وعلى هذا الدرب الواضح سار التابعون ومن جاء بعدهم من أئمة العلم والحديث روى الخطيب بسنده عن عبد الله بن عدي قال: بلغني حديث عن علي فخفت إن مات أن لا أجده عند غيره، فرحلت حتى قدمت عليه العراق، وروى بسنده عن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.
[ ١٨٢ ]
وقال أبو العالية: "كنا نسمع عن أصحاب رسول الله -ﷺ- فلا نرضى حتى رحلنا إليهم فسمنا منهم".
وسئل الإمام أحمد: "رجل يطلب العلم يلزم رجلا عنده علم كثير أو يرحل؟ قال يرحل يكتب عن علماء الأمصار".
وقال ابن معين: أربعة لا يؤنس منهم رشد وعد منهم: رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث١ ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى كتابي "أعلام المحدثين"٢.
ولم تزل الرحلة من قديم الزمان ديدن العلماء والمحدثين، حتى القرن العاشر الهجري، ثم قصرت الهمم في العصور الأخيرة، واكتفى كل بعلماء بلده، بل ببعضهم، وعسى أن تحيا هذه السنة التي كادت أن تموت في بلاد الإسلام.
"المسألة الثالثة": الجمع والانتخاب
على طالب العلم والحديث أن يعتني بالمهم، وأن يكتب كل ما يقع له من حديث أو علم، والأولى له ألا ينتخب، فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه وتخيره، فيندم، وقد قال ابن المبارك: "ما انتخبت على عالم قط إلا وندمت"، إلا أن أحتاج إلى الانتخابات فلا بأس، ومن أقوال المحدثين المأثورة قول أبي حاتم: "إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش"٣ وقد فسرها العراقي فقال: اكتب الفائدة ممن سمعتها منه ولا تؤثر حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو سفره أو غير ذلك، فإذا كان وقت الرواية
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١ ص١٤١، ١٤٢. ٢ ص١٩، ٢٠ ومن تراجم وحياة المحدثين المذكورين في هذا الكتاب أكبر شاهد على ذلك. ٣ فقمش: بفتح القاف وكسر الميم المشددة آخره شين معجمة، من القماش، وهو في الأصل ما على وجه الأرض من فتات الأشياء حتى يقال لرذالة الناس: قماش، وما أعطاني إلا قماشا أي أردأ ما وجده، وتقمش أكل ما وجد وإن كان دونا "انظر القاموس مادة القمش، ج٢ ص٢٨٥".
[ ١٨٣ ]
أو العمل ففتش حينئذ يعني: فتخير ما صح وثبت. ودع ما عداه.
أقول: وما أجدر أهل العلم ولا سيما المؤلفين والباحثين باتباع هذه الكلمة الحكيمة في تأليف رسائلهم وكتبهم، فعلى الواحد منهم أن يجمع النصوص والآراء التي تتصل ببحثه وعند الكتابة يتخير الصحيح والأليق بموضوعه، وهذه الكلمة التي قالها أبو حاتم تعتبر الأساس الصالح لتأليف الكتب العلمية والبحوث التي تنال بها درجات التخصص اليوم.
"المسألة الرابعة": الجمع بين الحفظ والفقه للأحاديث:
لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر من الحديث على سماعه وكتابته أو حفظه دون التعرف على فقهه وفهمه، فيكون قد أتعب نفسه من غير طائل، أو الحصول على أن يعد في أهل الحديث، بل عليه أن يجمع بين الرواية والدراية بحيث يعرف صحيحه من حسنه من ضعيفه، وفقهه ومعانيه، ولغته، وإعرابه، وما فيه من بلاغة وفصاحة، وأن يعرف أسماء رجاله، ومنازلهم من الجرح والتعديل، وكذا ناسخه ومنسوخه ومختلفه، ومشكله إلى غير ذلك، ولتكن عنايته بالصحيحين ثم سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي١، ثم صحيح ابن خزيمة٢ ثم صحيح ابن حبان٣، ثم السنن الكبرى للبيهقي، فإنه لم يصنف مثله في بابه، ثم ما تمس الحاجة من كتب الحديث ثم كتب المسانيد، وأهمها مسند أحمد، والجوامع، وأهمها الموطأ ثم بكتب الأحكام وما أكثرها ثم كتب العلل ككتاب الدارقطني، ثم بكتب الرجال وضبط الأسماء وما أكثرها، وليعتني طالب الحديث بكتب غريبه، وكتب شروحه وهي
_________________
(١) ١ لم يذكروا مع السنن سنن ابن ماجه لتأخر رتبها عن رتب السنن الثلاثة. ٢ قيل: هو أصح ما ألف في الصحيح بعد الصحيحين. ٣ ذكروا أنه متساهل في التصحيح.
[ ١٨٤ ]
أكثر من أن تحصى، ولا سيما شرح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني، وشرحه أيضا للعلامة العين، فإنهما أجل كتب الشروح وأوسعها وأجمعها وبشروح صحيح مسلم، وأجلها شرح النووي.
"المسألة الخامسة": إذا تأهل طالب العلم والحديث للتأليف فيه فليعتن بذلك، وليصرف جل همه للشرح وبيان المشكل ورد الشبه الواردة عليه، ولا سيما في عصرنا هذا، فقد تهجم على الأحاديث والسنن بغير علم من لا يكاد يعرف ما هو الحديث؟ وما هي السنة؟ وتحقيق الروايات ونحو ذلك، ولا نكاد نجد شيئا يثبت العلم ويدعو إلى استذكاره ومراجعة كتبه وأصوله ويقدح زند الفكر، ويشحذ الطبع ويبعث الهمم، ويبسط اللسان ويجيد البيان ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس. مثل التأليف وإنما يعرف ذلك من يعاني صنعة التأليف، ثم هو إلى ذلك ثواب لا ينقطع. وخلود دائم، وذكر جميل، وشذى يتضوع.
وصدق الرسول الكريم حيث قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصدق القائل:
يموت قوم فيحيي العلم ذكرهم والجهل يجعل أحياء كأموات١
وقال الإمام النووي في شرح "المهذب" بالتصنيف يطلع على حقائق العلوم ودقائقها، ويثبت معه لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتفقه وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض
_________________
(١) ١ في بعض النسخ: والجهل يلحق أحياء بأموات.
[ ١٨٥ ]
فيه من غيره، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد. قال الربيع١: لم أر الشافعي آكلا بنهار، ولا نائما بليل٢ لاهتمامه بالتصنيف.
وقال النووي: في "تقريبه": وينبغي أن يتحرى في تصنيفه العبارات الواضحة والموجزة والاصطلاحات المستعملة، ولا يبالغ في الإيجاز بحيث يفضي إلى استغلاق المعنى، ولا في الإيضاح بحيث ينتهي إلى الركاكة، وليكن اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر.
وقال في شرح المهذب: والمراد بذلك ألا يكون هناك تصنيف يغني عن مصنفه من جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها فليصف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضم ما فاته من الأساليب، وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه٣.
وقال الزركشي في قواعده: إن تصنيف العلم فرض كفاية على من منحه الله فهما واطلاعا، فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس.
وقالوا: ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي اتصف بها العلماء وهي:
١- اختراع معدوم.
٢- أو جمع مفترق.
٣- أو تكميل ناقص.
٤- أو تفصيل مجمل.
٥- أو تهذيب مطول.
٦- أو ترتيب مخلط.
٧- أو تعيين مبهم.
٨- أو تبيين خطأ.
كذا عددها أبو حيان، وتمكن الزيادة فيها.
وذكر ابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله" عن علي ﵁ أنه قال في خطبة خطبها: "واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون وقدر كل امرئ ما يحسن، فتكلموا في العلم تتبين أقداركم"٤.
_________________
(١) ١ الربيع الجيزي تلميذ الشافعي وأحد حملة علمه. ٢ كناية عن اشتغاله التصنيف حتى لا يأكل إلا قليلا ولا ينام إلا غرارا. ٣ التدريب ص١٨. ٤ قواعد التحديث ص٣٧، ٣٨.
[ ١٨٦ ]
أقول: وكلما كان المؤلف متمكنا من مادته وعلمه ظهرت شخصيته العلمية واضحة في مؤلفه. ولو ألف فيما مرجعه غالبًا إلى النقل والاصطلاح. ويمكنه أن يضفي على القديم شيئًا من الجدة فيبدو جديدًا. وأن يكون من المفرق وحده. ومن المتنافر شيئًا مألوفًا.. وعلى المؤلف في فن ألا يتسرع قبل أن يتاهل. وإلا جاءت آراؤه فطيرة. وعاد عليه ذلك بالعوار والنقص. وألا يخرج مؤلفه إلا بعد تحرير وتهذيب وتحقيق وتمحيص وتكرار النظر. وهذا هو السر في أن المحققين والمتثبتين في العلوم يغلب عليهم الإقلال في التأليف.
[ ١٨٧ ]