تقدم الكلام بأن الاتصال شرط أساسيٌّ لصحة الحديث النبوي، وعلى هذا فالمنقطع ضعيف لفقده شرطًا أساسيًا من شروط الصحة، وقد أولى المحدثون عنايتهم في البحث والتنقير في الأحاديث من أجل البحث عن توافر هذا الشرط من عدمه؛ وذلك لما له من أهمية بالغة في التصحيح والتضعيف والتعليل. وتقدم الكلام أن ليس كل ما ورد فيه التصريح بالسماع فهو متصل؛ إذ قَدْ يقع الخطأ في ذلك فيصرح بالسماع في غير ما حديث، ثم يكشف الأئمة النقاد بأن هذا التصريح خطأ، أو أن ما ظاهره متصل منقطع، وهذا ليس لكل أحد إنما هو لأولئك الرجال الذين أفنوا أعمارهم شموعًا أضاءت لنا الطريق من أجل معرفة الصحيح المتصل من الضعيف المنقطع.
إذن فليس كل ما ظاهره الاتصال متصلًا، فقد يكون السند معللًا بالانقطاع.
وعليه فقد يأتي الحديث مرة بسند ظاهره الاتصال، ويُروى بسند آخر ظاهره الانقطاع، فيرجح تارة الانقطاع وأخرى الاتصال، ويجري فيه الخلاف الذي مضى في زيادة الثقة. وأمثلة ذلك كثيرة.
منها: ما رواه أحمد بن منيع (١)
_________________
(١) هو أحمد بن منيع بن عبد الرحمان، أبو جعفر البغوي، الأصم، (ثقة، حافظ)، مات سنة (٢٤٤ هـ)، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. التقريب (١١٤) .
[ ١٦٨ ]
، قال: حدثنا كثير بن هشام (١)، قال: حدثنا جعفر بن برقان (٢)، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت أنا
وحفصة (٣) صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله - ﷺ - فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، قال: «اقضيا يومًا آخر مكانه» .
أخرجه الترمذي (٤)، والبغوي (٥)، وأخرجه غيرهما من طريق جعفر (٦) .
هكذا روى هذا الحديث جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، متصلًا.
وقد توبع على روايته، تابعه سبعة من أصحاب الزهري على هذه الرواية وهم:
_________________
(١) هو كثير بن هشام الكلابي، أبو سهل الرقي، نزيل بغداد، (ثقة)، مات سنة (٢٠٧ هـ)، وقيل: (٢٠٨هـ)، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. التقريب (٥٦٣٣) .
(٢) هو جعفر بن برقان الكلابي، مولاهم، أبو عبد الله الجزري الرقي، كان يسكن الرقة، وقدم الكوفة، قال عنه الإمام أحمد: «ثقة، ضابط لحديث ميمون وحديث يزيد بن الأصم، وهو في حديث الزهري يضطرب. تهذيب الكمال ١/٤٥٥،وتذكرة الحفاظ ١/١٧١، وشذرات الذهب ١/٢٣٦.
(٣) هِيَ أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، زوجة النَّبِيّ - ﷺ -، توفيت سنة (٤١هـ)، وَقِيْلَ: (٤٥هـ) . تهذيب الكمال ٨/٥٢٦ (٤٨١٢)، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ٢/٢٥٩، والإصابة ٤/٢٧٣.
(٤) في الجامع (٧٣٥)، وفي العلل الكبير (٢٠٣) .
(٥) شرح السنة (١٨١٤) .
(٦) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٦٥٨)، وأحمد بن حنبل ٦/٢٦٣، والنسائي في الكبرى (٣٢٩١)، عن كثير بن هشام، به. وأخرجه البيهقي ٤/٢٨٠ من طريق عبيد الله بن موسى عن جعفر، به.
[ ١٦٩ ]
صالح بن أبي الأخضر (١)، وهو ضعيف يعتبر به عند المتابعة (٢) .
سفيان بن حسين (٣)، وهو ثقة في غير الزهري باتفاق العلماء (٤) .
صالح بن كيسان (٥)، وهو ثقة (٦) .
إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (٧)، وهو ثقة (٨) .
حجاج بن أرطأة (٩)، وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس (١٠) .
عبد الله بن عمر العمري (١١)، وهو ضعيف (١٢) .
يحيى بن سعيد (١٣) .
فهؤلاء منهم الثقة، ومنهم من يصلح حديثه للمتابعة، قَدْ رووا الحديث أجمعهم، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، متصلًا، إلا أنه قَدْ تبين بعد التفتيش والتمحيص والنظر أن رواية الاتصال خطأ، والصواب: أنّه منقطع بين الزهري وعائشة، وذكر عروة في الإسناد خطأ.
لذا قال الإمام النسائي عن الرواية الموصولة: «هذا خطأ» (١٤)، وقد فسّر المزي مقصد النسائي فقال: «يعني أن الصواب حديث الزهري، عن عائشة وحفصة
مرسل» (١٥) .
_________________
(١) عند إسحاق بن راهويه (٦٦٠)، والنسائي في الكبرى (٣٢٩٣)، والبيهقي ٢/٢٨٠، وابن عبد البر في التمهيد ٢/٦٨-٦٩، والاستذكار ٣/٢٣٧.
(٢) التقريب (٢٨٤٤) .
(٣) عند أحمد ٦/١٤١ و٢٣٧، والنسائي في الكبرى (٣٢٩٢) .
(٤) التقريب (٢٤٣٧) .
(٥) عند النسائي في الكبرى (٣٢٩٥) .
(٦) التقريب (٢٨٨٤) .
(٧) عند النسائي في الكبرى (٣٢٩٤) . وانظر: تحفة الأشراف ١١/٣٤٣ (١٦٤١٣)، وتهذيب الكمال ١/٢١٥ (٤٠٨) .
(٨) تهذيب الكمال ١/٢١٥ (٤٠٨) .
(٩) عند ابن عبد البر في التمهيد ١٢/٦٨.
(١٠) التقريب (١١١٩) .
(١١) عند الطحاوي في شرح المعاني ٢/١٠٨.
(١٢) التقريب (٣٤٨٩) .
(١٣) عند النسائي في الكبرى (٣٢٩٥)، وابن عبد البر في التمهيد ١٢/٦٨.
(١٤) تحفة الأشراف ١١/٣٤٣ (١٦٤١٣) .
(١٥) تحفة الأشراف ١١/٣٤٣ (١٦٤١٣) .
[ ١٧٠ ]
وقد نص كذلك الترمذي على أن رواية الاتصال خطأ، والصواب أنه منقطع وذكر الدليل القاطع على ذلك، فقال: «روي عن ابن جريج، قال: سألت الزهري، قلت له: أَحدَّثَكَ عروة، عن عائشة؟، قال: لم أسمع عن عروة في هذا شيئًا، ولكني سَمِعتُ في خلافة سليمان بن عبد الملك (١) من ناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث» (٢) .
ومن قبل سأل الترمذي شيخه البخاري فَقَالَ: «سألت محمد بن إسماعيل
البخاري عن هذا الحديث، فقال: لا يصح حديث الزهري، عن عروة، عن
عائشة» (٣) .
وحكم أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان بترجيح الرواية المنقطعة على الموصولة (٤) .
قلت: قَدْ رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزهري منقطعًا، وهم ثمانية أنفس:
مالك بن أنس (٥)، وهو ثقة إمام أشهر من أن يعرف.
_________________
(١) هُوَ الخليفة الأموي أبو أيوب سليمان بن عَبْد الملك بن مروان القرشي الأموي، توفي سنة (٩٩ هـ) . الجرح ولتعديل ٤/١٣٠-١٣١، ووفيات الأعيان ٢/٤٢٠، والعبر ١/١١٨.
(٢) الجامع الكبير (٧٣٥ م) وأخرجه البَيْهَقِيّ ٤/٢٨٠.
(٣) العلل الكبير للترمذي (٢٠٣) .
(٤) العلل لعبد الرحمان بن أبي حاتم ١/٢٦٥ (٧٨٢) .
(٥) هكذا رواه عامة الرواة عن مالك، محمد بن الحسن الشيباني (٣٦٣)، وسويد بن سعيد (٤٧١)، وأبو مصعب الزهري (٨٢٧)، ويحيى بن يحيى الليثي (٨٤٨)، وعبد الله بن وهب عند الطحاوي في شرح المعاني ٢/١٠٨، والبيهقي ٤/٢٧٩،وعبد الرحمان بن القاسم عند النسائي في الكبرى (٣٢٩٨)،= =وخالف سائر الرواة عن مالك: عبد العزيز بن يحيى عند ابن عبد البر في التمهيد ١٢/٦٦-٦٧ فرواه عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وهو خطأ، قال ابن عبد البر: «لا يصح ذلك عن مالك» . التمهيد ١٢/٦٦.
[ ١٧١ ]
معمر بن راشد (١)، وهو ثقة ثبت فاضل (٢) .
عبيد الله بن عمر العمري (٣)، وهو ثقة ثبت (٤) .
يونس بن يزيد الأيلي (٥)، وهو ثقة أحد الأثبات (٦) .
سفيان بن عيينة (٧)، وهو ثقة حافظ فقيه إمام حجة (٨) .
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (٩)، وهو ثقة (١٠) .
محمد بن الوليد الزبيدي (١١)، وهو ثقة ثبت (١٢) .
بكر بن وائل (١٣)، وهو صدوق (١٤) .
فهؤلاء جميعهم رووه عن الزهري، عن عائشة منقطعًا، وروايتهم هذه هي المحفوظة، وهي تخالف رواية من رواه متصلًا. وهذا يدلل أن المحدّثين ليس لهم في مثل هذا حكم مطرد، بل مرجع ذلك إلى القرائن والترجيحات المحيطة بالرواية.
_________________
(١) عند: عبد الرزاق (٧٧٩٠)، وإسحاق بن راهويه (٦٥٩)، والنسائي في الكبرى (٣٢٩٦) .
(٢) التقريب (٦٨٠٩) .
(٣) عند النسائي في الكبرى (٣٢٩٧) .
(٤) التقريب (٤٣٢٤) .
(٥) عند البيهقي ٤/٢٧٩.
(٦) الكاشف ٢/٤٠٤.
(٧) عند: إسحاق بن راهويه (٦٥٩)، والبيهقي ٤/٢٨٠.
(٨) التقريب (٢٤٥١) .
(٩) عند: الشافعي في مسنده (٦٣٦) بتحقيقنا، وعبد الرزاق (٧٧٩١)، وإسحاق بن راهويه (٨٨٥)، والطحاوي في شرح المعاني ٢/١٠٩، والبيهقي ٤/٢٨٠، وابن عبد البر في التمهيد ١٢/٦٩.
(١٠) التقريب (٤١٩٣) .
(١١) ذكر هذا الطريق البيهقي في السنن الكبرى ٤/٢٧٩.
(١٢) التقريب (٦٣٧٢) .
(١٣) ذكر هذا الطريق البيهقي في السنن الكبرى ٤/٢٧٩.
(١٤) التقريب (٧٥٢) .
[ ١٧٢ ]
وللحديث طريق أخرى (١)، فقد أخرجه النسائي (٢)، والطحاوي (٣)، وابن حبان (٤)، وابن حزم في المحلى (٥)، من طريق جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة (٦)، عن عائشة.
هكذا الرواية وظاهرها الصحة، إلا أن جهابذة المحدّثين قَدْ عدوها غلطًا من
جرير بن حازم، خطّأه في هذا أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، والبيهقي (٧)، قال البيهقي: «والمحفوظ عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عائشة، مرسلًا» (٨) .
ثم أسند البيهقي إلى أحمد بن منصور الرمادي (٩) قال: قلت لعلي بن المديني: يا أبا الحسن تحفظ عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين. فقال لي: من روى هذا؟ قلت: ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد. قال: فضحك، فقال: مثلك يقول هذا!، حدثنا: حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري: أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين.
وقد أشار النسائي كذلك إلى خطأ جرير (١٠) .
فهؤلاء أربعة من أئمة الحديث أشاروا إلى خطأ جرير بن حازم في هذا الحديث، وعدم إقامته لإسناده.
_________________
(١) الطريق يذكر ويؤنث، انظر القصيدة الموشحة لالاسماء المؤنثة السماعية ١١٦.
(٢) في السنن الكبرى (٣٢٩٩) .
(٣) شرح معاني الآثار ٢/١٠٩.
(٤) صحيح ابن حبان (٣٥١٦)، وفي طبعة الرسالة (٣٥١٧) .
(٥) المحلى ٦/٢٧٠.
(٦) هي: عمرة بنت عبد الرحمان بن سعد بن زرارة الأنصارية، مدنية أكثرت عن عائشة، (ثقة) . التقريب (٨٦٤٣) .
(٧) السنن الكبرى ٤/٢٨١.
(٨) المصدر السابق.
(٩) هُوَ أحمد بن مَنْصُوْر بن سيار البغدادي الرمادي أبو بكر: ثقة، توفي سنة (٢٦٥ هـ) . تهذيب الكمال ١/٨٣ (١١٠)، والعبر ٢/٣٦، والتقريب (١١٣) .
(١٠) انظر: تحفة الأشراف ١١/٨٧٣ (١٧٩٤٥) .
[ ١٧٣ ]
ولم يرتض ابن حزم هذه التخطئة، وأجاب عن ذلك فقال: «لم يتحقق علينا قول من قال أن جرير بن حازم أخطأ في هذا الخبر إلا أن هذا ليس بشيء؛ لأن جريرًا ثقة، ودعوى الخطأ باطل إلا أن يقيم المدعي له برهانًا على صحة دعواه، وليس انفراد جرير بإسناده علة؛ لأنه ثقة» (١) .
ويجاب عن كلام ابن حزم: بأن ليس كل ما رواه الثقة صحيحًا، بل يكون فيه الصحيح وغير ذلك؛ لذا فإن الشذوذ والعلة إنما يكونان في حديث الثقة؛ فالعلة إذن هي معرفة الخطأ في أحاديث الثقات، ثم إن اطباق أربعة من أئمة الحديث على خطأ جرير، لم يكن أمرًا اعتباطيًا، وإنما قالوا هذا بعد النظر الثاقب والتفتيش والموازنة والمقارنة. أما إقامة الدليل على كل حكم في إعلال الأحاديث، فهذا ربما لا يستطيع الجهبذ الناقد أن يعبر عنه إنما هو شيء ينقدح في نفسه تعجز عبارته عنه (٢) .
ثم إن التفرد ليس علة كما سبق أن فصلنا القول فيه في مبحث التفرد، وإنما هو مُلقٍ لِلضوءِ على العِلّة ومواقع الخلل وكوامن الخطأ، ثم إنا وجدنا الدليل على خطأ جرير ابن حازم، إذ قَدْ خالفه الإمام الثقة الثبت حماد بن زيد (٣)، فرواه عن يحيى بن سعيد ولم يذكر عمرة (٤) .
وللحديث طريق أخرى فقد أخرجه الطبراني (٥) من طريق: يعقوب بن مُحَمَّد الزهري، قال: حدثنا هشام بن عبد الله بن عكرمة بن عبد الرحمان، عن الحارث بن هشام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
_________________
(١) المحلى ٦/٢٧٠.
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث: ١١٢-١١٣.
(٣) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، (ثقة، ثبت، فقيه)، أخرج لَهُ أصحاب الكتب الستة. التقريب (١٤٩٩) .
(٤) عند الطحاوي في شرح المعاني ٢/١٠٩، والبيهقي ٤/٢٨١.
(٥) المعجم الأوسط (٧٣٨٨) طبعة الطحان و(٧٣٩٢) الطبعة العلمية.
[ ١٧٤ ]
قال الطبراني عقب روايته له: «لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا هشام ابن عكرمة. تفرد به يعقوب بن مُحَمَّد الزهري» .
قلت: هذه الرواية ضعيفة لا تصلح للمتابعة، إذ فيها علتان:
الأولى: يعقوب بن مُحَمَّد الزهري، فيه كلام ليس باليسير، فقد قال فيه الإمام أحمد: «ليس بشيء»، وَقَالَ مرة: «لا يساوي حديثه شيئًا»، وَقَالَ الساجي:
«منكر الحديث» (١) .
والثانية: هشام بن عبد الله بن عكرمة، قال ابن حبان: «ينفرد عن هشام بن عروة بما لا أصل له من حديثه –كأنه هشام آخر–،لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد» (٢) .
وللحديث طريق أخرى، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (٣) من طريق خصيف بن
عبد الرحمان، عن سعيد بن جبير: أن عائشة وحفصة الحديث. وهو طريق ضعيف لضعف خصيف بن عبد الرحمان، فقد ضعّفه الإمام أحمد، وأبو حاتم، ويحيى القطان، على أن بعضهم قَدْ قواه (٤) .
وللحديث طريق أخرى فقد أخرجه البزار (٥)، والطبراني (٦) من طريق حماد بن الوليد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر الحديث. وهو طريق
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٤/٤٥٤.
(٢) المجروحين ٢/٤٢٩ (١١٥٦) . وانظر: ميزان الاعتدال ٤/٣٠٠.
(٣) المصنف (٩٠٩٢) .
(٤) ميزان الاعتدال ١/٦٥٣-٦٥٤. اضطرب فيه فقد أخرجه النسائي في الكبرى (٣٣٠١) عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عائشة وحفصة ؛ لذا قال النسائي: «هذا الحديث منكر، وخصيف ضعيف في الحديث، وخطّاب لا علم لي، به» . ملاحظة: قول النسائي في هذا جاء مبتورًا في المطبوع من الكبرى، وهو بتمامه في تحفة الأشراف ٤/٥٦٥ (٦٠٧١) .
(٥) كما في مجمع الزوائد ٣/٢٠٢.
(٦) المعجم الأوسط (٥٣٩١) طبعة الطحان، (٥٣٩٥) الطبعة العلمية، وسقط من طبعة الطحان ذَكَرَ حماد بن الوليد واستدركته من الطبعة العلمية ومجمع البحرين.
[ ١٧٥ ]
ضعيف، قال الهيثمي: «فيه حماد بن الوليد ضعفه الأئمة» (١) .
وللحديث طريق أخرى فقد أخرجه العقيلي (٢)، والطبراني (٣) من طريق مُحَمَّد بن أبي سلمة المكي، عن مُحَمَّد بن عمرو (٤)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: أهديت لعائشة وحفصة الحديث. وهو طريق ضعيف، قال الهيثمي: «فيه مُحَمَّد بن أبي سلمة المكي، وقد ضُعِّفَ بهذا الحديث» (٥) .
خلاصة القول: إن الحديث لم يصح متصلًا ولم تتوفر فيه شروط الصحة؛ فهو حديث ضعيف لانقطاعه؛ ولضعف طرقه الأخرى (٦) .
أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء (حكم من أفطر في صيام التطوع)
_________________
(١) مجمع الزوائد ٣/٢٠٢.
(٢) الضعفاء، للعقيلي ٤/٧٩.
(٣) في الأوسط (٨٠٠٨) طبعة الطحان و(٨٠١٢) الطبعة العلمية.
(٤) هُوَ مُحَمَّد بن عَمْرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني: صدوق لَهُ أوهام، توفي سنة (١٤٤ هـ)، وَقِيْلَ: (١٤٥ هـ) . تهذيب الكمال ٦/٤٥٩ و٤٦٠ (٦١٠٤)، وميزان الاعتدال ٣/٦٧٣ (٨٠١٥)، والتقريب (٦١٨٨) .
(٥) مجمع الزوائد ٣/٢٠٢.
(٦) هنا مسألة أود التنبيه عليها، وهو أنه قَدْ يتبادر إلى أذهان بعض الناس أنّ هذا الحديث ربما يتقوى بكثرة الطرق، والجواب عن هذا: بأن ليس كل ضعيف يتقوى بمجيئه من طريق آخر، فالعلل الظاهرة؛ وَهِيَ الَّتِي سببها انقطاع في السند، أو ضعف في الرَّاوِي، أو تدليس، أو اختلاط تتفاوت ما بَيْنَ الضعف الشديد والضعف اليسير، فما كَانَ يسيرًا زال بمجيئه من طريق آخر مثله أو أحسن مِنْهُ، وما كَانَ ضعفه شديدًا فَلاَ تنفعه كثرة الطرق. وبيان ذَلِكَ: أن ما كَانَ ضعفه بسبب سوء الحفظ أو اختلاطٍ أو تدليسٍ أو انقطاع يسير فالضعف هنا يزول بالمتابعات والطرق، وما كَانَ انقطاعه شديدًا أو كَانَ هناك قدحٌ في عدالة الراوي فلا يزول. وانظر في ذلك بحثًا موسعًا في: " أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء ": ٣٤-٤٣.
[ ١٧٦ ]
وما دمنا قَدْ تكلمنا بإسهاب عن حديث الزهري متصلًا ومنقطعًا، وذكرنا طرقه وشواهده، وبيّنا ما يكمن فيها من ضعف وخلل، فسأتكلم عن أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء، فأقول: من شَرَعَ في صوم تطوع، أو صلاة تطوع ولم يتم نفله، هل يجب عليه القضاء أم لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب بعض العلماء إلى أن النفل يجب على المكلف بالشروع فيه، فإذا أبطل وجب عليه قضاؤه صومًا كان أم صلاةً أم غيرهما.
وهو مروي عن: ابن عباس (١)، وإبراهيم النخعي (٢)، والحسن البصري (٣)، وأنس (٤) بن سيرين (٥)، وعطاء (٦)، ومجاهد (٧)، والثوري (٨)، وأبي ثور (٩) .
وهو مذهب الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والظاهرية (١٢) .
والحجة لهذا المذهب:
_________________
(١) المصنف، لابن أبي شيبة (٩٠٩٤)، والسنن الكبرى، للبيهقي ٤/٢٨١.
(٢) المصنف لعبد الرزاق (٧٧٨٨) .
(٣) المصنف لعبد الرزاق (٧٧٨٩)، والمصنف، لابن أبي شيبة (٩٠٩٦) .
(٤) هُوَ أنس بن سيرين الأنصاري، أبو موسى، وَقِيْلَ: أبو حمزة، وَقِيْلَ أبو عَبْد الله البصري: ثقة، توفي سنة (١١٨ هـ) . الثقات ٨/٤٨، وتهذيب الكمال ١/٢٨٧ (٥٥٧)، والتقريب (٥٦٣) .
(٥) المصنف، لابن أبي شيبة (٩٠٩٣) .
(٦) المصنف، لابن أبي شيبة (٩٠٩٧) .
(٧) المصنف، لابن أبي شيبة (٩٠٩٧) .
(٨) الاستذكار ٣/٢٣٨، إلا أنه قال بالاستحباب لا الوجوب.
(٩) الاستذكار ٣/٢٣٨، والتمهيد ١٢/٧٢.
(١٠) بدائع الصنائع ٢/١٠٢، وحاشية رد المحتار ٢/٤٣٠، وتبيين الحقائق ١/٣٣٧، والاختيار ١/١٣٥.
(١١) الموطأ (٨٤٩) و(٨٥٠) رواية الليثي، وبداية المجتهد ١/٢٢٧، والقوانين الفقهية: ١٢٠، وأسهل المدارك ١/٤٣١، وشرح منح الجليل ١/٤٠٠.
(١٢) المحلى ٦/٢٦٨.
[ ١٧٧ ]
قوله تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١): قال الجصاص الحنفي: «يحتج به في أن كل من دخل في قربة لا يجوز له الخروج منها قبل إتمامها؛ لما فيه من إبطال عمله نحو الصلاة والصوم والحج وغيره» (٢) .
وللشافعي جواب عن هذا فقال: «المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض، فنهي الرجل عن إحباط ثوابه. فأما ما كان نفلًا فلا؛ لأنه ليس واجبًا عليه، فإن زعموا أن اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه، ووجه تخصيصه أن النفل تطوع، والتطوع يقتضي تخييرًا» (٣) .
جعلوا عمدة قولهم حديث الزهري السابق، وكأنهم رجحوا الاتصال على الانقطاع، أو أخذوا بالحديث لما له من طرق، وجعل ابن حزم الظاهري عمدة قوله حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة. ودافع عن زيادة جرير (٤) . وقد تقدم الكلام بأن جريرًا مخطئٌ في حديثه، وقد ذكرنا كلام ابن حزم وأجبنا عنه.
القول الثاني:
ذهب فريق من الفقهاء إلى استحباب الإتمام ولا قضاء عليه، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وهو مروي عن: علي (٥)، وعبد الله بن مسعود (٦)، وعبد الله بن عمر (٧)،
_________________
(١) محمد: ٣٣.
(٢) أحكام القرآن ٣/٣٩٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٧/٦٠٧٥.
(٤) المحلى ٦/٢٧٠-٢٧١.
(٥) مصنف عبد الرزاق (٧٧٧٢)، وانظر: الحاوي الكبير ٣/٣٣٦.
(٦) مصنف عبد الرزاق (٧٧٨٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٩٠٨٤)، والسنن الكبرى، للبيهقي ٤/٢٧٧، وانظر: الحاوي ٣/٣٣٦.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة (٩٠٨٨)، والسنن الكبرى، للبيهقي ٤/٢٧٧، والمحلى ٦/٢٧٠، وانظر: الحاوي الكبير ٣/٣٣٦.
[ ١٧٨ ]
وابن عباس (١)، وجابر بن عبد الله (٢) .
وإبراهيم النخعي (٣)، ومجاهد (٤)، والثوري (٥)، وإسحاق (٦) .
وهو مذهب الشافعية (٧)، والحنابلة (٨) .
والحجة لهم: وهو أن حديث الزهري لم يصح، فهو ضعيف منقطع، ولم يروا الآية دليلًا لذلك، فقد احتجوا بجملة من الأحاديث، منها:
حديث عائشة بنت طلحة (٩)
_________________
(١) عند عبد الرزاق في المصنف (٧٧٦٧) و(٧٧٦٨) و(٧٧٦٩) و(٧٧٧٠) و(٧٧٧٨)، ومصنف ابن أبي شيبة (٩٠٨٠)، والسنن الكبرى، للبيهقي ٤/٢٧٧. وهي إحدى الروايتين عنه، وانظر: الحاوي الكبير ٣/٣٣٦، والاستذكار ٣/٢٣٩ و٢٤٠.
(٢) مصنف عبد الرزاق (٧٧٧١)، والسنن الكبرى، للبيهقي ٤/٢٧٧، والمحلى ٦/٢٧٠، وانظر: الاستذكار ٣/٢٤٠.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٩٠٨٥) .
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٩٠٨٦) .
(٥) انظر: الحاوي الكبير ٣/٣٣٦، والمجموع ٦/٣٩٤.
(٦) المصدر نفسه.
(٧) انظر: الأم ٢/١٠٣، ومختصر المزني: ٥٩، والتهذيب ٣/١٨٧، والمجموع ٦/٣٩٤، وروضة الطالبين ٢/٣٨٦، ونهاية المحتاج ٣/٢١٠.
(٨) انظر: المغني ٣/٨٩، والهادي: ٥٥، والمحرر ١/٢٣١، وشرح الزركشي ٢/٤٥. ونقل حنبل عن الإمام أحمد: «إذا أجمع على الصيام، وأوجب على نفسه فأفطر من غير عذر أعاد يومًا، ولكن حمله على الاستحباب أو النذر» . انظر: المصادر السابقة.
(٩) هِيَ أم عمران عَائِشَة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية المدنية: ثقة، قَالَ أبو زرعة: امرأة جليلة، حدث الناس عَنْهَا لفضائلها وأدبها. الثقات ٥/٢٨٩، وتهذيب الكمال ٨/٥٥٥ (٨٤٨٣)، والتقريب (٨٦٣٦) .
[ ١٧٩ ]
، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخل عَلَيَّ النبيُّ - ﷺ - ذات يوم، فقال: هل عندكم شيءٌ؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم. ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس (١)، فقال: أَرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، فأكل» . رواه مسلم (٢) .
عن أبي جحيفة (٣) قال: «آخى النبي - ﷺ - بين سلمان (٤) وأبي الدرداء، فزار سلمان
أبا الدرداء، فرآى أم الدرداء (٥)
_________________
(١) الحيس: هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت. وقيل: التمر البرني والأقط يدقان ويعجنان بالسمن عجنًا شديدًا حتى يندر النوى منه نواة نواة، ثم يسوى كالثريد. انظر: النهاية ١/٤٦٧، ولسان العرب ٦/٦١، وتاج العروس ١٥/٥٦٨ مادة (حيس) .
(٢) صحيح مسلم ٣/١٥٩ (٤٤٥٤) (١٦٩) (١٧٠)، وأخرجه مطولًا ومختصرًا غيره. انظر: تخريج رواياتهم في تحقيقي للشمائل (١٨٢) .
(٣) الصَّحَابِيّ وهب بن عَبْد الله بن مُسْلِم أبو جحيفة السوائي، توفي سنة (٦٤ هـ) . أسد الغابة ٥/١٥٧، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ٢/١٥٤، والإصابة ٣/٦٤٢.
(٤) الصَّحَابِيّ الجليل مولى رَسُوْل الله - ﷺ - أبو عَبْد الله سلمان الخير الفارسي، توفي سنة (٣٥ هـ) . معجم الصَّحَابَة ٥/٢٠٩٨، وتجريد أسماء الصَّحَابَة ١/٢٣٠ (٢٤٠٠)، والإصابة ٢/٦٢.
(٥) هِيَ هجيمة أو جهيمة، أم الدرداء الأوصابية الدمشقية، وَهِيَ الصغرى: ثقة فقيهة، توفيت سنة (٨١ هـ) . تهذيب الكمال ٨/٥٩٣ و٥٩٤ (٨٥٦٩)، وسير أعلام النبلاء ٤/٢٧٧، والتقريب (٨٧٢٨) .
[ ١٨٠ ]
متبذلة (١)، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء لَيْسَ لَهُ حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع لَهُ طعامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فإني صائم، قَالَ: ما أنا بآكل حَتَّى تأكل، قَالَ: فأكل، فَلَمَّا كَانَ الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فَقَالَ: نَمْ، فنام، ثُمَّ ذهب يقوم، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ من آخر الليل، قَالَ سلمان: قم الآن، فصليا، فَقَالَ لَهُ سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فاعطِ كُلّ ذي حق حقه، فأتى النَّبِيّ - ﷺ - فذكر لَهُ، فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: «صدق سلمان» . أخرجه البُخَارِيّ (٢)، والترمذي (٣)، وابن خزيمة (٤)، والبيهقي (٥) .
فهذه أحاديث صحيحة أجازت لصائم النفل الإفطار، ولم تأمره بقضاء.
حديث أم هانئ عن النبي - ﷺ - قال: «الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» . أخرجه الإمام أحمد (٦)، والترمذي (٧)، والنسائي (٨)، والدارقطني (٩)،
والبيهقي (١٠) . قال الترمذي: «في إسناده مقال» (١١) .
القول الثالث:
_________________
(١) التبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيأة الحسنة الجميلة. انظر: النهاية ١/١١١، ولسان العرب ١١/٥٠ (بذل) .
(٢) صحيح البخاري ٣/٤٩ (١٩٦٨) و٨/٤٠ (٦١٣٩) .
(٣) جامع الترمذي (٢٤١٣) .
(٤) صحيح ابن خزيمة (٢١٤٤) .
(٥) في السنن الكبرى ٤/٢٧٥-٢٧٦.
(٦) في مسنده ٦/٣٤١ و٣٤٣.
(٧) جامع الترمذي (٧٣٢) .
(٨) السنن الكبرى (٣٣٠٢) و(٣٣٠٣) .
(٩) سنن الدارقطني ٢/١٧٥.
(١٠) السنن الكبرى ٤/٢٧٦.
(١١) جامع الترمذي عقيب (٧٣٢) .
[ ١٨١ ]
التفصيل وهو مذهب المالكية، قالوا: إن أفطر بعذر جاز، وإن أفطر بغير عذر لزمه القضاء (١) .
_________________
(١) انظر: المدونة ١/٢٥، والاستذكار ٣/٢٣٨، والبيان والتحصيل ٢/٣٤٢، وبداية المجتهد ١/٢٢٧، والمنتقى ٢/٦٨، وشرح منح الجليل ١/٤١٢.
[ ١٨٢ ]