المُرسل لغة (١) اسم مفعول، يُجمَع على: مَرَاسِيل، ومَراسِل، مأخوذ من الإرسال، وهو: الإطلاق، كقوله تَعَالَى: (إنَّا أرْسَلْنَا الشَّياطيْنَ عَلَى الْكَافِرِيْنَ). فكأنّ المُرْسِل أطلق الإسناد، ولم يقيِّدْه بجميع الرُّواة (٢).
أما في اصطلاح المُحدِّثين، فهو: "ما أضافه التابعي إلى النبي - ﷺ - مما سمعه من غيره" (٣).
واختلف المُحدِّثون في حد المُرسل (٤): فقيل: هو ما أضافه التابعي الكبير (٥) إلى النبي - ﷺ -، فيخرج بذلك ما أضافه صغار التابعين ومن بعدهم.
وقيل: هو ما أضافه التابعي إلى النبي - ﷺ - من غير تقييد بالكبير، وهو المشهور، قال ابن حجر: "وهذا الذي عليه جمهور المحدّثين، ولم أر تقييده بالكبير صريحًا عن أحد، لكن نقله ابن عبد البر عن قوم" (٦)، وقال ابن الصلاح: "وَالْمَشْهُور: التَّسْوِيَة بين التَّابعين أَجْمَعِين في ذلك ﵃" (٧).
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة (رسل).
(٢) القاضي زكريا، فتح الباقي بشرح ألفية العراقي] دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٢ هـ[، ١/ ١٩٤.
(٣) الصنعاني، توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، ١/ ٢٥٨.
(٤) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر] عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط ١، ١٤٠٤ هـ[، ٢/ ٥٤٣.
(٥) التابعي الكبير هو الذي يروي عن كبار الصحابة، وهذا يكون أغلب رواياته عن الصحابة. أمّا التابعي الصغير فهو الذي يروي عن صغار الصحابة، وهم الذين تأخرت وفاتهم، وهذا يكون أغلب رواياته عن التابعين (انظر: اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، للمناوي، تحقيق: المرتضي الزين أحمد] مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٩٩٩ م [، ١/ ٤٩٨).
(٦) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(٧) ابن الصلاح، أنواع علوم الحديث (المعروف بمقدمة ابن الصلاح)، ص ٥١.
[ ٣٧ ]
وقد أرسل الإمام الزُّهْرِيّ الحديث عن جماعة من الصحابة والتابعين -﵃-، "فحديثه عن عبادة بن الصامت ورافع بن خديج مراسيل، أخرجها النسائي، وله عن أبي هريرة في جامع التّرمذي" (١)، وقال ابن حجر: "وأرسل عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة ورافع بن خديج وغيرهم" (٢).
وقد انتقد علماء الحديث مراسيل الزُّهْرِيّ، ووصفوها بأنها لا شيء.
قال يَحْيَى بن معين: "مُرْسَل الزُّهْرِيّ ليس بشيء" (٣).
وقال يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّان: "مُرْسَل الزُّهْرِيّ شرّ من مُرْسَل غيره، لأنَّه حافظ، وكلَّما قَدِرَ أن يُسَمِّي سَمَّى، وإنَّما يترك من لا يُحبّ أن يُسَمِّيَه" (٤).
وروي عن يحيى بن سعيد أيضًا أنه كان لا يرى إرسال الزُّهْرِيّ وقتادة شيئًا، ويقول هو بمنزلة الريح، ويقول هؤلاء قوم حفّاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء عقلوه (٥).
ولكن قيل لأحمد بن صالح: "قال يحيى بن سعيد: مرسل الزُّهْرِيّ يشبه لا شيء، فغضب، وقال: ما ليحيى ومعرفة علم الزُّهْرِيّ، ليس كما قال يحيى" (٦).
وقال الذهبي: "مراسيل الزُّهْرِيّ كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، ومن عد مرسل الزُّهْرِيّ كمرسل
_________________
(١) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٥/ ٣٢٧.
(٢) ابن حجر، تهذيب التهذيب، ٩/ ٤٢٧.
(٣) تاريخ ابن معين (رواية الدوري)، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف] مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، ط ١، ١٣٩٩ هـ[، ٣/ ٢٢١.
(٤) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر، ١/ ٣٧، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي] المكتبة العلمية، المدينة المنورة، د. ط.، د. ت. [، ص ٢١١.
(٥) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر، ٩/ ٤٥١.
(٦) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٥٥/ ٣٦٩.
[ ٣٨ ]
سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ونحوهما، فإنه لم يدر ما يقول، نعم، مرسله كمرسل قتادة، ونحوه" (١).
وقد ورد ما يؤكد أن الزُّهْرِيّ كان يذكر من حدثه عندما يُسأل عن الإسناد، ومن هذا ما يرويه ابن عبد البر بإسناده المتصل عن مالك بن أنس قال: كنا نجلس إلى الزُّهْرِيّ وإلى محمد بن المنكدر فيقول الزُّهْرِيّ: قال ابن عمر كذا وكذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه فقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به؟ قال: ابنه سالم (٢).
ولذا قال ابن عبد البر: "فهكذا مراسيل الثّقات إذا سئلوا أحالوا على الثّقات" (٣).
وهو ما يرجح للباحث أن الزُّهْرِيّ في إرساله للحديث كان على جانب كبير من العلم بإسناده؛ وربما لم يذكره اختصارًا.
كما يُرجع البعض السبب في عدم قبول مراسيل الزُّهْرِيّ إلى أنه كان يروى عن سليمان بن أرقم.
قال الشافعي: "إرسال الزُّهْرِيّ عندنا ليس بشيء؛ وذلك إنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم" (٤)، وقال أيضا: "وابن شهاب عندنا إمام ولكن ابن أرقم واه، ويقولون أنا نحابي، ولو حابينا أحد لحابينا الزُّهْرِيّ، وإرسال الزُّهْرِيّ عندنا ليس بشيء؛ وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم" (٥).
_________________
(١) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٥/ ٣٣٩.
(٢) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٥٥/ ٣٦٩.
(٣) ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ١/ ٣٧.
(٤) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٥٥/ ٣٦٩.
(٥) العلائي، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي،] عالم الكتب، بيروت، ط ٢، ١٤٠٧ هـ[، ص ٤٣.
[ ٣٩ ]
وقال على بن المديني: مرسلات الزُّهْرِيّ رديئة، قيل: له وحديث النذر حديث ابن سلمة. قال: إنما سمعه الزُّهْرِيّ من سليمان بن أرقم؛ ومن ثم قلت إن مرسلات الزُّهْرِيّ رديئة (١).
وقد اعتذر الإمام الشافعي للزُّهْرِيّ في روايته عن سليمان ابن أرقم فقال: وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير وثِقة الرجال، إنما يُسمي بعض أصحاب النبي - ﷺ -، ثم خيارَ التابعين، ولا نعلم محدثًا يسمي أفضل ولا أشهر ممن يحدِّث عنه ابن شهاب. فقيل له: فأنى تُرَاه أتى في قبوله عن سليمان بن أرقم؟ فأجاب الشافعي: رآه رجلًا من أهل المروءة والعقل، فَقَبِل عنه، وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه إما لأنه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله مَعْمر عن حديثه عنه، فأسنده له، فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان مع ما وصفت به ابن شهاب: لم يُؤمَن مثل هذا على غيره (٢).
وعلى كل حال فإرسال الزُّهْرِيّ لا يخل بإمامته وعدالته ولا يقل من جلالته في هذا الفن؛ حيث إن الإرسال لم يكن من العيوب القادحة في عدالة الراوي، قال الخطيب: " والإرسال لا يتضمن التدليس؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه؛ ولهذا المعنى لم يذم العلماء من أرسل الحديث" (٣).