قدمت في أول هذا الكتاب تعريف الرواية، وأقسامها، وتاريخها، وأركانها، وشروطها، وطرق التحمل والأداء فكن على ذكر مما ذكر وسنذكر في هذا الفصل ما طويناه فيما سبقن وسنفصل ما أجملناه.
وقد شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرطوا، فمن المشددين من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه وتذكره، روي ذلك عن مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى، وأبي بكر الصيدلاني ﵀، فروى الحاكم بسنده عن أشهب١ قال: سئل مالك: أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه وهو ثقة؟ فقال: لا، فقال: فإن أتى بكتب
_________________
(١) ١ أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي أبو عمرو الفقيه المصري تلميذ الإمام مالك قيل: اسمه مسكين، ولقبه أشهب توفي في شعبان سنة أربع ومائتين.
[ ١٤١ ]
فقال سمعتها وهو ثقة؟ فقال: لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في حديثه في الليل وهو لا يدري".
وروي عن أشهب أيضا قال: سئل مالك عن الرجل الغير الفهم١ يخرج كتابه فيقول: هذا سمعته. فقال: "لا تأخذ إلا عمن يحفظ حديثه أو يعرف".
وروى البيهقي عن مالك، وعن أبي الزناد قالا: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، لا يؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله" ولفظ مالك، "لم يكونوا يعرفون ما يحدثون" أقول: وهذا النص يدل دلالة ظاهرة على أنه لا يكتفى في الرواية بالعدالة فحسب بل لا بد من الضبط واليقظة، وعدم الغفلة، وأنه لا بد أيضا من العلم والفهم للمروي.
قال السيوطي: "وهذا مذهب شديد، وقد استقر العمل على خلافه".
ومنهم من جوزها من كتابه إلا إذا خرج من يده بالإعارة أو الضياع أو غير ذلك، وهذا أيضا تشديد.
وأما المتساهلون فقد تقدم في "باب التحمل والأداء" طرف منهم، ومنهم قوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصول، فجعلهم الحاكم أبو عبد الله مجروحين قال: وهذا كثير قد تعاطاه قوم من أكابر العلماء والصالحين.
والصواب: ما عليه الجمهور، وهو التوسط بين الإفراط والتفريط، لأن خير الأمور الوسط، وما عداه شطط.
فإذا قام الراوي في الأخذ والتحمل عن الشيوخ، والمقابلة لكتابه بما
_________________
(١) ١ في التدريب: الغير فهم وهو خطأ فإن المضاف إذا كان فيه "أل" لزم أن تكون في المضاف إليه فأوردته على الصحيح.
[ ١٤٢ ]
تقدم من الشروط جازت الرواية من الكتاب وإن غاب عنه ما دام الغالب على ظنه سلامة كتابه من التغيير والتبديل، ولا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالبا.
[ ١٤٣ ]