يتصل هذا البلاغ، ولكن من طرق واهية غاية في الضعف.
أخرج نحوه ابن سعد بسنده عن ابن عباس، قال (٦): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِحِرَاءٍ مَكَثَ أَيَّامًا لا يَرَى جِبْرِيلَ. فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى كَانَ يَغْدُو إِلَى ثَبِيرٍ مَرَّةً وَإِلَى حِرَاءٍ مَرَّةً يُرِيدُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ. فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَذَلِكَ عَامِدًا لِبَعْضِ تِلْكَ الْجِبَالِ إِلَى أَنْ سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ. فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَعِقًا لِلصَّوْتِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مُتَرَبِّعًا عَلَيْهِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَدْ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وَرَبَطَ جَأْشَهُ. ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ بَعْدُ وَحَمِيَ.
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ١٢/ ٣٥٩.
(٢) انظر: التوشيح شرح الجامع الصحيح للسيوطي] مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ[، ٣/ ١٦٢.
(٣) انظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقَسْطَلَّاني، ٧/ ٤٢٧.
(٤) بدر الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١/ ٥٥.
(٥) انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن، ٢/ ٢٩٩.
(٦) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ١/ ١٥٤.
[ ٦٣ ]
وهذا الإسناد ضعيف؛ فيه: مُحَمَّد بن عُمَر، وهو: مُحَمَّد بن عُمَر بن واقد الواقدي الأَسلميّ، أَبُو عَبد اللَّهِ الْمَدَنِيّ، مولى عَبد اللَّهِ بن بريدة الأَسلميّ (ت: ٢٠٧ هـ)، متروك (١).
وكذا شيخه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَبِي مُوسَى، لم أجده، ولكني أظن أن جده أبي موسى محرّف من أبي يحيى، فإن كان كذلك فهو: إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بن أَبي يحيى - واسمه سمعان - الأَسلميّ، مولاهم، أبو إسحاق المدني، وقيل: إِبْرَاهِيم بن محمد بن أَبي عطاء (ت: ١٨٤ - ١٩١ هـ)، متروك (٢).
وأخرج الطبري في تفسيره، قال (٣): حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٌ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ، يَقُولُ عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أَبْتَدِئُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ؛ كَانَتْ تَجِيءُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيَالِي ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدَ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ، فَأَتَاهُ؛ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتَيَّ وَأَنَا قَائِمٌ، ثُمَّ رَجَعْتُ تَرْجُفُ بَوَادِرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، حَتَّى ذَهَبَ عَنِّي الرَّوْعُ، ثُمَّ أَتَانِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنَا جِبْرِيلُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ حَالِقٍ مِنْ جَبَلٍ، فَتَمَثَّلَ إِلَيَّ حِينَ هَمَمْتُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنَا جِبْرِيلُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ الحديث".
وإسناده أيضًا ضعيف؛ فيه النُّعمان بن راشد، وهو: النُّعمان بن راشد الجَزَريُّ، أبو إسحاق الرَّقيُّ، مولى بني أُميَّة، ذكره ابن حِبّان في الثِّقات (٤)، وقال ابن حجر: صدوق
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال للمزي، ٢٦/ ١٨٠ - ١٩٣، وتقريب التهذيب لابن حجر، ص ٤٩٨.
(٢) انظر: تهذيب الكمال للمزي، ٢/ ١٨٤، وتقريب التهذيب لابن حجر، ص ٩٣.
(٣) ابن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بـ (تفسير الطبري)، تحقيق: أحمد محمد شاكر] مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤٢٠ هـ[، ٢٤/ ٥١٩.
(٤) ابن حِبَّان، الثِّقات] دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، ط ١، ١٣٩٣ هـ[، ٧/ ٥٣٢.
[ ٦٤ ]
سيء الحفظ (١)، وقال البخاري: في حديثه وهم كثيرٌ وهو صدوق في الأصل، وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير، وضعّفه ابن معين والنّسائي وابن أبي حاتم، وقال أبو داود: ضعيف في الزُّهْرِيّ (٢).
وأخرج الطبري عن يُوْنُس بن عَبْد الأَعْلَى نحو هذا الخبر بعده، ولم يذكر لفظه، قال (٣): "حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: ثني عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ، أَخْبَرَتْهُ وَذَكَرَ، نَحْوَهُ".
والطبري يشير هنا إلى لفظ حديث الباب، فقد أخرجه أبو عوانة (٤) عن يُوْنُس بن عَبْد الأَعْلَى، عن ابن وهب، عن يُونُس، عن ابن شِهَابٍ، عن عُرْوَة عن عَائِشَة، فذكره بلفظ رواية البخاري.