الذي ذهب إليه جمهور المحدثين أن المرسل من قبيل الحديث الضعيف للجهل بحال المحذوف؛ لأنه لا يتعين أن يكون التابعي رواه عن الصحابي، بل يجوز أن يكون رواه عن تابعي آخر، وهو يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الأول يحتمل أن يكون رواه عن تابعي أو صحابي، وعلى الأول يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وهكذا يتعدد هذا الاحتمال إما بالتجويز العقلي، فإلى ما لا نهاية، وإما بالاستقراء، فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض١، ومتى احتمل أن يكون المروي عنه ضعيفا، فقد سقط عن درجة الاحتجاج به. قال العلامة ابن الصلاح في مقدمته: "ثم إن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر، فوروده من وجه آخر يدل على صحة مخرج المرسل وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم وفي صدر صحيح مسلم "المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة".
وقد حكى هذا القول عن جماعة أهل الحديث ابن عبد البر حافظ المغرب٢.
"حكم المرسل عند الفقهاء":
أما حكم المرسل عند الفقهاء فقد احتج به مالك وأبو حنيفة
_________________
(١) ١ نخبة الفكر بشرحها للحافظ ابن حجر، وشرحها للقاري ص١١١. ٢ علوم الحديث لابن الصلاح ص٧٣ ط العاصمة.
[ ٢٨٢ ]
وأصحابهما، وقد حكي عن الإمام أحمد الاحتجاج به في رواية١. قال في التدريب: "قال النووي في "شرح المهذب": وقيد ابن عبد البر وغيره ذلك بما إذا كان من أرسله لا يرسل عن غير الثقات، فإن كان، فلا خلاف في رده، وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية ما إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة الفاضلة، فإن كان من غيرهم، فلا؛ لحديث: "ثم يفشو الكذب" ٢، رواه النسائي وصححه.
ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية، وأبو الوليد الباجي من المالكية: أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات، وغيرهم: أن مرسله لا يقبل اتفاقا، وأما إذا لم يعلم حاله، فمرسله مقبول اتفاقا عند الحنفية والمالكية.
أقول: ولعل وجهة نظر هؤلاء تحسين الظن بالراوي، وأن الشأن فيه أن لا يروي إلا عن ثقة، وإذا كان الأمر كذلك عند الحنفية والمالكية على ما ذكره الرازي والباجي، فينبغي أن يقيد احتجاجهما به بذلك.
وقد حكى ابن جرير إجماع التابعين على قبول المرسل، وأنه لم يأت عن أحد منهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة إلى رأس المائتين الذين هم من أهل القرون الفاضلة، المشهود لهم من المشرع صلوات الله وسلامه عليه بالخيرية.
وقد بالغ بعضهم فقواه على المسند٣ معللا ذلك بأن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك٤ وهو توجيه كما ترى!!
وأما الإمام الشافعي -﵁- فقد احتج به بشروط،
_________________
(١) ١ التدريب ص١٢٠. ٢ المصدر السابق. ٣ أي الذي ذكر له إسناد متصل. ٤ أحالك: أي على البحث عن الرواة ومعرفة عدالتهم وضبطهم. تكفل لك: أي ضمن لك عدالتهم وضبطهم.
[ ٢٨٣ ]
قال في كتابه "الرسالة": "إن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت من وجه آخر ولو مرسلة، أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمي لا يسمى إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل، وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحدا قبلها".
وقد قيل: إن الإمام الشافعي لا يحتج بالمرسل إلا مراسيل سعيد بن المسيب؛ لأنه تتبعها فوجدها مسندة من وجوه أخر، وقد حقق الإمام النووي أن الإطلاق في النفي والإثبات غير صحيح، وأن الصحيح أنه يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب وغيره إذا استكملت الشروط التي ذكرناها، وليس لابن المسيب ميزة في هذا إلا أنه أصح التابعين إرسالا، على أن في مراسيله ما لم يوجد مسندا بحال من وجه صحيح.
وقد اعتمد الإمام النووي في هذا على ما قاله إمامان جليلان١ حافظان فقيهان شافعيان متضلعان في الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه٢.
ومما ينبغي أن يعلم أن بعض التابعين قد يرسل الحديث لكونه سمعه عن كثير من الصحابة، أو لغير ذلك من الأغراض، فإرسال مثل هذا لا يطعن في روايته المرسلة. روي عن الحسن البصري أنه قال: "إنما أطلقه -أي المرسل- إذ سمعته من سبعين من الصحابة"، وكان يحذف اسم علي ﵁ لخوف الفتنة.
"مرسل الصحابي":
هو ما يرويه صغار الصحابة وأحداثهم كابن عباس من قول رسول الله -ﷺ- أو فعله، أو تقريره، ولم يسمعوه منه أو يشاهدوه.
_________________
(١) ١ الإمامان الخطيب البغدادي، والبيهقي. ٢ التدريب شرح التقريب ص٦٧، ٦٨ ط بولاق.
[ ٢٨٤ ]
مثاله: حديث عائشة -﵂- في بدء الوحي، رواه البخاري ومسلم وغيرهما؛ فعائشة -﵂- لم تشهد القصة، ولم تكن ولدت حينئذ فهي إما أن تكون سمعت الحديث من النبي -ﷺ- بعد ذلك، أو يكون بعض الصحابة أخبرها به فيكون من مراسيل الصحابة، وعلى هذا الاحتمال الثاني يكون الاستدلال بالحديث.
"حكمه" أنه حجة عند المحدثين والفقهاء، وهو في حكم الموصول المسند؛ لأن أكثر روايتهم عن الصحابة١، والجهالة بالصحابة لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول، ثم إن بعض العلماء ذكر أن الاحتجاج به موضع إجماع، وقد ذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافا في الاحتجاج به عند الفقهاء، ويحكى عدم قبوله عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني لاحتمال تلقيه عن بعض التابعين.
وقد روى جماعة من الصحابة عن التابعين كابن عباس، وبقية العبادلة، فقد رووا عن كعب الأحبار بعض المرويات، ولكن فيما لا يتعلق بالحلال والحرام، وكعب من التابعين وقد صنف الخطيب وغيره في رواية الصحابة عن التابعين، فذكر جملة من الأحاديث، والحق أن روايات الصحابة عن التابعين قليلة نادرة، وأنها على قلتها ليست أحاديث مرفوعة، وإنما هو من الإسرائيليات، أو قصص وحكايات، أو موقوفا٢.
_________________
(١) ١ ذكر الغزالي في "المستصفي" أن عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس بسماعها من النبي -ﷺ- أربعة، وهو قول غريب عجيب، وقد قلده في مقالته من غير بحث جماعة، وقال محمد بن جعفر المعروف بغندر: إنها عشرة، وقال يحيى بن معين وأبو داود: إنها تسعة. وهو قول غير مقبول أيضا، وذكر بعض المتأخرين: إنها دون العشرين، لكنها من طرق صحاح، وقد اعتنى الحافظ ابن حجر بجميع الصحاح والحسان منها، فزادت عنده على الأربعين، وهذا سوى ما هو في حكم السماع كحكاية حضور فعل حدث بحضرة النبي -ﷺ. "فتح الباري ج١١، ص٤٨٣" أقول: وهذا الذي وصل إليه الحافظ الكبير هو الحق ولا يلتفت لما سواه. ٢ التدريب شرح التقريب ص٧١.
[ ٢٨٥ ]