خالد، عن الحسين بن علي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن من حسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه"؟ قال أبي: إن كان شعيب بن خالد الرازي فبينهما الزهري، ولا أدري هو أو لا " (٢).
٢ - الترجمة المنقبية:
وهي ترجمة تعنى بمناقب الراوي ومحاسن أخلاقه، وتبرز جوانبه الروحية التعبدية كقولنا: زاهد، شجاع، تقي، ورع، كثير البكاء، كثير الصلاة الخ، فهذه العبارات وإن كانت تفيد في عدالة الرجل ولكنها لا تفيد في ضبطه البتة، فكم من زاهد ضعيف الحديث، بل قد يكون الراوي صالحًا تقيًا ولا يؤخذ من حديثه حرف، وقد نبه الإمام مسلم على مثل هذا في مقدمته فنقل عن يحيى القطان قوله: "لن ترى الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث" (٣).ثم
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٤٦٢.
(٢) العلل ٤/ ٥٢٠.
(٣) مقدمة صحيحه ١/ ٤.
[ ٣٦ ]
بين مسلم ذلك فقال:"يجري الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون الكذب" (١).لذا فقد يكون الرجل من أزهد الناس ولو شهد على تمرتين ما قبلت شهادته –كما قال أيوب السختياني-،فمنهم الضعيف كرشدين بن سعد، وعبّاد بن كثير، والحسن بن أبي جعفر وغيرهم. ومنهم متروك الحديث يتحرى الكذب ويتعمده مثل أحمد بن محمد بن غالب غلام خليل، وزكريا بن يحيى المصري. وقد فصل الإمام ابن رجب في شرح العلل (٢) الأقوال وبينها، فلتنظر لزامًا.
قال الذهبي في السير في ترجمة (غلام خليل):" الشيخ، العالم، الزاهد، الواعظ، شيخ بغداد، أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن غالب بن خالد بن مرداس، الباهلي البصري، غلام خليل. سكن بغداد وكان له جلالة عجيبة، وصولة مهيبة، وأمر بالمعروف، وأتباع كثير، وصحة معتقد، إلا أنه يروي الكذب الفاحش، ويرى وضع الحديث. نسأل الله العافية" (٣).
فتأمل في قوله: (شيخ، عالم، زاهد، واعظ، شيخ بغداد صحة معتقد)،فهذه كلها مناقب وفضائل تدل على عبادة الرجل وحسن تدينه، بيد أنها لا تدفع عنه تعمد الكذب.
لذا نجد اليوم كثيرًا ممن لا يحسن العلم ربما انخدع ببعض التراجم المنقبية، فيذهب إلى التعصب للرجل بحجة كونه رأسًا في الزهد والورع، ولاسيما إن لم يكن الرجل متروكًا كالحارث المحاسبي ﵀، ومنصور بن عمار الواعظ، وغيرهم.
وهذه الترجمة تفيد كثيرًا في التربية والدعوة، وأكثر ما تستعمل في كتب التواريخ والطبقات والزهد، كالحلية لأبي نعيم، وسير أعلام النبلاء، وتاريخ الإسلام للذهبي.
ولأن الصحابة كلهم عدول بنص القرآن الكريم والسنة الصحيحة فإننا نكتفي بالترجمة المنقبية لأحدهم
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) شرح علل الترمذي ١/ ١٣٠ فما بعد.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٨٣.
[ ٣٧ ]
٣ - الترجمة النقدية:
وهي المعنية من الترجمة إذا أطلقت، فالقصد من ترجمة الراوي معرفة حاله من حيث العدالة والضبط، وهذه الترجمة تؤثر على الراوي إيجابًا أو سلبًا من حيث قبول حديثه أو رده.
والرواة على أقسام من حيث توثيقهم أو عدمه، فمنهم الثقة، وهم مراتب، ومنهم الضعفاء وهم مراتب، ومنهم المتروكون.
فالثقة الذي لم يختلف النقاد على روايته، وحديثه واحد في كل حاله، ليس كحديث الثقة الذي قد اختلف النقاد على حديثه، وليس له حالة واحدة، وباعتبار شيخ معين دون غيره: كأبي معاوية الضرير، فحديثه صحيح إذا روى عن الأعمش، ومضطرب في غير الأعمش (١).
أو باعتبار بلد دون بلد: كـ معمر بن راشد: حديثه في اليمن صحيح، وحديثه في البصرة فيه أغاليط (٢). ويزيد بن هارون فحديثه بواسط أصح من حديثه ببغداد (٣).
أو باعتبار احتراق كتبه: كعبد الله بن لهيعة، فحديثه قبل احتراق كتبه أصح منه بعد الاحتراق (٤).
أو باعتبار ذهاب بصره: كـ عبد الرزاق بن همام الصنعاني (٥).
أو باعتبار اختلاطه: أي تغير فصار حفظه وضبطه خفيفًا، كسعيد بن أبي عروبة (٦) وعطاء بن السائب (٧)،وغيرهما، فمن سمع منهم قبل الاختلاط أصح ممن سمع منهم بعده.
_________________
(١) ينظر: الجرح والتعديل ٧/ ٢٤٧،وشرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٠.
(٢) ينظر: الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٥،وتهذيب الكمال ٢٨/ ٣٠٨،وشرح علل الترمذي ١/ ١٢٧.
(٣) ينظر: التعديل والتجريح للباجي ٣/ ١٢٣٥،وتاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٨،وشرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٠.
(٤) ينظر: الجرح والتعديل ٥/ ١٤٦،والكامل لابن عدي ٤/ ١٤٤،وشرح علل الترمذي ١/ ١٢٨.
(٥) ينظر: الجرح والتعديل ٦/ ٣٨،والكامل في الضعفاء ٥/ ٣١١.
(٦) ينظر: العلل ومعرفة الرجال، عبد الله بن أحمد ١/ ٣٥٣،والجرح والتعديل ٤/ ٦٥.
(٧) ينظر: العلل ومعرفة الرجال ١/ ٤١٤،،والجرح والتعديل ٦/ ٣٣٣،وتهذيب الكمال ٢٠/ ٩٢.
[ ٣٨ ]
أو باعتبار التلقين: والتلقين هو اختبار حفظ الشيخ، فيجعل سند متن ما على متن آخر أو متن سند على سند آخر، وهكذا لغرض اختبار حفظ الشيخ (١)، وممن اشتهر بقبول التلقين: عبد الله بن صالح كاتب المغيرة (٢)،وسعيد بن إياس الجريري (٣).
وغيرها من الآفات التي تطرأ على الحافظ (٤).