قدمنا في بحث الرواية منزلة الإسناد في الإسلام، وأن الإسناد الصحيح من خصائص الأمة الإسلامية وهنا نقول:
إن طلب العلو في الإسناد سنة عن السلف كما قال الإمام أحمد وغيره ولذلك استحبت الرحلة، وكانت قدرا مشتركا بين المحدثين قديما
[ ١١٩ ]
وحديثا، ويستأنس لطلب العلو في الإسناد بما ذكرناه في هذا الكتاب في فصل الرحلة في سبيل العلم وقصة ضمام بن ثعلبة التي ذكرناها في باب التحمل.
والعلو: هو قلة رجال سند الأحاديث بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث بعينه بعدد أكثر من الأول، فالأول يسمى عاليا والثاني يسمى نازلا، وقد عظمت رغبة المتأخرين في طلب الإسناد العالي حتى غلب ذلك على كثير منهم بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه كالحفظ والإتقان والفقه والدراية.
وإنما كان العلو مرغوبا فيه لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ؛ لأنه ما من راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثروا كثرت مظان التجويز والاحتمال، وكلما قلوا قلت.
"أقسام العلو" قسم ابن الصلاح وتبعه النووي وغيره العلو إلى خمسة أقسام وإليك هذه الأقسام:
"الأول" وهو أجلها: القرب من رسول الله -ﷺ- بإسناد صحيح نظيف، فإن كان مع ضعف ففيه صورة العلو لا حقيقته وأما إذا كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممن ادعى سماعا من الصحابة كابن هدبة وأبي الدنيا الأشج ونحوهما، فإنه كالعدم وهذا النوع سماه الحافظ ابن حجر في شرح النخبة "العلو المطلق".
"الثاني" القرب من إمام من أئمة الحديث ذوي الصفات العلية كالحفظ والضبط والفقه مثل شعبة ومالك والثوري والشافعي والبخاري ومسلم ونحوهم، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله -ﷺ، وهذا والذي بعده سماه الحافظ ابن حجر العلو النسبي.
"الثالث" العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة أو غيرها من الكتب المعتمدة كمسند أحمد وهو ما كثر اعتناء المتأخرين به من
[ ١٢٠ ]
الموافقة والإبدال والمساواة، والمصافحة.
فالموافقة: هي أن يروي الراوي حديثا في أحد الكتب الستة مثلا بإسناد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب بحيث يجتمع معه في شيخه مع علو هذا الطريق على ما لو رواه من طريق أحد أصحاب هذه الكتب. قال الحافظ ابن حجر: مثاله: روى البخاري عن قتيبة١ عن مالك حديثا. فلو رويناه من طريقه -أي البخاري- كان بيننا وبين قتيبة ثمانية، ولو روينا ذلك الحديث بعينه عن طريق أبي العباس السراج٢ لكان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة، فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه مع علو الإسناد بدرجة.
"والبدل" هو الوصول إلى شيخ شيخ أحد المصنفين كذلك يعني بعلو درجة أو أكثر عما إذا رواه من طريقة قال الحافظ ابن حجر: كأن يقع لنا ذلك الإسناد بعينه من طريق أخرى -يعني للسراج- إلى القعنبي عن مالك، فيكون القعنبي بدلا فيه عن قتيبة، والقعنبي ليس شيخا للبخاري، فحصلت الموافقة مع شيخ شيخه، وأكثر ما يعتبرون الموافقة والبدل إذا قارنا العلو، وإلا فاسم الموافقة والبدل واقع بدونه بل ومع النزول أيضا كما وقع في كلام الذهبي وغيره، "والمساواة" هي استواء عدد رجال الإسناد من الراوي إلى آخر الإسناد مع رجال إسناد أحد أصحاب هذه الكتب، وهذا كان يوجد قديما، وأما الآن فلا يوجد في حديث بعينه، بل يوجد مطلق العدد كما قال العراقي، وقد ذكر أنه بينه وبين النبي -ﷺ- عشرة أنفس في ثلاثة أحاديث وقد وقع للنسائي حديث بينه وبين النبي -ﷺ- عشرة رواة وهو: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن"، قال النسائي: "ما أعلم في الحديث
_________________
(١) ١ هو ابن سعيد شيخ البخاري ومسلم. ٢ بتشديد الراء -إمام جليل ولد سنة ٢١٨هـ، وتوفي سنة ٣١٣. وكان تلميذ البخاري وروى عنه البخاري ومسلم.
[ ١٢١ ]
إسنادا أطول من هذا رواه الترمذي بعشرة رواة أيضا".
"والمصافحة" هي أن تقع هذه المساواة لشيخك فيكون ذلك مصافحة، لأن العادة جرت بالمصافحة بين من تلاقيا، وأنت في المثال السابق كأنك لقيت النسائي وصافحته، لأنك لقيت شيخك المساوي له، فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وهكذا، وهذا العلو تابع للنزول غالبا فلولا نزول النسائي وشبهه لم تعل أنت، وقد يكون مع علوه أيضا فيكون علوا مطلقا.
"الرابع" العلو بتقدم وفاة الراوي، وإن تساويا في العدد، قال النووي: فما أرويه فيه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف.
وأما العلو المستفاد من تقدم وفاة الشيخ من غير نظر لشيخ آخر فحده بعضهم١ بمضي خمسين سنة من وفاة الشيخ، وقيل! بثلاثين٢.
"الخامس" العلو بتقدم السماع من الشيخ فمن سمع منه متقدما كان أعلى ممن سمع منه بعده، ويدخل كثير منه فيما قبله، ويمتاز عنه بأن يسمع شخصان من شيخ، وسماع أحدهما من ستين سنة، وسماع الآخر من أربعين وتساوي العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه أو خرف، وربما كان المتأخر أرجح، بأن يكون تحديثه الأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط، ثم حصل له ذلك بعد، إلا أن هذا علو معنوي.
"النزول":
وهو خمسة أقسام تعرف من أضدادها، وهو مفضول مرغوب فيه على
_________________
(١) ١ هو الحافظ أحمد بن عمير. ٢ هو الحافظ أبو عبد الله بن منده.
[ ١٢٢ ]
الصواب، وقول الجمهور، وفضل بعضهم النزول، واحتج له بأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد فيه، وهذا يقتضي المشقة فيعظم الأجر، وهو مذهب ضعيف الحجة؛ لأنه ترجيح بأمر أجنبي عما يتعلق بالتصحيح، والتضعيف، وهو المعنى المقصود من الرواية، فإن كان في النزول مزلة ليست في العلو كأن يكون رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع، وفي العالي حضور أو إجازة ونحوها فلا شك أن النزول حينئذ أولى وأفضل، وقال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل عن عبد الله أم سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب فقال: الأعمش شيخ وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه.
وقال ابن المبارك ليس جودة الحديث قرب الإسناد بل جودة الحديث صحة الرجال، وقال شيخ الإسلام ابن حجر "ولابن حبان تفصيل حسن، وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء أولى".
[ ١٢٣ ]