مظان الحديث الصحيح:
قلنا: إن البخاري ومسلما لم يستوعبا كل الصحيح ولم يلتزما ذلك، وإذا كان الأمر كذلك فلنلتمس الصحيح الزائد على ما فيها من الكتب التي جمعت بين الصحيح وغيره، أو التزم أصحابها تخريج الصحيح.
ومظان الصحيح -بعد الصحيحين- كتاب "الموطأ" لإمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي المتوفى سنة ١٧٩ وكتب السنن الأربعة، وهي السنن لأبي داود السجستاني١، والسنن لأبي عيسى الترمذي٢ والسنن للنسائي٣، والسنن لابن ماجه٤ والسنن لأبي الحسن الدارقطني٥، ولا يكفي مجرد كونه موجودا في كتاب أبي داود وغيره من الكتب التي جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف، بل لا بد من أن يكون أحد هؤلاء قد نص على صحته أو صححه أحد ممن يؤخذ بقولهم، فإن لم تجد تنصيصا على صحته فلا بد من البحث والتحري عن الرواة
_________________
(١) ١ هو أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني ولد عام ٢٠٢ وتوفي في شوال عام ٢٧٥هـ. ٢ هو أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي له السنن وكتاب "العلل وكتاب الشمائل النبوية ولد عام ٢٠٩هـ، وتوفي بترمذ في رجب عام ٢٧٩هـ. ٣ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب الخراساني النسائي صاحب كتاب "المجتبى" والمعروف بسنن النسائي ولد عام ٢١٥ وتوفي سنة ٣٠٣هـ و"المجتبى" هو السنن الصغير مختار من "السنن الكبير" له. ٤ هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني له كتاب "السنن" ولد سنة ٢٠٧، وتوفي في رمضان سنة ٢٧٣هـ. ٥ هو الإمام أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الشهير بالدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥هـ، وله كتاب السنن المشهور.
[ ٢٦١ ]
والمروي حتى يتبين لك صحته إن كنت من أهل العلم بالحديث القادرين على التمييز بين الصحيح وغيره.
ومنها الكتب التي التزم أصحابها تخريج الصحيح مثل صحيح ابن خزيمة١، وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي٢، ومثل المستدرك للحاكم أبي عبد الله٣.
ومما ينبغي أن يعلم أن صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح أبي حاتم بن حبان لشدة تحريه حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، وأما ابن حبان فهو من المتساهلين في التصحيح، وكذلك الحاكم يتساهل في الحكم بالصحة، وتساهله أشد من تساهل ابن حبان ولذلك لا ينبغي أن تعتمد تصحيحهما إلا بعد البحث والتحري أو أن نجد من وافقه على التصحيح من أئمة هذا العلم.
ومن مظان الصحيح الكتب المستخرجة٤ على الصحيحين أو أحدهما ككتاب أبي بكر الإسماعيلي "على البخاري"، وكتاب أبي بكر البرقاني٥ "على البخاري أيضا"، وكتاب أبي عوانة الإسفراييني "على صحيح مسلم" وكتاب أبي نعيم الأصفهاني "عليهما" وغيرها٦.
_________________
(١) ١ هو الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة شيخ ابن حبان توفي سنة ٣١١هـ، وله كتاب الصحيح. ٢ هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي شيخ الحاكم توفي سنة ٣٥٤هـ له كتاب "التقاسيم والأنواع". ٣ هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم توفي سنة ٤٠٥هـ، له "المستدرك على الصحيحين". ٤ الاستخراج: أن يعمد حافظ من الحفاظ إلى صحيح البخاري أو مسلم مثلا، فيورد أحاديثه بأسانيد لنفسه غير ملتزم فيها ثقة الرواة من غير طريق البخاري أو مسلم إلى أن يلتقي مع صاحب الكتاب في شيخه أو من فوقه، والكتاب يسمى "المستخرَج" بفتح الراء، ومؤلفه يسمى "المستخرِج" بكسر الراء وفائدة المستخرجات:
(٢) ما يقع فيها من الزيادات في الأحاديث التي لم تكن في الأصل المستخرج علنية.
(٣) علو الإسناد.
(٤) تكثير طرق الحديث ليرجح بها عند التعارض. ٥ هو الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد "الخوارزمي" اليرقاني الشافعي المتوفى سنة خمس وعشرين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ج٣ ص٨٠٧. ٦ من أراد زيادة في هذا فليرجع إلى كتابي أعلام المحدثين من ص٣٣٢-٣٤٢ فقد ترجمت لأصحاب المستخرجات.
[ ٢٦٢ ]
ومنها كتاب "المختارة" للشيخ الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣هـ، وقد قال ابن كثير فيه: "كان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم"، ولعل مراده ببعض مشايخه الإمام ابن تيمية.
ومنها كتب "المسانيد" كمسند الإمام الجلي أحمد١ ومسند أبي يعلى، والبزار، وعبد بن حميد وكذا يوجد في معجمي الطبراني٢ الكبير والأوسط، وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد، والأجزاء.
ولا بد في كتب المسانيد، والمعاجم، ونحوها من أن ينص المخرج للحديث على صحته أو ينص على ذلك إمام معتبر آخر، فإن لم يوجد فلا بد لك من البحث والتحري، حتى تتحقق أنه صحيح إن كنت من أهل الحديث والعلم به سندا ومتنا.
_________________
(١) ١ هو الإمام الجليل شيخ الإسلام ومحيي السنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ولد سنة ١٦٤هـ وتوفي سنة ٢٤١هـ، وله كتاب "المسند" المشهور، ومعنى المسند الكتاب الذي جمعت فيه أحاديث كل صحابي على حدة من غير نظر لوحدة الموضوع، وقد رتب فيه الصحابة على حسب الفضل. ٢ الطبراني هو الإمام الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الشامي المتوفى سنة ستين وثلاثمائة، وهو منسوب إلى طبرية على غير قياس.
[ ٢٦٣ ]