ينقسم الحديث المدرج إلى قسمين: مدرج المتن ومدرج الإسناد، وكل قسم ينسلخ منه أنواع أبينها فيما يلي:
أمُدْرَج المَتْن: "فهو أن يَقَع في المتن كلام ليس منه" (٢).
ومثاله ما أخرجه مسلم (٣) من طريق مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن أَبِي سَلَمَة، عن جَابِرٍ، قال: " إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا".
_________________
(١) البقاعي، النكت الوفية بما في شرح الألفية] مكتبة الرشد، ط ١، ١٤٢٨ هـ[، ١/ ٥٣٦.
(٢) ابن حجر، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، ص ٢٢٦.
(٣) مسلم، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله - ﷺ - (المعروف بصحيح مسلم)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي] دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ط.، د. ت. [، كتاب الهِبات، باب الْعُمْرَى، رقم (١٦٢٥)، ٣/ ١٢٤٥.
[ ١٣ ]
قال مُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ: "حديث مَعْمَر هذا إنَّما منتهاه إلى قوله هي لك وَلِعَقِبِك وما بعده عندنا من كلام الزُّهْرِيّ" (١).
• أنواع الإدراج في المتن (٢):
١ - إدراج يكون في أوّل الحديث.
٢ - إدراج يكون في أثنائه.
٣ - إدراج يكون في آخِره.
ب مُدْرَج الإسناد: وهو على خمسة أقسام (٣)، الثلاثة الأول ذكرها ابن الصلاح في مقدمته (٤).
١ - أن يروي جماعة الحديث بأَسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ فيَجمع الكلّ على إسنادٍ واحدٍ من تلك الأسانيد ولا يُبَيِّن الاختلاف.
ومثاله: ما رواه الإمام أحمد (٥): عن عبد الرَّحْمَن بن مَهدي، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَوَاصِلٌ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن عَمْرِو بن شُرَحْبِيلَ، عن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ﷿؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ ﷿ نِدًّا، وَهُوَ خَلَقَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِكَ» - وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَرَّةً: «أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» -، قال: ثمّ قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ».
ورواية وَاصِل هنا مُدْرَجة على رواية مَنْصُور وَالْأَعْمَش؛ لأَن واصلًا لم يذكر فيه
_________________
(١) ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ٧/ ١١٢.
(٢) انظر: المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(٣) انظر: المصدر نفسه، الصفحة نفسها، وانظر: النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر، ٢/ ٨٣٢.
(٤) ابن الصلاح، أنواع علوم الحديث (المعروف بمقدمة ابن الصلاح)، ص ٩٥، ٩٦.
(٥) الإمام أحمد، المسند، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وآخرون] مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ[: مسند عبد الله بن مسعود - ﵁ -، رقم (٤١٣١)، ٧/ ٢٠٠.
[ ١٤ ]
عمرًا بن شُرَحْبِيل، بل يرويه عن أبي وَائِل، عن عبد الله، .. وَقد بَيّن الإسنادين مَعًا يحيى الْقطَّان فِي رِوَايَته عن الثَّوْريّ، وفصل أحدها عن الآخر، كما رواه البُخَارِيّ (١): عن: عَمْرو بن عَليّ، عَن يحيى، عَن سُفْيَان، عَن مَنْصُور وَالْأَعْمَش، كِلَاهُمَا عَن أبي وَائِل، عَن عَمْرو. وعن: سُفْيَان، عَن وَاصل، عَن أبي وَائِل، عَن عبد الله، من غير ذكر عَمْرو بن شُرَحْبيل (٢).
٢ - أن يكون المتن عند راوٍ إِلاّ طرفًا منه فإِنَّه عنده بإسنادٍ آخر، فيرويه راوٍ عنه تامًّا بالإِسناد الأوَّل.
ومثاله (٣): "رواية سَعِيدِ بْن أَبِي مَرْيَمَ، عن مَالِكٍ، عن الزُّهْرِيّ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَنَافَسُوا الحديث" (٤)،
فَقَوْلُهُ: "لَا تَنَافَسُوا" أَدْرَجَهُ ابن أَبِي مَرْيَمَ من مَتْنِ حَدِيثٍ آخَرَ، رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عن الْأَعْرَجِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ: "لَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا" (٥).
٣ - أَن يكون عند الرَّاوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راوٍ
_________________
(١) البخاري، الجامع المسند الصحيح: كتاب الحدود، باب إثم الزناة، رقم (٦٨١١)، ٨/ ١٦٤.
(٢) انظر: شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر للقاري] دار الأرقم، بيروت، د. ط.، د. ت. [، ١/ ٤٦٤.
(٣) انظر: أنواع علوم الحديث (المعروف بمقدمة ابن الصلاح)، ص ٩٧.
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه دون قوله "وَلَا تَنَافَسُوا": كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التّحاسد والتّدابر، والتنافس، والتناجش ونحوها، رقم (٦٠٦٥)، ٨/ ١٩، قال: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ»، سائر الرواة عن الإمام مالك رووا هذا الحديث عنه بهذا اللفظ، وزاد سعيد بن أبي مريم في هذا الحديث عن مالك: "ولا تنافسوا" قال حمزة بن محمَّد الكناني: "لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث عن مالك "ولا تنافسوا" غير سعيد بن أبي مريم (انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر، ٦/ ١١٦) ..
(٥) حديث أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البّر والصّلة والآداب، باب تحريم الظّن، والتجسّس، والتنافس، والتناجش ونحوها، رقم (٢٥٦٣)، ٤/ ١٩٨٥، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا».
[ ١٥ ]
عنه مُقتصرًا على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاصّ به، لكن، يزيد فيه من المتن الآخَر ما ليس في الأول.
ومثاله: ما رواه الخطيب (١) من طريق عَبْد الرَّزَّاق، قال: أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَلِيِّ بن الحسين، عن عمرو ابن عُثْمَان، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ - وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ على الكفر -يعني بِخَيْفِ الأَبْطَحِ- قَالَ الزُّهْرِيّ: وَالْخَيْفُ الْوَادِي، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا حَالَفُوا بَنِي بَكْرٍ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لا يُجَالِسُوهُمْ، وَلا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلا يُبَايِعُوهُمْ، وَلا يُؤْوُوهُمْ".
قال الخطيب: "روى مَعْمَر عن الزُّهْرِيّ هذا الحديث هكذا سياقة واحدة بإسناد واحد ووهم في ذلك، لأنه حديثان بإسنادين مختلفين، فمن أوله إلى آخر قوله: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" يرويه الزُّهْرِيّ عن علي بن الحسين بالإسناد الذي ذكرناه. وما بعد ذلك إلى آخر الحديث إنما هو عند الزُّهْرِيّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة" (٢).
٤ - أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفًا منه فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راوٍ عنه تمامًا بحذف الواسطة.
ومثاله (٣): حَدِيث إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن حميد عَن أنس في قصَّة العرنيين وأن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَهُم: "لَو خَرجْتُمْ إِلَى إبلنا فشربتم من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا" فَإِن لَفْظَة "وَأَبْوَالهَا" (٤)
_________________
(١) الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، تحقيق: محمد بن مطر الزهراني] دار الهجرة، ط ١، ١٤١٨ هـ[، ٢/ ٦٨٩.
(٢) المصدر نفسه، ٢/ ٦٩٠.
(٣) طاهر الجزائري، توجيه النظر إلى أصول الأثر، ١/ ٤١٣.
(٤) أخرج النسائي الروايتين في المجتبى، كتاب تحريم الدم، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد، عن أنس بن مالك، فيه، رقم (٤٠٢٩)، ٧/ ٩٦، فمن رواية إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، قال: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أُنَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى ذَوْدِنَا فَكُنْتُمْ فِيهَا، فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» فَفَعَلُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَامُوا إِلَى رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَتَلُوهُ، وَرَجَعُوا كُفَّارًا، وَاسْتَاقُوا ذَوْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ومن رواية ابن أبي عدي رقم (٤٠٣١)، ٧/ ٩٦، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَسْلَمَ أُنَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى ذَوْدٍ لَنَا، فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا» قَالَ حُمَيْدٌ وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ: «وَأَبْوَالِهَا»، فَفَعَلُوا الحديث ..
[ ١٦ ]
إِنَّمَا سمعها حميد من قَتَادَة عَن أنس، كما بينه مُحَمَّد بن أبي عدي ومروان بن مُعَاوِيَة وَيزِيد بن هَارُون وَغَيرهم، إِذْ رَوَوْهُ عَن حميد عَن أنس بِلَفْظ فشربتم من أَلْبَانهَا وَعِنْدهم قَالَ حميد قَالَ قَتَادَة عَن أنس وَأَبْوَالهَا؛ فرواية إِسْمَاعِيل على هَذَا فِيهَا إدراج.
٥ - أن يسوق الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلامًا من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أَنَّ ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد؛ فيرويه عنه كذلك.
مثاله: حديث رواه ثابت بن موسى الزاهد عن شريك عن الأَعْمَشِ عن أَبِي سُفْيَانَ عن جَابِرٍ عن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" (١).
وهذا قول شريك، قاله في عقب حديث الأَعْمَش عن أَبِي سُفْيَانَ عن جابر: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد" فأدرجه ثابت في الخبر وجعل قول شريك مِنْ كَلامِ النَّبِيِّ - ﷺ - ثم سرق هذا جماعة من الضعفاء من ثابت وحدثوا به عن شريك (٢).
وأصل القصة: أن ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي وهو يملي ويقول: "حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - "، وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، وقصد بذلك ثابتًا لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في السنن: كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب ما جاء في قيام اللّيل، رقم (١٣٣٣)، ١/ ٤٢٢.
(٢) ابن حِبّان، المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، تحقيق: محمود إبراهيم زايد] دار الوعي، حلب، ط ١، ١٣٩٦ هـ[، ١/ ٢٠٧.
[ ١٧ ]
كذلك، فعلى هذا هو من أقسام المدرج (١).