"الرحلة في سبيل العلم":
لعل مما يتميز به أئمة العلم في الإسلام -ولا سيما أئمة الحديث- كثرة الارتحال وملازمة الأسفار، وقد جروا في ذلك على سنن بعض الصحابة والتابعين، فقد كان الواحد منهم يبلغه الحديث بطريق الثقات فلا يكتفي بهذا، بل يرحل الأيام والليالي حتى يأخذ الحديث عمن رواه بلا واسطة، وفي صحيح البخاري تعليقا قال: "ورحل جابر بن عبد الله الأنصاري مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد١ وإليك القصة بتمامها.
روى الإمام البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما، والبيهقي في "المدخل" من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "بلغني حديث رجل سمعه من رسول الله -ﷺ- فاشتريت بعيرا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام، فأتيت عبد الله بن أنيس فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج فاعتنقني واعتنقته. فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله -ﷺ- يقول: "يحشر الله العباد أو قال الناس عراة غرلا ٢ بهما". قلنا: ما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم ربهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الديان
_________________
(١) ١ عبد الله بن أنيس -بالتصغير- بن مسعود الجهني بضم الجيم وفتح الهاء، حليف الأنصار شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وبعثه رسول الله سرية وحده، وتوفي بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية فرضي الله عنه وأرضاه. ٢ جمع أعزل وهو الذي لم تقطع قلفته، والقلفة: هي ما تقطع عند الختان.
[ ١٨١ ]
لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا لأحد من أهل النار عند مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة". قلنا: كيف؟ وإنما نأتي الله عراة غرلا بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات".
واستدل البيهقي برحلة موسى ﵇ إلى الخضر وهي في صحيح البخاري١.
وروى البيهقي في المدخل بسنده عن وهب بن عبد الله المعافري قال: قدم رجل من أصحاب النبي -ﷺ- من الأنصار على مسلمة بن مخلد٢ فألفاه نائما فقال: أيقظوه. قال: بل نتركه حتى يستيقظ قال: لست فاعلا. فأيقظوا مسلمة له. فرحب به وقال: انزل. فقال: لا حتى ترسل إلى عقبة بن عامر لحاجة لي إليه. فأرسل إلى عقبة فأتاه. فقال: هل سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من وجد مسلما على عورة فستره فكأنما أحيا موءودة من قبرها" فقال عقبة: نعم، وهذا الرجل الأنصاري المرتحل هو السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري. رواه أحمد وكذلك روي عن بعض الصحابة مثل هذا٣.
_________________
(١) ١ كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم. ٢ مسلمة -بفتح الميم وسكون السين وفتح اللام- ابن مخلد -بضم الميم وفتح الخاء وفتح اللام المشددة، آخره دال- صحابي سكن مصر ووليها مدة توفي سنة اثنتين وستين. ٣ عمدة القارئ ج١ ص٤٦٣، ٤٦٤، ط عثمانية.
[ ١٨٢ ]