مَا روي عن عَمَّار بن ياسر من أحاديث في صِفَة التيمم فَقَدْ ذكر بَعْض العُلَمَاء
أنَّ هَذَا من المضطرب، وسأشرح ذَلِكَ بتفصيل:
فَقَدْ روى الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَني عبيد الله بن عَبْد الله، عن ابن عَبَّاس، عن عَمَّار بن ياسر؛ أن رَسُوْل الله - ﷺ - عَرَّسَ (١) بأولات الجيش ومعه عَائِشَة فانقطع عِقدٌ لَهَا من جَزْعِ ظِفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذَلِكَ، حَتَّى أضاء الفجر، وَلَيْسَ مَعَ الناس ماء فتغيظ عَلَيْهَا أبو بَكْر، وَقَالَ: حبستِ الناس، وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ، فأنزل الله تَعَالَى عَلَى رسولهِ - ﷺ - رخصة التَّطَهُّرِ بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مَعَ رَسُوْل الله - ﷺ - فضربوا بأيديهم إِلَى الأرض، ثُمَّ رفعوا أيديهم، وَلَمْ يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بِهَا وجوههم، وأيديهم إِلَى المناكب، ومن بطون أيديهم إِلَى الآباط (٢)
_________________
(١) التعريس: هُوَ النزول ليلًا من أجل الراحة. انظر اللسان ٦/١٣٦ مادة عرس.
(٢) أخرجه أَحْمَد ٤/٢٦٣، وأبو دَاوُد (٣٢٠)، وَالنَّسَائِيّ ١/١٦٧ وَفِي الكبرى، لَهُ (٣٠٠)، والطحاوي في شرح المعاني ١/١١٠و١١١، والبَيْهَقِيّ ١/٢٠٨، وابن عَبْد البر في التمهيد ١٩/٢٨٤ من طرق عن صالح. وأخرجه أَبُو يعلى (١٦٠٩) من طريق عَبْد الرحمان بن إسحاق. وأخرجه أبو يعلى أَيْضًا (١٦٣٠) من طريق مُحَمَّد بن إسحاق. جميعهم (صالح، وعَبْد الرحمان بن إسحاق، ومحمد بن إسحاق) رووه عن الزُّهْرِيّ قَالَ حَدَّثَني عبيد الله ابن عَبْد الله بن عتبة، عن ابن عَبَّاس، عن عَمَّار. = =وإسناده فِيهِ مقال؛ ذَلِكَ أن أبا حاتم وأبا زرعة الرازيين غلطاها، وذكرا أن الصَّوَاب هِيَ رِوَايَة مَالِك وسفيان بن عيينة اللذين روياه عن الزُّهْرِيّ، عن عبيد الله، عن أبيه عن عَمَّار. (نصب الراية ١/١٥٥-١٥٦)، لَكِنْ النَّسَائِيّ ساق الرِّوَايَتَيْنِ في الكبرى (٣٠٠) و(٣٠١) وَقَالَ: «كلاهما محفوظ» . وحديث عبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة عن أبيه عن عَمَّار: أخرجه الشَّافِعيّ في المُسْنَد (٨٦) بتحقيقنا وط العلمية (ص١٦٠)، والحميدي (١٤٣)، وابن ماجه (٥٦٦) والطحاوي في شرح المعاني ١/١١١، من طرق عن سُفْيَان بن عيينة. وأخرجه النَّسَائِيّ ١/١٦٨ وَفِي الكبرى، لَهُ (٣٠١)، والطحاوي في شرح المعاني ١/١١٠، وابن حبان (١٣١٠)، والبيهقي ١/٢٠٨. من طريق مَالِك. وأخرجه الشَّافِعيّ في المُسْنَد (٨٧) بتحقيقنا وط العلمية (ص ١٦٠) أَخْبَرَنَا الثِّقَة عن معمر. ثلاثتهم (سفيان، ومالك، ومعمر) رووه عن الزُّهْرِيّ، عن عبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عَمَّار، بِهِ. وَهِيَ الرِّوَايَة المحفوظة كَمَا قَالَ الرازيان. وله طريق آخر من حَدِيث عبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة، عن عَمَّار، بِهِ. أخرجه الطَيَالِسِيّ (٦٣٧)، وأبو يعلى (١٦٣٣)، والطحاوي في شرح المعاني ١/١١١،والبيهقي ١/٢٠٨، من طريق ابن أبي ذئب. وأخرجه عَبْد الرزاق (٨٢٧) -ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٥٣٥) -،وأحمد ٤/٣٢٠، وأبويعلى (١٦٣٢)، وابن عَبْد البر في التمهيد ١٩/٢٨٥، من طريق معمر. وأخرجه أحمد ٤/٣٢١، وأبو دَاوُد (٣١٨) و(٣١٩)، وابن ماجه (٥٧١)، من طريق يونس بن يزيد. وأخرجه ابن ماجه (٥٦٥)، من طريق الليث بن سعد. جميعهم (ابن أبي ذئب، ومعمر، ويونس، والليث) رووه عن الزُّهْرِيّ عن عبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة عن عَمَّار، بِهِ. وَهِيَ رِوَايَة محفوظة لَكِنْ عبيد الله لَمْ يَسْمَع من عَمَّار. تهذيب الكمال ٥/٤٢.
[ ١٠٦ ]
وَقَدْ ورد حَدِيث آخر لعمار في التيمم بلفظ: «أن النَّبيّ - ﷺ - أمره بالتيمم للوجه والكفين»، وَفِي رِوَايَة: «إنما يكفيك أن تَقُوْل بيديك هكذا: ثُمَّ ضرب الأرض ضربة وَاحِدَة، ثُمَّ مسح الشمال عَلَى اليمين، وظاهر كفيه ووجهه»، وَفِي رِوَايَة: «ضرب النَّبيّ - ﷺ - بكفيه الأرض، ونفخ فِيْهما، ثُمَّ مسح بهما وجهه وكفيه»، وَفِي رِوَايَة: «ثُمَّ ضرب بيديه الأرض ضربة وَاحِدَة»، وَفِي رِوَايَة: «وأمرني بالوجه والكفين ضربة وَاحِدَة»، وَفِي رِوَايَة: «يكفيك الوجه والكفان» (١) .
فهذا الحَدِيْث يختلف عن الحَدِيْث الأول مِمَّا دعى بَعْض العُلَمَاء إلى الحكم عليه بالاضطراب، قَالَ الإِمَام التِّرْمِذِي: «ضعف بَعْض أهل العِلْم حَدِيث عَمَّار عن النَّبيّ - ﷺ - في التيمم للوجه والكفين لما روي عَنْهُ حَدِيث المناكب والآباط» (٢) .
_________________
(١) أخرجه الطَيَالِسِيّ (٦٣٨)، وعَبْد الرزاق (٩١٥)، وابن أبي شَيْبَة (١٦٧٧) و(١٦٧٨) و(١٦٨٦)، وأحمد ٤/٢٦٣ و٣١٩ و٣٢٠، والدارمي (٧٥١)، والبُخَارِيّ ١/٩٢ (٣٣٨) و١/٩٣ (٣٣٩)، وَمُسْلِم ١/١٩٢ (٣٦٨) (١١٠)، وأبو دَاوُد (٣٢٢) و(٣٢٣) و(٣٢٤) و(٣٢٥) و(٣٢٦) و(٣٢٧)، وابن ماجه (٥٦٩)، والنَّسَائِيّ ١/١٦٥ و١٦٨ و١٦٩و ١٧٠ وَفِي الكبرى، لَهُ (٣٠٢) (٣٠٣) و(٣٠٤) و(٣٠٥)، وابن الجارود (١٢٥)، وابن خزيمة (٢٦٦) و(٢٦٧) و(٢٦٨)، وأبو عوانة ١/٣٠٥ و٣٠٦، والطحاوي في شرح المعاني ١/١١٢ و١١٣، وابن حبان (١٢٦٤) (١٣٠٠) (١٣٠٣) (١٣٠٥) (١٣٠٦) وط الرسالة (١٢٦٧) و(١٣٠٣) و(١٣٠٦) و(١٣٠٨) و(١٣٠٩)، والدَّارَقُطْنِيّ ١/١٨٣، وأبو نُعَيْم في المستخرج (٨١١)، والبَيْهَقِيّ ١/٢٠٩ و٢١٠، والبَغَوِيّ (٣٠٨) من طرق عن عَمَّار.
(٢) جامع التِّرْمِذِي عقب حَدِيث (١٤٤) .
[ ١٠٧ ]
وَقَالَ ابن عَبْد البر: «كُلّ مَا يروى في هَذَا الباب فمضطرب مختلف فِيهِ» (١) . إلا أن بَعْض العُلَمَاء حاولوا أن يوفقوا بَيْنَ الحَدِيْث الأول والثَّانِي باعتبار التقدم والتأخر، وباعتبار أن الأول من فعلهم دُوْنَ النَّبيّ - ﷺ -. قَالَ الأثرم: «إِنَّمَا حكى فِيهِ فعلهم دُوْنَ النَّبيّ - ﷺ - كَمَا حكى في الآخر أَنَّهُ أجنب؛ فعلّمه عَلَيْهِ الصَّلاَة والسلام» (٢) .
وَقَالَ ابن حبان: «كَانَ هَذَا حَيث نزل آية التيمم قَبْلَ تعليم النَّبيّ - ﷺ - عمارًا كَيْفِيَّة التيمم ثُمَّ علمه ضربة وَاحِدَة للوجه والكفين لما سأل عمارٌ النبيَّ - ﷺ - عن التيمم» (٣) .
وذهب الحنفية إلى ترجيح روايته إلى المرفقين لحديثين أحدهما حَدِيث أبي أمامة الباهلي وحَدِيث الأسلع (٤) .
وَقَالَ البَغَوِيّ: «وما روي عن عَمَّار أَنَّهُ قَالَ: تيممنا إلى المناكب، فَهُوَ حكاية فعله، لَمْ ينقله عن رَسُوْل الله - ﷺ - كَمَا حكى عن نَفْسه التمعك في حالة الجنابة، فلما سأل النَّبيّ - ﷺ - وأمره بالوجه والكفين انتهى إليه، وأعرض عن فعله» (٥) .
قُلْتُ: وما ذكر من توجيه عَلَى هَذَا النحو يشكل عَلَيْهِ أَنَّهُ ورد في الحَدِيْث
الأول: «فقام المسلمون مَعَ رَسُوْل الله فضربوا بأيديهم » .
_________________
(١) التمهيد ١٩/٢٨٧.
(٢) نصب الراية ١/١٥٦
(٣) الإحسان عقب حَدِيث (١٣٠٧) وط الرسالة (١٣١٠) .
(٤) المبسوط ١/١٠٧.
(٥) شرح السُّنَّة ٢/١١٤ عقب (٣٠٩) .
[ ١٠٨ ]