وهنا مسائل يحسن ذكرها هنا لنبين حكمها وما يتعلق بها.
"الأولى" قول الصحابي كنا نقول كذا أو نفعل كذا ما حكمه؟ إن لم يضفه إلى زمان رسول الله -ﷺ- فهو موقوف عند جمهور المحدثين والفقهاء والأصوليين، وقال الحاكم والرازي والآمدي وغيرهم: إنه مرفوع ومثاله
[ ٢٠٦ ]
قول عائشة ﵂، "كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه" وما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال: "كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا".
وأن أضيف إلى زمان رسول الله -ﷺ- فالصحيح الذي عليه الجمهور أنه مرفوع؛ لأن الظاهر أن رسول الله -ﷺ- اطلع على ذلك وقررهم عليه لتوفر دواعيهم على سؤاله -ﷺ- وتقريره أحد وجوه السنن المعروفة، ومن أمثلة ذلك قول جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله -ﷺ"، رواه الشيخان. وقوله: "كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله -ﷺ"١، رواه النسائي وابن ماجه وخالف في هذا أبو بكر الإسماعيلي فقال: إنه موقوف، وهو بعيد جدا والصحيح الأول وقال آخرون: إن كان هذا مما لا يخفى غالبا فمرفوع وإلا فموقوف، فإن كان فيه تصريح باطلاعه -ﷺ- فمرفوع إجماعا مثل قول ابن عمر: "كنا نقول ورسول الله حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان ويسمع ذلك رسول الله -ﷺ- فلا ينكره" رواه الطبراني في المعجم الكبير والحديث في الصحيح بدون ذكر التصريح المذكور، ومن المرفوع أيضا اتفاقا الأحاديث التي فيها ذكر صفة النبي -ﷺ- ونحو ذلك.
أما قول الصحابي: كنا لا نرى بأسا بكذا ورسول الله فينا، أو في حياة رسول الله -ﷺ- أو كانوا يقولون كذا في عهده أو كانوا يفعلون كذا في حياته فكل هذا وأمثاله له حكم المرفوع، ومن المرفوع قول المغيرة بن شعبة: "كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يقرعون بابه بالأظافير"، رواه البيهقي في المدخل قال ابن الصلاح: بل هو أحرى بأن يكون رسول الله اطلع عليه وأقرهم عليه.
وأما قول التابعي: كنا نفعل كذا فليس بمرفوع قطعا، ثم إن لم
_________________
(١) ١ هذا وما قبله مثالان للتقرير حكما.
[ ٢٠٧ ]
يضفه إلى زمن الصحابة فمقطوع وإن أضاف ففي احتمالان: الوقف وعدمه وجه الأول: أن الظاهر اطلاعهم على ذلك وتقريرهم عليه ووجه الثاني: أن تقرير الصحابي قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبي -ﷺ.
"الثانية" قول الصحابي: أمرنا بكذا ومثل له السيوطي في التدريب بقول أم عطية ﵂:
"أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور١، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين" أخرجه الشيخان، وقوله: نهينا عن كذا كقولها أيضا "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" رواه الشيخان وقوله: من السنة كذا كقول علي: "من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة"، رواه أبو داود من رواية ابن داسه وابن الأعرابي، وقوله: أمر فلان بكذا كقول أنس: "أمر بلال أن يشفع الآذان ويوتر الإقامة"، رواه الشيخان فكل هذا وما أشبهه مرفوع حكما على الصحيح الذي قاله الجمهور لأن ذلك بظاهر ينصرف إلى من له الأمر والنهي ومن يجب اتباع سنته وهو رسول الله -ﷺ، ولا فرق بين قول الصحابي ما تقدم في حياة رسول الله -ﷺ- أو بعده.
وخالف أبو بكر الإسماعيلي في هذا أيضا فقال: ليس بمرفوع لاحتمال أن يكون الآمر غيره كأمر القرآن أو بعض الخلفاء، أو يريد سنة غيره وأجيب عنه بأن هذا بعيد والأصل في الآمر والناهي والسنة هو الأول.
ويدل على أن قول الصحابي من السنة كذا يريدون سنة النبي ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم أن
_________________
(١) ١ العواتق: جمع عاتق وهي من بلغت الحلم أو الكريمة على أهلها، الخدور جمع خدر وهو: ستر في ناحية البيت تقعد البكر وراءه وهذا لفظ مسلم، ورواه البخاري "أمرنا" بالبناء للمجهول، وأما رواية مسلم في "أمرنا" و"أمر" بالبناء للمعلوم من غير ذكر الفاعل، فهي أدل على الرفع.
[ ٢٠٨ ]
الحجاج بن يوسف عام نزل بابن الزبير ﵄ سأل عبد الله ﵁ كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر١ بالصلاة يوم عرفة فقال عبد الله بن عمر: صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة فقال ابن شهاب لسالم أفعله رسول الله -ﷺ؟ فقال سالم: وهل يتبعون٢ في ذلك إلا سنته؟ وفي رواية "يبتغون" قال السيوطي: "فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم كانوا إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي -ﷺ.
وأما قول بعضهم إن كان مرفوعا فلم لا يقولون فيه قال رسول الله -ﷺ- فجوابه: "أنهم تركوا الجزم بذلك تورعا واحتياطا" وروى البخاري أيضا عن سالم أنه قال للحجاج: إن كنت تريد السنة فأقصر الخطبة وعجل الوقوف فجعل الحجاج ينظر إلى أبيه عبد الله بن عمر فقال له: صدق قال ابن عبد البر تعليقا على هذه الرواية: هذا الحديث يدخل عندهم في المسند لأن المراد بالسنة سنة رسول الله -ﷺ- إذا أطلقت ما لم تضف إلى صاحبها كسنة العمرين، قال الحافظ ابن حجر: وهي مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول وجمهورهم على ما قال ابن عبد البر وهي طريقة البخاري ومسلم ويقويه قول سالم لابن شهاب إذ قال له: أفعل ذلك رسول الله -ﷺ؟ فقال: وهل يتبعون في ذلك إلا سنته وهي القصة التي ذكرناها قبل.
ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على
_________________
(١) ١ يعني عجل في الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم في الهاجرة وهي شدة الحر. ٢ هكذا وردت الرواية في صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بعرفة. قال البخاري في الفتح: وفي رواية: يبتغون وذكر السيوطي في التدريب تبعا للحافظ في شرح النخبة رواية البخاري بلفظ: "وهل يعنون بذلك إلا سنته" ولم أقف على هذه الرواية بهذا اللفظ فلعلهما ذكراها بالمعنى، انظر التدريب ص٦٣، وشرح التحفة ص٤٤ وهذه إحدى المسائل لم أجد من نبه عليها من قبل.
[ ٢٠٩ ]
الثيب أقام عندها سبعا" أخرجه الشيخان قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي -ﷺ- أي لو قلت لم أكذب، لأنه قوله من السنة كذا هذا معناه لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى.
وبعض العلماء خصص الخلاف بغير الصديق رضي الله تعالى عنه أما هو فإن ذلك فمرفوع بلا خلاف ومثل قوله من السنة كذا قول ابن عباس في متعة الحج: "سنة أبي القاسم" وقول عمرو بن العاص في عدة أم الولد: "لا تلبسوا علينا سنة نبينا" رواه أبو داود، وقول عمر -﵁- في المسح: "أصبت السنة" صححه الدارقطني في سنته وأقربها إلى الرفع سنة أبي القاسم ويليها سنة نبينا ويلي ذلك أصبت السنة.
أما قول التابعي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فجزم أبو نصر ابن الصباغ في كتاب "العدة" في أصول الفقه أنه مرسل، وحكي وجهين فيما إذا قال ذلك سعيد بن المسيب أيكون حجة: أم لا؟ وذكر الغزالي في "المستصفى" فيه احتمالين من غير ترجيح أيكون موقوفا أم مرفوعا مرسلا؟ وأما إذا قال التابعي: من السنة كذا كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات" رواه البيهقي في سننه أهو مرسل مرفوع أم موقوف متصل؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام الشافعي حكاهما النووي في شرح مسلم وشرح "المهذب" وشرح "الوسيط" وقال: "الصحيح أنه موقوف" وحكى الداودي في شرح مختصر المزني: أن الشافعي -﵁- كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع ثم رجع عنه في الجديد لأنهم قد يطلقونه ويريدون به سنة البلد١.
"الثالثة" قول الصحابي الذي لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات فيما
_________________
(١) ١ شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح ص٥٤.
[ ٢١٠ ]
لا يقال بالرأي ولا مجال للاجتهاد فيه ولا له تعلق ببيان لغة أو شرح كلمة غريبة له حكم المرفوع وذلك كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص وإنما كان له حكم المرفوع لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي -ﷺ- أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة كأهل الكتاب الذي أسلموا، وقد احترزنا عن الثاني فلم يبق مخبرا وموقفا إلا النبي -ﷺ- ومن أمثلته قول ابن مسعود ﵁: "من أتى ساحرا أو كاهنا ١ فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ" رواه أبو يعلى والبزار.
ومن ذلك قول الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل في أسباب التنزيل ونحوه مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي -ﷺ- ولا مدخل للاجتهاد فيه ومثل له ابن الصلاح بما روي عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ رواه مسلم أي على أي حالة شئتم.
فأما تفاسير الصحابة فيما للرأي فيه مجال ولم يرفعوها إلى رسول الله فهي موقوفة عليهم ومثل ذلك تفسير الصحابي الذي عرف بالأخذ عن أهل الكتاب فيما لا مجال للرأي فيه فهو موقوف أيضا ومن هنا يتبين لنا أن الإسرائيليات التي رواه بعض الصحابة في تفسير قصص الأنبياء أو أسرار الوجود، وبدء الخلق مثلا، ولا توافق عقلا
_________________
(١) ١ البحر: تمائم وتعاويذ يتوصل بها إلى التأثير في الأبدان والأرواح والإفساد بين الناس والكهانة: الإخبار بالمغيبات عن طريق استخدام الجن وقد يكون هذا وذاك شعوذة وتدجيلا على الناس.
[ ٢١١ ]
ولا نقلا صحيحا، محال أن يكونوا تلقوها عن المعصوم -ﷺ، وإنما هي من معارف أهل الكتاب الذين أخذوها عن شروح التوراة والكتب القديمة التي دخلا الكثير من الزيف والتحريف، وقد نقلها بعض الصحابة عنهم إما على سبيل العظة والذكرى وإما على سبيل الغرابة والاستنكار لها أو التنبيه إلى شناعتها وكذبها لا أنهم صدقوا ذلك أو استجازوا نسبته إلى المعصوم -ﷺ، وحاشاهم أن يظن بهم ذلك.
وألحق الحافظ ابن حجر في شرح النخبة بقول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه فعل الصحابي ما لا مجال للرأي فيه فينزل على أن ذلك عنده عن النبي -ﷺ- ومثل له بقول الشافعي ﵁ في صلاة سيدنا عليٍّ في صلاة الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين١ وهو مثال المرفوع من الفعل حكما.
"الرابعة" من المرفوع اتفاقا ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة في نسبة الحديث إلى رسول الله -ﷺ- كالأحاديث التي يقال في إسناده عند ذكر الصحابي يرفع الحديث أو رفعه أو مرفوعا كحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي" رفع الحديث، رواه البخاري، أو يبلغ به مثل حديث الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به: "الناس تبع لقريش" رواه الشيخان، أو ينميه٢ مثل الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "كان الناس
_________________
(١) ١ قال الشيخ على القاري في شرح شرح النخبة: لعل هذا قول في مذهبه وإلا فالمشهور من مذهبه وهو قول مالك وأحمد في كل ركعة ركوعان وعن أبي حنيفة ركوع واحد ثم قال: ولعل معناه أن الشافعي حمل فعل عليٍّ على أنه في حكم المرفوع ثم رجح غيره من الأدلة المقتصرة على ركوعين على فعله كرم الله وجهه. ٢ فمن ينمي بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم قال الجوهري: نميت الأمر أو الحديث إلى غيري إذا أسندته ورفعته.
[ ٢١٢ ]
يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك.
أو يرويه أو رواية أو رواه: مثل حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رواية: "الفطرة خمس أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب"، رواه البخاري في كتاب اللباس قال ابن الصلاح: "وحكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صراحة"، وإنما اكتفوا بالكناية بدل التصريح إما لكونه رواه بالمعنى أو مختصرا أو لغير ذلك من الأغراض.
وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: وقد يقتصرن -أي المحدثون- على القول مع حذف القائل اختصارا بناء على الوضوح ويريدون بالقائل النبي -ﷺ- ومثل ذلك بحديث ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال١: "تقاتلون قوما صغار الأعين" الحديث٢، والمراد بهم الترك، وقال الخطيب: إنه اصطلاح خاص بأهل البصرة ومنهم ابن سيرين روي عنه أنه قال: كل شيء حدثت به عن أبي هريرة فهو مرفوع.
أما قول الراوي عن التابعي: يرفع الحديث أو يبلغ به ونحوهما فهو مرفوع ولكنه مرفوع مرسل لسقوط الصحابي منه.
"فائدة" قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ولم يذكروا ما حكم ذلك لو قيل عن النبي -ﷺ، قال: وقد ظفرت لذلك بمثال في مسند البزار عن النبي -ﷺ- يرويه أي عن ربه ﷿ فهو حينئذ من الأحاديث القدسية.
أقول: أما ورود تصريح النبي بالرواية عن ربه فقد وردت في كثير
_________________
(١) ١ فاعل قال الأولى أبو هريرة، وفاعل الثانية النبي -ﷺ- وحذف لوضوح العلم به. والحديث أخرجه البخاري. ٢ شرح شرح النخبة لعلي القاري ص١٧٠ ط استانبول.
[ ٢١٣ ]
من الأحاديث الصحيحة القدسية وعقد لذلك الإمام البخاري بابا في كتاب التوحيد فقال: "باب ذكر النبي ورواياته عن ربه" وذكر في هذا الباب أحاديث منها: ما رواه بسنده عن أنس عن النبي -ﷺ- يرويه عن ربه قال: "إذا تقرب العبد إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة" ومنها: ما رواه بسنده عن محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة عن النبي -ﷺ- يرويه عن ربكم قال: "لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، وهذه الأحاديث وأمثالها مما يرويها النبي عن ربه صراحة أو كناية تعرف بالأحاديث القدسية.
[ ٢١٤ ]