نعم؛ هو إثبات للعدالة الدينية، أو ما اصطلح عليه بعض المتأخرين بـ (العدالة الظاهرة)، وهي: الإسلام، والسلامة من القادح في الدين.
وأطلق الخطيب أن ارتفاع الجهالة برواية اثنين لا يعني ثبوت العدالة، فقال: " إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه "، ورد قول من ذهب إلى أنها تثبت له (١).
قلت: وهذا صحيح بالنظر إلى إرادة العدالة الموجبة لقبول الراوية، وهي التي تحقق فيها: العدالة الدينية وضبط الراوي، فهذه العدالة لا تثبت للراوي بارتفاع جهالته، ولكن يثبت له منه الشق الأول.
والمتأخرون تبعوا الخطيب، ومنه صار جماعة إلى تقسيم العدالة إلى قسمين:
الأول: عدالة ظاهرة، واختاروا ثبوتها برواية اثنين فصاعدًا.
ومن لم تثبت له فهو في اصطلاحهم: مجهول العين، كما تقدم.
والثاني: عدالة باطنة، وتعني أهلية الراوي في النقل من جهة ضبطه
_________________
(١) الكفاية، للخطيب (ص: ١٥٠).
[ ١ / ٢٤٩ ]
وإتقانه لما يرويه، ولا تثبت له إلا بتنصيص ناقد عارف أنه ثقة، أو بما يقوم مقام ذلك.
وإثبات هذه العدالة ركن لصحة إطلاق وصف (العدالة) على الراوي، الموجب للاحتجاج بحديثه، والطريق إليه كما قال الخطيب: " التعويل فيه على مذاهب النقاد للرجال، فمن عدلوه وذكروا أنه يعتمد على ما يرويه جاز حديثه، ومن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقف عنه " (١).
ومن لم تثبت له هذه العدالة من الرواة فهو في اصطلاحهم: مجهول الحال، والمستور.
وهذا القسم ليس مرادًا لنا في هذا البحث؛ لكونه بيانه سيأتي، لكن ذكره لا بد منه لإزاحة اللبس عن استعمال لفظ (العدالة).