سبق الكلام أن الاضطراب نوعان: اضطراب يقع في السند، واضطراب يقع في المتن، وقد شرحت الاضطراب الذي يعتري الأسانيد. أمّا هنا فسيكون الكلام على النوع الثاني، وهو الاضطراب في المتن؛ إذ كَمَا أن الاضطراب يَكُوْن في سند الْحَدِيْث فكذلك يَكُوْن في متنه. وذلك إذا وردنا حَدِيْث اختلف الرُّوَاة في متنه اختلافًا لا يمكن الجمع بَيْنَ رواياته المختلفة، ولا يمكن ترجيح إحدى الروايات عَلَى البقية، فهذا يعد اضطرابًا قادحًا في صحة الْحَدِيْث، أما إذا أمكن الجمع فَلاَ اضطراب، وكذا إذا أمكن ترجيح إحدى الروايات عَلَى البقية، فَلاَ اضطراب إذن فالراجحة محفوظة (١) أو معروفة (٢) والمرجوحة شاذة (٣) أو منكرة (٤) .
وإذا كان المخالف ضعيفًا فلا تعل رِوَايَة الثقات برواية الضعفاء (٥) فمن شروط الاضطراب تكافؤ الروايات (٦) .
وقد لا يضر الاختلاف إذا كان من عدة رواة عن النبي - ﷺ -؛ لأن النَّبِيّ - ﷺ - قَدْ يذكر الْجَمِيْع، ويخبر كُلّ راوٍ بِمَا حفظه عن النَّبِيّ - ﷺ - (٧) . وَلَيْسَ كُلّ اختلاف يوجب الضعف (٨) إنما الاضطراب الَّذِي يوجب الضعف هُوَ عِنْدَ اتحاد المدار، وتكافؤ
_________________
(١) وهي رواية الثقة إذا خالفها الثقة الأقل حفظًا أو عددًا.
(٢) وهي رواية الثقة التي خالفها الضعيف.
(٣) وهي رواية الثقة التي خالفها من هو أوثق عددًا أو حفظًا.
(٤) وهي رواية الضعيف التي خالفت الثقات.
(٥) فتح الباري ٣/٢١٣.
(٦) فتح الباري ٥/٣١٨.
(٧) انظر: طرح التثريب ٢/٣٠.
(٨) هدي الساري: ٣٤٧.
[ ١٠٢ ]
الروايات، وعدم إمكان الجمع، فإذا حصل هذا فهو اضطراب مضعف للحديث، يومئ إلى عدم حفظ هذا الراوي أو الرواة لهذا الحديث. قال ابن دقيق العيد: «إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعضٍ توقف الاحتجاج بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها؛ بأن يكون رواتها أكثر عددًا أو أتقن حفظًا فيتعين العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعًا من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح» (١) .
وَقَالَ الحافظ ابن حجر: «الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا إلا بشرطين: أحدهما استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح.
ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد الْمُحَدِّثِيْن، ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك» (٢) .
وَقَالَ المباركفوري: «قَدْ تقرر في أصول الحديث أن مجرد الاختلاف، لا يوجب الاضطراب، بل من شرطه استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدم» (٣) .
وقد يكون هناك اختلاف، ولا يمكن الترجيح إلا أنه اختلاف لا يقدح عند العلماء لعدم التعارض التام، مثل حديث الواهبة نفسها، وهو ما رواه أبو حازم (٤)، عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إني قَدْ وهبت لك من نفسي، فقال رجلٌ: زوجنيها، قال: «قَدْ زوجناكها بما معك من القرآن» .
_________________
(١) فتح الباري ٥/٣١٨.
(٢) هدي الساري: ٣٤٨-٣٤٩.
(٣) تحفة الأحوذي ٢/٩١-٩٢.
(٤) هو:سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج التمار، المدني مولى الأسود بن سُفْيَان،ثقة، عابد، مات في خلافة المنصور. تهذيب الكمال ٣/٢٤٤ (٢٤٣٤)، والتقريب (٢٤٨٩) .
[ ١٠٣ ]
فهذا الحديث تفرد به أبو حازم (١)، واختلف الرواة عنه فِيْهِ فبعضهم قال:
«أنكحتُكها» وبعضهم قال: «زوجتكها»، وبعضهم قال: «ملكتكها»، وبعضهم قال: «مُلِّكْتَها» وبعضهم قال: «زوجناكها»، وبعضهم قال: «فزوجه»، وبعضهم قال: «أنكحتك»، وبعضهم قال: «أملكتها»، وبعضهم قال: «أملكتكها»، وبعضهم قال: «زوجتك»، وبيان ذلك في الحاشية (٢)
_________________
(١) نص على ذلك ابن حجر في نكته على ابن الصلاح ٢/٨٠٨.
(٢) أخرجه مالك «٤١١) برواية عبد الرحمان بن القاسم، (٣١٨) برواية سويد بن سعيد، (١٤٧٧) برواية أبي مصعب الزهري بلفظ: «زوجتكها»، و(١٤٩٨) برواية الليثي بلفظ: «أنكحتكها» . تفرد الليثي بمخالفة أصحاب مالك. وأخرجه الشافعي في المسند (١١١٧) بتحقيقنا، وفي طبعة العلمية: ٢٤٦، وأحمد ٥/٣٣٦، والبخاري ٣/١٣٢ (٢٣١٠) و٧/٢٢ (٥١٣٥) و٩/١٥١ (٧٤١٧)، وأبو داود (٢١١١)، والترمذي (١١١٤)، والنسائي ٦/١٢٣ وفي الكبرى، له (٥٥٢٤)،والطحاوي في شرح المعاني= =٣/١٦، وابن حبان (٤٠٩٣)، والبيهقي ٧/١٤٤ و٢٣٦ و٢٤٢، والبغوي (٢٣٠٢) جميعهم رووه عن مالك وفيه: «قَدْ زوجتكها» . أخرجه الدارمي (٢٢٠٧)، والبخاري ٦/٢٣٦ (٥٠٢٩) عن عمرو بن عون وفيه «زوجتكها»، والبخاري ٧/٢٤ (٥١٤١) عن أبي النعمان، والطبراني (٥٩٣٤) عن أبي الربيع الزهراني وفيه «ملكتكها»، ومسلم ٤/١٤٤ (١٤٢٥) (٧٧) عن خلف بن هشام وفيه «مُلِّكتها» . جميعهم: (عمرو بن عون، وأبو النعمان، وأبو الربيع الزهراني، وخلف بن هشام، رووه عن حماد بن زيد بن أبي حازم. وأخرجه البخاري ٧/٢١ (٥١٣٢)، والطبراني في الكبير (٥٩٥١) من طرق عن الفضيل بن سليمان عن أبي حازم وفيه «زوجتكها» . وأخرجه ابن أبي شيبة (١٦٣٥٨) عن حسين بن علي، والطبراني في الكبير (٥٩٨٠) من طريق ابن أبي شيبة عن حسين بن علي وفيه «ملكتكها»، ومسلم ٤/١٤٤ (١٤٢٥) (٧٧) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن حسين بن علي وفيه «زوجتكها»، عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي عن أبي حازم. وأخرجه ابن ماجه (١٨٨٩) عن عبد الرحمان بن مهدي وفيه «زوجتكها»، والدراقطني ٣/٢٤٨-٢٤٩ عن أسود بن عامر وفيه «أنكحتكها» . كلاهما، عبد الرحمان بن مهدي، وأسود بن عامر، عن سفيان الثوري عن أبي حازم. وأخرجه الحميدي (٩٢٨)، والطبراني في الكبير (٥٩١٥) من طريق الحميدي، والدارقطني ٣/٢٤٨-٢٤٩ عن علي بن شعيب، والبيهقي ٧/١٤٤ عن ابن أبي عمر، و٧/٢٣٦ عن سعدان بن نصر، وفيه: «زوجتكها»، وأحمد ٥/٣٣٠، والبخاري ٧/٢٦ (٥١٤٩) عن علي بن عبد الله،،النسائي ٦/٩١-٩٢ عن محمد بن منصور، وفيه «أنكحتكها»، والنسائي ٦/٥٤-٥٥ وفي الكبرى، له (٥٣٠٨) و(١١٤١٢) عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وابن الجارود (٧١٦) عن ابن المقرئ، والطحاوي في شرح المشكل (٢٤٧٦)، عن ابن المقرئ و(٢٤٧٧) عن محمد بن منصور، وفيه «فزوجه بما معه»، وأبو يعلى (٧٥٢٢) عن إسرائيل، والطحاوي في شرح المعاني ٣/١٧، وفي شرح المشكل (٢٤٧٥) عن أسد بن موسى، وفيه «أنكحتك)، ومسلم ٤/١٤٤ (١٤٢٥) (٧٧) عن زهير بن حرب وفيه «مُلِّكْتها»، والنسائي في الكبرى (٥٥٢٥) عند محمد بن منصور وفيه: «أنكحتها» . جميعهم (الحميدي، وعلي بن شعيب، وابن أبي عمر، وسعدان بن نصر، وأحمد، وعلي بن عبد الله، ومحمد بن منصور، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وإسرائيل، وأسد بن موسى، وزهير بن حرب)، رووه عن سفيان بن عيينه عن أبي حازم. وأخرجه البخاري ٧/٨ (٥٠٨٧) عن قتيبة و٧/٢٠١-٢٠٢ (٥٨٧١) عن عبد الله بن مسلمة، والطبراني (٥٩٠٧) عن إبراهيم بن محمد الشافعي وفيه: «ملكتكها»، ومسلم ٤/١٤٣ (١٤٢٥) (٧٦) عن قتيبة وفيه: «مُلِّكتها»، ثلاثتهم (قتيبة، وعبد الله بن مسلمة، وإبراهيم بن محمد الشافعي» . رووه عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبي حازم.= =وأخرجه البخاري ٧/١٧ (٥١٢١) عن سعيد بن أبي مريم وفيه: «أملكناكها»، والطبراني
(٣) ، من طريق سعيد بن أبي مريم وفيه: «أنكحتكها»، رواه سعيد بن أبي مريم عن محمد بن مطرف (أبي غسان) عن أبي حازم. وأخرجه البخاري ٦/٢٣٧ (٥٠٣٠) عن قتيبة بن سعيد، والنسائي ٦/١١٣، وفي الكبرى، له (٥٥٠٥) و(٥٥٠٦) و(٨٠٦١) عن قتيبة بن سعيد وفيه «ملكتكها»، ومسلم ٤/١٤٣ (١٤٢٥) (٧٦) عن قتيبة بن سعيد وفيه «مُلِّكتها»، رواه قتيبة بن سعيد عن يعقوب بن عبد الرحمان القاري عن أبي حازم. وأخرجه أحمد ٥/٣٣٤ عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق (١٢٢٧٤) عن معمر، وأبو يعلى (٧٥٢١)، والطبراني في الكبير (٥٩٢٧) عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق، وفيه «أملكتكها»، والطبراني (٥٩٦١) عن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق وفيه «ملكتكها» . * تنبيه: وقع في مسند أحمد طبعة إحياء التراث العربي ٦/٤٥٧-٤٥٨ وفيه «أملكتها»، وفي طبعة مؤسسة الرسالة ٣٧/٤٨٧، وفيه «أملكتكها» وهي كذلك في طبعة الأفكار الدولية ٤/١٦٩٤. رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبي حازم. وأخرجه الطبراني في الكبير (٥٧٥٠) عن الليث عن هشام بن سعد عن أبي حازم وفيه «زوجتكها» . وأخرجه الطبراني في الكبير (٥٩٣٨) من طريق محمد بن أبان عن مبشر بن مكسر عن أبي حازم وفيه «فقد زوجتك» . وأخرجه مسلم ٤/١٤٤ (١٤٢٥) (٧٧) عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن أبي حازم وفيه «ملكتها»
[ ١٠٤ ]
ومع هذا فلم يقدح هذا الاختلاف عند العلماء، قال الحافظ ابن حجر: «وأكثر هذه الروايات في الصحيحين، فمن البعيد جدًا أن يكون سهل بن سعد - ﵁ - شهد هذه القصة من أولها إلى آخرها مرارًا عديدة، فسمع في كل مرة لفظًا غير الذي سمعه في الأخرى (١) .
بل ربما يعلم ذلك بطريق القطع – أيضًا – فالمقطوع به أن النبي - ﷺ - لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي - ﷺ - قال لفظًا منها، وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى» (٢) .
_________________
(١) القطع بذلك ظاهر لتفرد أبي حازم عن سهل، به.
(٢) النكت على كتاب بن الصلاح ٢/٨٠٩-٨١٠.
[ ١٠٥ ]