كان الإمام الزُّهْرِيّ رجلًا قصيرًا، قليل اللحية، له شعيرات طوال، خفيف العارضين (٦)، أحمر الرأس واللحية وفي حمرتها انكفاء (٧) قليل كأنه يجعل فيه كَتَمًا (٨)، وكان أُعَيْمَش (٩) وعليه جُميمة (١٠).
وقد رزقه الله الفصاحة وطلاقة اللسان، فقد روى ابن سعد بسنده عن أحمد بن صالح قال: كان يقال فصحاء أهل زمانهم: الزُّهْرِيّ، وعمر بن عبد العزيز، وموسى بن طلحة بن عبيد الله (١١).
_________________
(١) الذهبي، تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، تحقيق: د. بشار عوّاد معروف] دار الغرب الإسلامي، ط ١، ٢٠٠٣ م [، ٣/ ٤٩٩.
(٢) ابن حجر، تهذيب التهذيب (عقب ترجمته لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب)، ٧/ ٣٠٧.
(٣) خليفة بن خياط، طبقاته، ص ٤٥٤.
(٤) المزي، تهذيب الكمال، ٢٦/ ٤٤٠.
(٥) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(٦) ابن عساكر، تاريخ دمشق] دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ[، ٥٥/ ٣١٢.
(٧) انكفاء، أي: انقلاب وتغير، وانكفاء اللون: تغيره (انظر: تاج العروس من جواهر القاموس لمرتضى الزبيدي، ١/ ١١٨).
(٨) الكتم: نبت يخلط بالحناء ويخضب به الشعر (انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة (كتم».
(٩) العمش: ضعف رؤية العين مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها (ابن منظر، لسان العرب، مادة (عمش».
(١٠) انظر: تهذيب الكمال للمزي، ٢٦/ ٤٤٠، وتاريخ دمشق لابن عساكر، ٥٥/ ٣١٢، وجميمة: تصغير جمة، والجمة من شعر الرأس، ما بلغ المنكبين، (انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة (جمم».
(١١) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٥٥/ ٣٥٨.
[ ٢٨ ]
ومن أبرز صفات الإمام الزُّهْرِيّ التي اشتهر بها كثرة الكرم والزهد في الدنيا وعدم حب جمع المال.
• فمن كرمه:
أنه كان من أسخى الناس، قال الليث: "وكان الزُّهْرِيّ أسخى من رأيت، يعطي كل من جاء وسأله، حتى إذا لم يبق عنده شيء اقْتَرَض، وربما جاءه السائل فلا يجد ما يعطيه فيتغير عند ذلك وجهه، ويقول للسائل أبشر فسوف يأتي الله بخير، وكان يطعم الناس، ويسقهم العسل، وكان يسمر على شرب العسل، كما يسمر أهل الشراب على شرابهم، ويقول اسقونا وحدثونا، وإذا نعس أحدهم يقول له: ما أنت من سمار قريش" (١).
وقد بلغ به السخاء وحبه للعطاء والعطف على المساكين أنه نحر دابته ليطعم الناس بعدما التمس سلفًا فلم يجد، فقد رُوي أنه نزل بماء من المياه فالتمس سلفًا فلم يجد فأمر براحلته فنُحرت، ودعا إليها أهل الماء، فمر به عمه فدعاه إلى الغداء، فقال: يا ابن أخي إِنَّ مُرُوءَة سَنَةٍ تَذْهَب بِذُلِّ الْوَجْه ساعة، فقال: يا عمّ انزل فَكُل وإلا فامض (٢).
ونزل مرَّةً بماء فشكا إليه أهل الماء: إِنّ لنا ثماني عشرة امرأةً عَمْرِيَّةً، أَي: لَهُنَّ أَعْمَار، ليس لَهُنَّ خادم، فَاسْتَسْلَف ابن شهاب ثمانية عشر ألفًا وأخدم كل واحدة منهن خادمًا بألف (٣).
ولكثرة كرمه امتدحه الشعراء، ومن ذلك قول أحدهم:
دَعْ ذَا وَأَثْنِ عَلَى الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ وَاذْكُرْ فَوَاضِلَهُ عَلَى الأَصْحَابِ
وَإِذَا يُقَالُ: مَنِ الْجَوَّادُ بِمَالِهِ؟ قِيلَ: الْجَوَّادُ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابِ
أهل المدائن يعرفون مكانه وربيع نادية عَلَى الأَعْرَابِ (٤).
_________________
(١) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر، ٥٥/ ٣٤٢.
(٢) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، ٣/ ٥١٤.
(٣) المصدر نفسه، ٣/ ٥١٥.
(٤) الذهبي، تاريخ الإسلام، ٣/ ٥١٢.
[ ٢٩ ]
ومن سخائه أنه كان يطعم طلابه، ويزجر من لا يأكل منهم، "قال الْمُوَقَّرِيّ: كنا نختلف إلى الزُّهْرِيّ سبعة أشهر فقال لنا من لم يأكل طعامنا فلا يقربنا" (١).
وقد استدان الزُّهْرِيّ وتحمل كثيرًا من الديون نظرًا لكثرة إنفاقه وعطاياه حتى عوتب في ذلك، قال مالك بن أنس: "كان ابن شهاب من أسخى الناس فلما أصاب تلك الأموال قال له مولى له وهو يعظه قد رأيت ما مر عليك من الضيق والشدة، فانظر كيف تكون وأمسك عليك مالك، فقال له ابن شهاب: ويحك إني لم أر الكريم تحكمه التجارب" (٢).
وقد روى من ترجم للإمام الزُّهْرِيّ العديد من الروايات التي تدل على كرمه وحبه للعطاء، حتى أنه ترك دينًا كبيرًا بعد موته؛ فبيعت شغب (٣)، فقضى دينه (٤).
• ومن زهده في الدنيا وعدم حبه جمع المال:
كثرة إنفاقه وبذله في وجوه الخير حتى أنه كان يستدين لينفق على طلاب العلم وعلى غيرهم، ولم يكتنز مالًا أو يدخر شيئًا حتى أنه ترك دينًا كبيرًا بعد موته، قال عمرو بن دينار: ما رأيت الدينار والدرهم عند أحد أهون منه عند الزُّهْرِيّ، كأنها بمنزلة البَعْر (٥).
رابعًا: وفاته
مات الإمام الزُّهْرِيّ لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة.
وقيل سنة ثلاث وعشرين، وقيل: سنة خمس وعشرين، والراجح أنه توفى سنة أربع وعشرين، وله من العمر ما يربو على نيف وسبعين سنة.
_________________
(١) الذهبي، تاريخ الإسلام، ٣/ ٥٠٥.
(٢) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٥٥/ ٣٧٧.
(٣) شغب: ضيعة للزُّهريّ خلف وادي القرى (انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي] دار صادر، بيروت، ط ٢، ١٩٩٥ م [، ٣/ ٣٥٢).
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٥/ ٣٤٢.
(٥) الذهبي، تاريخ الإسلام، ٣/ ٥٠١، والبَعْر: رَجِيع الخُف والظِّلف من الإِبل والشَّياه وَبَقْر الْوَحْش وَالظِّبَاء، (انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة (بعر».
[ ٣٠ ]
قال الذهبي: وقال ابن عُيَيْنَة، وإبراهيم بن سعد، وابن أخي الزُّهْرِيّ، والناس: مات سنة أربع وعشرين، وَشَذّ أبو مُسْهِر فقال: سنة خمس وعشرين (١)، ودُفن في أدامى (٢)، وهي خلف شغب، وهي أَوَّل عمل فِلَسْطِين وآخر عمل الحجاز (٣).
_________________
(١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، ٣/ ٥١٩.
(٢) قال ياقوت الحموي: أدامى موضع بالحجاز، فيه قبر الزُّهْرِيّ العالم الفقيه (انظر: معجم البلدان، ١/ ١٢٥).
(٣) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، ٣/ ٥١٩.
[ ٣١ ]