"الأول" إذا علمت أن كتب السنن جمعت بين الصحيح وغيره تبين لك أن صنيع الحاكم أبي عبد الله، والخطيب البغدادي في تسميتها كتاب الترمذي، "الجامع الصحيح" فيه تساهل منهما؛ لأن فيه الصحيح والحسن والضعيف، وفيه أحاديث منكرة بل وأحاديث موضوعة -على قلة- ولا سيما في الفضائل.
"الثاني" وكذلك ما قاله الحافظ أبو علي بن السكن، والخطيب البغدادي في كتاب "السنن" للنسائي: إنه صحيح، وإن له شرطا
[ ٢٦٣ ]
في الرجال أشد من شرط مسلم، غير مسلم، وهو تساهل منهما أيضا لأن في سنن النسائي الصحيح وغيره، وفيه أحاديث ضعيفة، ومعللة ومنكرة، كما أن في رواته رجالا مجهولين إما عينا أو حالا، بل وفيهم المجروح.
"الثالث": وكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي في الأصول الخمسة، وهي:
١- صحيح البخاري.
٢- وصحيح مسلم.
٣- وسنن أبي داود.
٤- وسنن الترمذي.
٥- وسنن النسائي.
"إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب" تساهل منه، وكلامه مسلم في الصحيحين أما في السنن الثلاث فلا.
وقد حاول الإمام العراقي الإجابة عن السلفي، وتصحيح كلامه فقال: "إنما قال السلفي بصحة أصولها ولا يلزم من أن يكون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا"١.
"الرابع": مما ينبغي أن يعلم أن الكتب الخمسة المذكورة وهي الصحيحان، والسنن الثلاث أعلى مرتبة من كتب المسانيد كمسند عبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، وأبي داود الطيالسي٢ وغيرهم؛ لأن عادة أصحاب المسانيد أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثا محتجا به، فلهذا تأخرت مرتبتها -وإن جلت لجلالة مؤلفيها- عن مرتبة الكتب الخمسة، وما التحق بها من الكتب المؤلفة على الأبواب.
"الخامس": كتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس من العلماء من قدمه على الصحيحين كالإمام أبي بكر العربي، ومنهم من جعله في درجتهما، وإليه يشير كلام الدهلوي في "حجة الله البالغة" ومنهم من جعله في مرتبة دونهما وإليه يميل كلام ابن الصلاح في مقدمته٣، وابن
_________________
(١) ١ شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح ص٤٧. ٢ قد قدمت ما يتعلق بمسند أبي داود الطيالسي، وأنه من جمع من بعده "التدريب ص١٠٢" ط المحققة. ٣ علوم الحديث لابن الصلاح ص٢٥ ط العاصمة.
[ ٢٦٤ ]
حزم في مقالة له رتب فيها كتب الحديث بحسب درجتها، وقال بعض العلماء المتأخرين: "الحق أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله -ﷺ- صحاح كلها، وهي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأما ما فيه من المراسيل، والبلاغات١، وغيرها فيعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما تحويه الكتب الأخرى".
وإنما لم يعده بعض العلماء في الكتب الصحاح لكثرة ما فيه من المراسيل، والبلاغات والمنقطعات وكثرة الآراء الفقهية فيه لمالك وغيره٢.
أما إفاضة القول في "الموطأ" ففي كتابي "أعلام المحدثين٣" فليرجع إليه من يشاء.
_________________
(١) ١ البلاغات: هي ما يقول فيها الإمام مالك: بلغني عن فلان مثل قوله: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: "للمملوك طعامه وكسوته". ٢ الباعث الحثيث إلى علوم الحديث ص٣٠ هامش. ٣ ص٥٩، ٦٠.
[ ٢٦٥ ]