لم يتصل بلاغ الزُّهْرِيّ عن قصة محاولة النبي - ﷺ - أن يلقي نفسه من رُءُوسِ شواهقِ الجِبال من أي وجه صحيح، وهي زيادة منكرة من حيث المعنى؛ لأنه لا يليق بالنبي - ﷺ - المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدافع له على ذلك وهو القائل: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" (١)، والبخاري أخرج هذا الحديث في عدة مواضع بدون هذه الزيادة؛ ولعله ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي، الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة، فكأن ذكره لها أشارة إلى بطلانها.
قال الإسماعيلي (٢): مَوَّه بعض الطَّاعنين على المحدِّثين، فقال: كيف يجوز للنبي أن يرتاب في نبوته حتى يوفي بذروة جبل ليلقي منها نفسه على ما جاء في رواية معمر، ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه، فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به مع عدم المعاينة (٣).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري، الجامع المسند الصحيح: كتاب الطب، باب شُرْب السُّمّ وَالدَّوَاء به وبما يُخَاف منه والخبيث، رقم (٥٧٧٨)، ٧/ ١٣٩، وأخرجه مسلم، المسند الصحيح المختصر: كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنّ من قتل نفسه بشيء عُذِّب به في النَّار، رقم (١٠٩)، ١/ ١٠٣.
(٢) هو: أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن الْعَبَّاس أَبُو بكر الإسماعيلى (٢٧٧ هـ - ٣٧١ هـ)، إِمَام أهل جرجان والمرجوع إِلَيْهِ فى الْفِقْه والْحَدِيث وَصَاحب التصانيف الْكَثِيرَة، مِنْهَا: الْمُسْتَخْرج على الصَّحِيح والمعجم وَله مُسْند كَبِير فى نَحْو مائَة مُجَلد (انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى للسّبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، د. عبد الفتاح محمد الحلو] هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٢، ١٤١٣ هـ[، ٣/ ٧).
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٢/ ٣٦٠.
[ ٦٧ ]
أقول: قد بينت بالنقد العلمي أن قصة محاولة النبي - ﷺ - أن يلقي نفسه من رُءُوسِ شواهقِ الجِبال لم تصح من أي وجه، وبفرض صحة هذه القصة جدلًا، فليس فيها ما يعيب شخص النبي - ﷺ - أو يقدح في عصمته، يتضح ذلك مما يلي:
١ - إن إرادة النبي - ﷺ - إلقاء نفسه من رؤوس الجبال وردت في موضعين، فعن الموضع الأول قال ابن حجر: أما الإرادة المذكورة في الزيادة الأولى -الواردة في بلاغ الزُّهْرِيّ ورواية ابن سعد- ففي صريح الخبر أنها كانت حزنًا على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة، وعن الموضع الثاني قال الإسماعيلي: وأما إرادته إلقاء نفسه من رؤوس الجبال بعد ما نبئ -على ما ورد في رواية الطبري- فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة، وخوفًا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعًا، كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلًا، حتى إذا تفكر فيما فيه صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر واستقرت نفسه (١).
٢ - إن تحريم قتل النفس لم يكن نازلًا في شريعته - ﷺ -؛ فالقصّة كانت في بداية أمر الوحي، فكيف تكون تلك الحادثة -على فرض صحّتها- مدخلًا للطعن فيه - ﷺ -؟ .
٣ - إن العصمة متحققة في هذه الحال، حيث أن الله -﷾- صرف عن نبيه - ﷺ - هذا السوء.
* * * * *