ومع ورود هذا النهي عن الكتابة فقد أباح النبي -ﷺ- لبعض الصحابة أن يكتبوا الأحاديث، وهذا يدل على أن النهي لم يكن قاطعا على سبيل الحتم، وأنه لم يكن عاما يقصد به الجميع، وإنما كان لأسباب واعتبارات سنعرض لها فيما يأتي.
الأحاديث الدالة على الكتابة في العهد النبوي:
وقد وردت أحاديث دالة على أن بعض الصحابة كان يكتب، وأن النبي -ﷺ- أذن لبعضهم في الكتابة، وأذن للصحابة أن يكتبوا لغيرهم، فمن ذلك:
١- ما رواه البخاري١ ومسلم٢ في صحيحهما وغيرهما "أن عليا ﵁ سئل: "هل عندكم عن رسول الله -ﷺ- شيء سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة٣ إلا أن يعطي الله عبدا فهما في
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، وصحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، وهذه من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي وهي أوفى الروايات. ٢ صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي -ﷺ- فيها بالبركة وبيان تحريمها ورواية مسلم من طريق إبراهيم التميمي عن أبيه قال خطبنا عليٌّ إلخ، هي أوفى الروايات وأشملها. ٣ خلق النفس.
[ ٥٢ ]
كتابه، وما في هذه الصحيفة، قلت -هو أبو جحيفة السائل١: وما في هذه الصحيفة؟ قال:
"العقل٢ وفكاك٣ الأسير وألا يقتل مسلم بكافر" وفي رواية لهما: "ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. فإذا فيها: المدينة هرم ما بين عبر إلى ثور"٤.
وفي رواية لمسلم بسنده عن علي وفيها: " فأخرج صحيفة مكتوبة فيها: لعن الله من ذبح لغير الله " الحديث، وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي فإذا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم " الحديث، وللإمام أحمد عن طريق ابن شهاب "فيها فرائض الصدقة " أي زكاة السوائم من إبل وبقر وغنم ونحوها. وهذا يدل على أن هذه الصحيفة كانت حافلة بكثير من الأحاديث ولكن كلا من الرواة نقل ما حفظه أو اقتصر على بعض ما فيها.
٢- ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: "ما من أصحاب رسول الله -ﷺ- أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن
_________________
(١) ١ كان من صغار الصحابة، قيل: توفي رسول الله -ﷺ- ولم يبلغ الحلم، وقد روى له الجماعة، وكان علي ﵁ يكرمه ويحبه، ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة وشهد معه مشاهده كلها. ٢ أي الديات سميت الإبل عقلا لأنهم كانوا يعقلونها بالعقل -أي الحبال- حين يقدمونها في الديات. ٣ العمل على تخليصه من الأسر ولو كان بفداء. ٤ أما وجود عير وثور بالمدينة فقد أنكره مصعب الزبيري وأما أصحاب الغريب وشراح الأحاديث فقد اختلفوا: فمنهم من قال: إن ذكر غير صحيح وثور غير صحيح قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، وتابعه ياقوت الحموي في "معجم البلدان" وابن الأثير في "النهاية". والمحققون من المحدثين أثبتوهما كالقاضي عياض والنووي وابن حجر على أن كلا من الجبلين موجود بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير يسمى "ثورا" وقال بعض الذين ألفوا في "أخبار المدينة": "وقد تحققته بالمشاهدة" وكذلك حقق صاحب القاموس المحيط صحة الرواية وأن "عيرا" و"ثورا" جبلان بالمدينة "القاموس المحيط ج١ ص٢٨٤" ومن أراد استقصاء في هذا فليرجع إلى "فتح الباري" ج٤ ص٨٢، ٨٣.
[ ٥٣ ]
العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب١.
٣- ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهما٢: أن أبا شاه٣ اليمني التمس من النبي -ﷺ- أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام الفتح فقال النبي -ﷺ: "اكتبوا لأبي شاه".
٤- ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: لما اشتد بالنبي -ﷺ- وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده " الحديث.
أي آمر بأن يكتب لكم كتاب، فهذا إذن منه -ﷺ- وهم بالكتابة بالفعل، ورسول الله -ﷺ- لا يأذن ولا يهم إلا بما هو مشروع.
٥- ما ثبت أنه -ﷺ- كتب كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمر بن عزم وغيره روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: "أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -ﷺ- على المسلمين والتي أمر بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط " الحديث.
٦- وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن
_________________
(١) ١ وكان مقتضى هذا أن يكون أكثر حديثا من أبي هريرة مع أن ما أحصاه العلماء من مرويات عبد الله أقل مما أحصاه العلماء لأبي هريرة بكثير جدا والسبب في هذا: ١- أن عبد الله كان أكثر مقامة بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة التي كان مستوطن أبي هريرة مع تصديه للرواية أو الفتوى حتى مات. ٢- ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي له بألا ينسى ما يحدث به. ٣- أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الرواية عنه كثير من أئمة التابعين -فتح الباري ج١ ص٢٠٧. ٢ عمدة القاري ج١ ص٥٦٨ ط استانبول. ٣ أبو شاه: بشين معجمة وهاء بعد الألف في الوقف والدرج، ولا يقال بالتاء بل هو خطأ وتصحيف ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يعرف بكنيته وهو كلبي يمني.
[ ٥٤ ]
العاص قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الشيء أفأكتبه؟ قال: "نعم" قلت: في الغضب والرضا؟ قال: "نعم فإني لا أقول فيهما إلا حقا".
وكانت له صحيفة -أي نسخة تضم أحاديث كثيرة- وكان يسميها الصادقة لثقته بكل ما رواه فيها من الأحاديث وكان يعتز بها غاية الاعتزاز حتى كان يقول: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة، والوهط" والوهط بستان له كان بالقرب من الطائف، وقد روى الكثير منها حفيده عمرو بن شعيب صاحب النسخة المشهورة عند المحدثين.
٧- وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: "كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله -ﷺ- فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه. فشكا ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فقال: "استعن بيمينك"، وأومأ بيده إلى الخط. أي أشار إلى الكتابة بإصبعه. قال الترمذي: وهذا الحديث ليس إسناده بذلك القائم.
٨- وأسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله: إن نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: "أكتبوا ذلك ولا حرج"، وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث.
٩- وروى الحاكم وغيره من حديث أنس وغيره موقوفا: "قيدوا العلم بالكتاب" وفي سنده مقال.
١٠- وأسند الديلمي عن عليٍّ -﵁ مرفوعا: "إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بسنده" وفي سنده مقال.
ومن هذه الروايات وغيرها يتبين لنا أن ما كتبه النبي -ﷺ- لعماله بشأن الزكوات وأنصبتها، وما كتبه في عهود بينه وبين اليهود بالمدينة وغيرها، ومن عهود بينه وبين المشركين كما حدث في الحديبية، والكتب التي كتبها إلى الأمراء بالجزيرة، وإلى ملوك الدنيا المعروفة آنئذ داعيا
[ ٥٥ ]
إلى الله والإسلام وما كتبه الصحابة أو كتبوه لغيرهم، يكون عددا كثيرا من الأحاديث التي قد تملأ مجلدا وسيطا.
"اختلاف السلف":
وقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة الأحاديث وتدوينها في الكتب فكرهها طائفة منهم: ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵃.
وأباحها أو فعلها طائفة منهم: عمر، وعلي، وابنه الحسن، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، وابن عباس، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وحكاه القاضي عياض عن أكثر الصحابة والتابعين، ومن ملح قول بعضهم وهو أبو المليح: "يعيبون علينا أن نكتب العلم وندونه وقد قال الله ﷿: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ ١.
ثم أجمعوا بعد ذلك على جوازها بل على وجوبها قال ابن الصلاح في مقدمته: "ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة"٢.
وقال الحافظ ابن حجر: "ولم يعد من السلف من كان يتحرج من الكتابة وبذلك ارتفع الخلاف الذي كان بينهم أولا في كتابة الحديث.
واستقر الأمر، وانعقد الإجماع على جواز كتابته، بل على استحبابه، بل على وجوبه على من خشي عليه النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم٣.
_________________
(١) ١ التدريب ص١٥٠. ٢ علوم الحديث بشرحه ص١٧١ ط حلب. ٣ فتح الباري ج١ ص٢٠٤.
[ ٥٦ ]