ومثل هذه الأحاديث لا يصح التعلق بها في شيء، وقد أغنى الله عنها.
تبيين الفرق بين العدالة للشاهد والعدالة للراوي:
روي في اتحاد معنى العدالة فيهما حديث موضوع: " لا تأخذوا العلم إلا ممن تجيزون شهادته " (١)، وهذا لا يعتمد عليه في شيء.
_________________
(١) أخرجه الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٤١١) وابن عدي في " الكامل " (١/ ٢٥٥، ٢٥٦، و٣/ ٢٨٩ و٥/ ٧٧) وابن حبان في " المجروحين " (١/ ٢٥) والخطيب في " تاريخه " (٩/ ٣٠١) و" الكفاية " (ص: ١٥٨، ١٥٩) والرافعي في " تاريخ قزوين " (٣/ ٣٩٩) وابن الجوزي في " العلل " (رقم: ١٨٧) من طرق عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس، به. وفيمن رواه عن صالح ثقة وضعيفٌ، وليس الحمل فيه إلا على صالح هذا وهو مدني، منكر الحديث ليس بثقة. ومن الرواة من حدث به عنه عن محمد بن كعب مُرسلًا، ليس فيه ابن عباس. ومنهم من حدث به عنه عن محمد بن كعب عن ابن عباس قوله ولم يرفعه. أخرج ذلك الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٥٩، ١٦٠)، كما روى المرسل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٢٨). والموقوف ابن عدي في " الكامل " (١/ ٢٥٦). وهكذا كان أو كذلك، فإنه لا يثبت منه شيء، قال الخطيب: " إن صالح بن حسان تفرَّد بروايته، وهو ممن اجتمع نُقاد الحديث على ترك الاحتجاج به؛ لسوء حفظه، وقلة ضبطه ". وقال ابن حبان: " هذا خبرٌ باطل رفْعه، وإنما هو قول ابن عباس " وحَمل فيه على أحد من رواه عن صالح .. قلت: بل لم يثبت عنه أيضًا؛ لما ذكرت من حال صالحٍ نفسه. وروى بقية بن الوليد، قال: حدثنا إسحاق بن مالك، عن أبي بكر التميمي، عن الحسن، به مرسلًا. أخرجه ابن عدي (١/ ٢٥٦) وإسناده لا يثبت، فإسحاق من شيوخ بقية المجهولين، والتميمي هذا لم يتبين من يكون، وأخاف أن يكون دلسه بقية، ثم هو إلى ذلك كله مرسل. وأخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (١/ ١/ ٣١) من رواية الحسن بن ذكوان عن الحسن به مرسلًا. وابن ذكوان هذا ضعيف.
[ ١ / ٢٤١ ]
والتحقيق: أن الاتفاق بين الشاهد والراوي معتبر في العدالة والصدق، لكنهما يفترقان في معاني تقبل فيها الرواية ولا تقبل الشهادة:
فاعتُبِرت مثلًا في الشاهد الحرية، لكنها لا تطلب في الراوي، ففي الرواة الثقات كثير من الموالي؛ إذا الرق لا ينافي العدالة.
ويقبل في الرواية خبر الواحد العدل، ويقبل في صيغة الرواية: (حدثني فلان عن فلان)، وليس كذلك في الشهادة.
والحديث يشهد للحديث، كما تشهد له الأصول، وليس كذلك الشهادة.
يقابل ذلك أن قومًا تقبل شهادتهم، ولكن لا تقبل رواياتهم؛ لما يوجبه حفظ وأداء الرواية من الاحتياط في اللفظ والمعنى (١).
_________________
(١) وانظر: الرسالة، للشافعي (الفقرات: ١٠٠٨ - ١٠١٤)، وانظر لبعض فوارق الشهادة والرواية: شروط الأئمة الخمسة، للحازمي (ص: ١٤٩ - ١٥٠).
[ ١ / ٢٤٢ ]
كما قال الشافعي، وحكي عن سائل سأله: قد أراك تقبل شهادة من لا تقبل حديثه؟ قال: " فقلت: لكبر أمر الحديث وموقعه من المسلمين، ولمعنى بين، قال: وما هو؟ قلت: تكون اللفظة تترك من الحديث فتحيل معناه، أو ينطق بها بغير لفظة المحدث، والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث، فيحيل معناه، فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى، كان غير عاقل للحديث، فلن نقبل حديثه إذا كان يحمل ما لا يعقل إن كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس تأديته على معانيه وهو لا يعقل المعنى. قال: أفيكون عدلًا غير مقبول الحديث؟ قلت: نعم، إذا كان كما وصفت كان هذا الموضع ظنة بينة يرد بها حديثه، وقد يكون الرجل عدلًا على غيره ظنينًا في نفسه وبعض أقربيه، ولعله أن يخر من بعد أهون عليه من أن يشهد بباطل، ولكن الظنة لما دخلت عليه تركت بها شهادته، فالظنة ممن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه، أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته فيما هو ظنين فيه بحال " (١).
قلت: وليس اعتبار خصائص الشهادة من مباحثنا هذه، ومحلها مطولات كتب الفقه.
* * *
_________________
(١) الرسالة (ص: ٣٨٠ - ٣٨١).
[ ١ / ٢٤٣ ]