أجمع العلماء المسلمون قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول أن الراوي لا تقبل روايته إلا إذا اجتمع فيه صفتان:
١- العدالة.
٢- والضبط.
وكذلك اتفقوا على ذلك في الشاهد، فما هي العدالة؟ وما هو الضبط؟
[ ٨٤ ]
١- العدالة١. ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، والتقوى هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، أما المروءة فهي آداب نفسانية تحمل صاحبها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات.
والعدل: هو المسلم البالغ العاقل الخالي من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وإنما شرطنا الإسلام لأن الباب باب الدين، والكافر يسعى دائما في هدمه فلا يقبل قوله في أموره.
وشرطنا البلوغ والعقل لأنها مناط التكليف، إذ الصبي لا يتحرج من الكذب والمجنون لا يعي ما يقول، والمراد بالسلامة من أسباب الفسق أن يكون معروفا بالتقوى فلا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة٢، ولا يكون مبتدعا؛ لأن من شأن المبتدع أن يميل مع هواه، ويسعى في نصرة مذهبه، ومثل هذا لا يؤمن عليه الكذب والاختلاق في سبيل تأييد مذهبه وبدعته، ولذلك رد بعض العلماء رواية المبتدع مطلقا أي سواء كان داعية إلى بدعته أم لم يكن، وفصل بعضهم بين أن يكون داعية إلى بدعته أو لا، فردوا رواية الأول، وقبلوا رواية الثاني، وهذا هو مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء، كما قال ابن الصلاح، وهو أعدل المذاهب وأولاها بالقبول، فكثير من المبتدعة غير الدعاة قد احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما؛ لأن غير الداعية له من دينه الذي يحرم عليه الكذب ومن صلاحه واستقامته على الشرح ومروءته ما يحول بينه
_________________
(١) ١ العدالة بمعنى الاستقامة على الدين. مصدر عدل بضم الدال يعدل من باب كرم. عدالة وعدولة فهو عدل أي مرضي في الرواية والشهادة، أما العدل ضد الجور فهو مصدر عدل يعدل من باب ضرب فهو عادل والعدل يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع فيقال رجل عدل، وامرأة عدل، ورجال عدل وتجوز المطابقة فيقال امرأة عدلة. رجال عدول. والملكة هي الكيفية والصفة الراسخة في النفس فإن لم تكن راسخة فهي حال. ٢ أما من يفعل بعض الصغائر من غير إصرار فهو عدل ولا محالة.
[ ٨٥ ]
وبين التزيد والاختلاق. نعم إن روى المبتدع غير الداعية ما يؤيد بدعته فروايته مردودة لاحتمال التهمة.
أما ما يخل بالمروءة فقسمان:
١- الصغائر الدالة على الخسة كسرقة شيء حقير كرغيف مثلا.
٢- المباحات التي تسبب الاحتقار، وتذهب بالكرامة، وذلك كالبول في الطريق وفرط المزاح الخارج عن حد الاعتدال.
وقد مثل العلماء في باب الشهادة والرواية لذلك أيضا بالمشي عاري الرأس والأكل على قارعة الطريق.
وفي الحق أن هذه الأمور التي تخل بالمروءة ترجع إلى العرف، والأعراف تختلف في هذا، ولو أخذنا بهذين الأخيرين لتعذر وجود شاهد اليوم فإنه لا يكاد أحد يغطي رأسه اليوم، وكثير من الناس يأكل في الطريق للضرورة لزحمة العمل وضيق الوقت، فمن ثم لا نرى أن هذين يخلان بالمروءة أما البول في الطريق وفرط المزاح فلا يزالان من صفات المستهترين وإنما لا تقبل شهادة ولا رواية من أخل بالمروءة لأن الإخلال بها إما لخبل في العقل أو نقصان في الدين أو لقلة الحياء، وكل ذلك رافع للثقة بقوله.
[ ٨٦ ]