إن من الشروط الأساسية لصحة الحديث الضبط، والزيادة والنقصان في سند من الأسانيد مع اتحاد المدار أمارة من أمارات عدم الضبط، وعدم الضبط مخرج للحديث من حال الصحة إلى حال الضعف.
وعليه فإذا روي حديث بأسانيد متعددة، وكان مدار الحديث على رجلٍ واحد، وزيد في أحد الأسانيد رجلٌ ونقص من بقية الأسانيد، ولم نستطع الترجيح بين الروايات؛ مما يدل على أن الخطأ من الذي دار عليه الإسناد، فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا، فتبين لنا أن هذا الراوي لم يضبط هذا الحديث، فيحكم على الحديث بالاضطراب، ويتوقف الاحتجاج به حتى نجد له ما يعضده من متابعات، أو شواهد ترفعه من حال الضعف إلى حال القبول.
وأحيانًا توجد زيادة رجلٍ في أحد الأسانيد، إلا أنّ الزيادة لا تقدح عند الأئمة إذا كان المزيد ثقة؛ لأن الإسناد كيفما دار دار على ثقة. وقد تختلف أنظار المحدّثين في نحو مثل هذا فبعضهم يعد الزيادة قادحة وبعضهم لا يعدها قادحة.
ومما وردت فيه زيادة واختلفت أنظار المحدّثين فيها، والراجح عدم القدح:
ما رواه بكير بن عبد الله (١)، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمان بن جابر ابن عبد الله (٢)، عن أبي بردة (٣)
_________________
(١) هو بكير بن عبد الله بن الأشج، مولى بني مخزوم، أبو عبد الله،أو أبو يوسف المدني، نزيل مصر، (ثقة)، مات سنة (١٢٠ هـ) أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. التقريب (٧٦٠) .
(٢) هو عبد الرحمان بن جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو عتيق المدني: ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. التقريب (٣٨٢٥) .
(٣) هو على الراجح: هانئ أبو بردة بن نيار بن عمرو بن عبيد بن عمرو الأوسي، وقيل: غير ذلك. انظر: تحفة الأشراف ٨/٣٠٤، وتهذيب الكمال ٨/٢٤٢، وإتحاف المهرة١٤/٢٣، والإحكام، لابن دقيق ٢/٢٥٢.
[ ٢٣٨ ]
- ﵁ -، قال: كان النبي - ﷺ - يقول: «لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حدٍ من حدود الله» .
فهذا الحديث مداره على بكير بن عبد الله (١)، وهو هكذا من غير زيادة في إسناده وقد صححه من هذا الوجه الإمام البخاري (٢)، والترمذي (٣) .
ورواه الليث بن سعد (٤)، وهو ثقة ثبت (٥)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن
عبد الله، به. وتابعه سعيد بن أبي أيوب (٦)، وهو ثقة ثبت (٧)، فهذه متابعة تامة لليث بن سعد.
_________________
(١) انظر: تحفة الأشراف ٨/٣٠٤-٣٠٦ (١١٧٢٠)، وإتحاف المهرة ١٤/٢٤ (١٧٣٩٢) .
(٢) فقد أخرجه في صحيحه كما سيأتي.
(٣) جامع الترمذي ٣/١٣٠-١٣١ (١٤٦٣) .
(٤) عند ابن أبي شيبة (٢٨٨٦٦)،وأحمد٣/٤٦٦و٤/٤٥،والبخاري ٨/٢١٥ (٦٨٤٨)،وأبي داود (٤٤٩١)، وابن ماجه (٢٦٠١)،والترمذي (١٤٦٣)،والنسائي في الكبرى (٧٣٣١)،وابن الجارود (٨٥٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٤٤٣)،والطبراني في الكبير٢٢/ (٥١٥)،والبيهقي٨/٣٢٧،والبغوي (٢٦٠٩) . تنبيه: لليث بن سعد رواية أخرى في هذا الحديث فقد رواه عن بكير مباشرة فقد أخرجه الإمام أحمد ٣/٤٦٦، حدثنا: سلمة الخزاعي، قال: حدثنا: ليث، عن بكير بن عبد الله الحديث، ثم قال سلمة الخزاعي: «وكان ليث حدثناه ببغداد عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير، عن سليمان، فلما كان بمصر قال: أخبرناه بكير بن عبد الله بن الأشج» .
(٥) التقريب (٥٦٨٤) .
(٦) عند أحمد ٤/٤٥، وعبد بن حميد (٣٦٦) والدارمي (٢٣١٩)، والنسائي في الكبرى (٧٣٣٠)، وابن حبان (٤٤٥٨) وط الرسالة (٤٤٥٢)، والحاكم ٤/٣٨١-٣٨٢. تنبيه: وقع عند الحاكم: «إسماعيل بن أبي أيوب» وهو تحريف والتصويب من إتحاف المهرة ١٤/٢٥ حديث (١٧٣٩٢) .
(٧) التقريب (٢٢٧٤)
[ ٢٣٩ ]
وتابعه عبد الله بن لهيعة (١) متابعة نازلة فرواه عن بكير بن عبد الله، به لكن قَدْ خولف الإمام الليث بن سعد.
خالفه زيد بن أبي أنيسة (٢) - وهو ثقة (٣) - عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمان بن جابر، عن أبيه، عن أبي بردة بن ينار الْحَدِيْث، فقد زاد زيد بن أبي أنيسة زيادة فأدخل جابر بن عبد الله بين
عبد الرحمان وأبي بردة.
وقد توبع زيد بن أبي أنيسة على هذا متابعة نازلةً، تابعه اثنان:
الأول: عمرو بن الحارث (٤)، وهو ثقة فقيه حافظ (٥) .
الثاني: أسامة بن زيد (٦)، وهو صدوق يهم (٧) .
فروياه عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمان بن جابر، عن أبيه، عن أبي بردة. هكذا روياه بزيادة: «أبيه» بين عبد الرحمان وأبي بردة فتابعا زيد بن أبي أنيسة.
هكذا حصلت الزيادة في أحد أسانيد الحديث، ومداره على راوٍ واحد. وقد اختلفت وجهات نظر المحدّثين:
فقد صحّح الرواية بدون الزيادة الترمذي - كما سبق -، والدارقطني في العلل (٨)، والبخاري:
_________________
(١) عند أحمد ٣/٤٦٦، والطبراني في الكبير ٢٢/ (٥١٧) .
(٢) عِنْدَ النسائي في الكبرى (٧٣٣٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٤٤٤) .
(٣) التقريب (٢١١٨) .
(٤) عند أحمد ٤/٤٥ والبخاري ٨/٢١٦ (٦٨٥٠)، ومسلم ٥/١٢٦ (١٧٠٨) (٤٠)، وأبي داود (٤٤٩٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٤٤٦)، وابن حبان (٤٤٥٩) وط الرسالة (٤٤٥٣)، والدارقطني ٣/٢٠٧-٢٠٨، والحاكم ٤/٣٦٩-٣٧٠، والبيهقي ٨/٣٢٧.
(٥) التقريب (٥٠٠٤) .
(٦) عند الطحاوي في شرح المشكل (٢٤٤٥)، والبزار في البحر الزخار (٣٧٩٦) .
(٧) التقريب (٣١٧) .
(٨) علل الدارقطني ٦/٢٢ س (٩٥٢) .
[ ٢٤٠ ]
وصحح الرواية مع الزيادة البخاري - أيضًا - ومسلم وأبو حاتم (١)، والدارقطني في التتبع (٢) . وقد حكم باضطراب الحديث الأصيلي (٣) قال الحافظ: «ادعى الأصيلي أن الحديث مضطرب، فلا يحتج به لاضطرابه» (٤) .
وَقَالَ الشوكاني: «تكلم في إسناده ابن المنذر والأصيلي من جهة الاختلاف فيه» (٥) .
ولم أجد النقل صريحًا عن ابن المنذر إلا أنه قال في الإشراف: «لم نجد في عدد الضرب في التعزير خبرًا عن رسولِ الله ثابتًا» (٦) .
أقول: ما ذكر من إعلال الحديث بالاضطراب هو أمرٌ غير صحيح؛ إذ إنَّهُ اختلاف غَيْر قادح فَهُوَ كيفما دار فَهُوَ عن ثقة، وَقَدْ دافع الحَافِظ ابن حجر عن هَذَا الْحَدِيْث دفاعًا مجيدًا، فَقَالَ: «لَمْ يقدح هَذَا الاختلاف عن الشيخين في صحة الْحَدِيْث؛ فإنه كيفما دار يدور على ثقة، ويحتمل أن يكون عبد الرحمان وقع له فيه ما وقع لبكير بن الأشج (٧) في تحديث عبد الرحمان بن جابر لسليمان بحضرة بكير؛ ثم تحديث سليمان بكيرًا به عن عبد الرحمان، أو أن عبد الرحمان سمع أبا بردة لما حدّث به أباه، وثبته فيه أبوه، فحدّث به تارة بواسطة أبيه وتارة بغير واسطة وقد اتفق الشيخان على تصحيحه، وهما العمدة في التصحيح» (٨) .
_________________
(١) علل ابنه ١/٤٥١ (١٣٥٦) .
(٢) التتبع ٢٢٦ (٩٢) .
(٣) هو الإمام، شيخ المالكية، عالم الأندلس، أبو محمد، عبد الله بن إبراهيم الأصيلي. قال الدارقطني: «حدثني أبو مُحَمَّد الأصيلي ولم أر مثله» . سير أعلام النبلاء ١٦/٥٦٠.
(٤) فتح الباري ١٢/١٧٧.
(٥) نيل الأوطار ٧/١٥٠.
(٦) الإشراف ٣/٢٢.
(٧) هُوَ أبو عَبْد الله بكير بن عَبْد الله الأشج المدني، مولى بني مخزوم: ثقة، توفي سنة (١٢٠ هـ)، وَقِيْلَ: (١١٧ هـ)، وَقِيْلَ: (١٢٢ هـ) . الثقات ٦/١٠٥، وتهذيب الكمال ١/٣٧٨ و٣٧٩ (٧٥٢)، والتقريب (٧٦٠) .
(٨) فتح الباري ١٢/١٧٧.
[ ٢٤١ ]
وللحديث شواهد فقد أخرجه عبد الرزاق (١)، والبخاري (٢)، والنسائي في الكبرى (٣) من طريق مسلم بن أبي مريم (٤)، عن عبد الرحمان بن جابر، عمن سمع
النبي - ﷺ - الحديث.
وقد أخرجه الحارث (٥) بن أبي أسامة (٦)، من رواية عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام (٧) رفعه. وقوّى الحافظ ابن حجر سنده إلا أنه مرسل (٨)، وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (٩)، إلا أنه لا يفرح به لتفرد عباد بن كثير الثقفي به؛ وَهُوَ متروك (١٠) .
_________________
(١) المصنف (١٣٦٧٧) .
(٢) صحيح البخاري ٨/٢١٥ (٦٨٤٩) .
(٣) كما في تحفة الأشراف ٨/٣٠٤ حديث (١١٧٢٠)، ولم نجده في المطبوع.
(٤) مُسْلِم بن أبي مريم، واسم أبي مريم: يسار، المدني، مولى الأنصار: ثقة. التاريخ الكبير ٧/٢٧٣، وتهذيب الكمال ٧/١٠٥ (٦٥٣٧)، والتقريب (٦٦٤٧) .
(٥) هُوَ أبو مُحَمَّد الحارث بن أَبِي أسامة، واسم أبي أسامة: داهر، التميمي مولاهم البغدادي صاحب "المسند"، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: صدوق، ولد سنة (١٨٦ هـ)، وتوفي سنة (٢٨٢ هـ) . المنتظم ٥/١٥٥، وسير أعلام النبلاء ١٣/٣٨٨ و٣٨٩ و٣٩٠، وتذكرة الحفاظ ٢/٦١٩-٦٢٠.
(٦) كما في بغية الباحث ٢/٥٦٧ (٥١٩)
(٧) هو عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام المخزومي، المدني: صدوق. التقريب (٣٢٣٧)
(٨) فتح الباري ١٢/١٧٧.
(٩) سنن ابن ماجه (٢٦٠٢) .
(١٠) التقريب (٣١٣٩) .
[ ٢٤٢ ]