بلاغ الزُّهْرِيّ هذا وصله ابن مَرْدَوَيْه في تفسيره من طريق عُقَيْل كما ذكر ابن حجر في الفتح، ولم أقف على التفسير المذكور، ولكن ورد بعض الخبر في ثنايا أحاديث متصلة صحيحة على النحو التالي:
أولًا قوله: وَبَلَغْنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْ يَرُدُّوا إِلَى المُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ لاَ يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ، قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ.
_________________
(١) سورة الممتحنة، آية: ١١.
(٢) البخاري، الجامع المسند الصحيح: كتاب الشُّرُوط، باب الشُّرُوط في الجهاد والمُصَالَحة مع أهل الحرب وكتابة الشُّرُوط، رقم (٢٧٣٣)، ٣/ ١٩٧.
(٣) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٥/ ٣٥١.
[ ٥١ ]
وقوله: وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي المُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
وردا عند البخاري في قصة الحُدَيْبِيَة (١)، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالاَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ ، وفيه: " ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (٢)، حَتَّى بَلَغَ بِعِصَمِ الكَوَافِرِ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ، كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ؛ فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ".
وفي الحديث قصة أَبي بَصِيرِ بن أَسِيد الثَّقَفِيّ: "ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ رَآهُ: «لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا» فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى
الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - تُنَاشِدُهُ
_________________
(١) البخاري، الجامع المسند الصحيح: كتاب الشُّرُوط، باب الشُّرُوط في الجهاد والمُصَالَحة مع أهل الحرب وكتابة الشُّرُوط، رقم (٢٧٣١)، ٣/ ١٩٣.
(٢) سورة الممتحنة، آية: ١٠.
[ ٥٢ ]
بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ﴾ (١)، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ".
ومن طريق عبد الرَّزَّاق أخرج الحديث بطوله البيهقي (٢) والطبراني (٣) والإمام أحمد (٤) وابن حِبّان (٥).
ثانيًّا: قول الزُّهْرِيّ: فَلَمَّا أَبَى الكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ (٦).
قول الزُّهْرِيّ هذا في سبب نزول الآية موقوف عليه، ولم أجده متصلًا من أي وجه، وكل من رواه وقفه على الزُّهْرِيّ (٧).
ثالثًا: قول الزُّهْرِيّ: وَالعَقْبُ مَا يُؤَدِّي المُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الكُفَّارِ اللَّائِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا.
كلام الزُّهْرِيّ هذا هو تفسير رآه في الآية، كما جزم بذلك الحافظ ابن حجر، حيث قال: "قَوْلُه والْعَقِب إِلَخ، قَوْلُه وما نَعْلَم أَحَدًا من المُهَاجِرَات ارْتَدَّتْ بعد إيمانها هو كلام
_________________
(١) سورة الفتح، آية: ٢٤ - ٢٦.
(٢) البيهقي، السنن الكبرى: كتاب الجزية، باب المُهَادَنَة عَلَى النَّظَر لِلْمُسْلِمِين، رقم (١٨٨٠٧)، ٩/ ٣٦٦.
(٣) الطبراني، المعجم الكبير: رقم (١٣)، ٢٠/ ١٥.
(٤) الإمام أحمد، المسند: حديث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيّ، وَمَرَوَانَ بْنِ الْحَكَم، رقم (١٨٩٢٨)، ٣١/ ٢٤٣.
(٥) ابن حِبَّان، صحيحه: كتاب الهجرة، باب الْمُوَادَعَة وَالْمُهَادَنَة، رقم (٤٦٨٣)، ١١/ ٢١٦.
(٦) سورة الممتحنة، آية: ١١.
(٧) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، ٥/ ٣٥٢، وتفسير عَبْد الرَّزَّاق، لعَبْد الرَّزَّاق الصنعاني صاحب المصنف، تحقيق: د. محمود محمد عبده] دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٩ هـ[، ٣/ ٣٠٤، تفسير الطبري، ٢٣/ ٣٣٥.
[ ٥٣ ]