هذه صورة نادرة الورود في روايات الحديث.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (رقم: ٥٢٥٠) وإسنادُه جيد.
[ ١ / ٢٩ ]
مثالها: ما حدث به أسود بن عامر شاذان قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرني إدريس الأوديُّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال: " لا يصلي أحدكم وهو يجد الخبَث " (١).
فتحرير هذه المسألة: أن هذه الصورة بمجردها لا تفيد رفع الحديث، بل هو موقوف من هذا الوجه، وهذا المثال المذكور مما اختلف فيه على شعبة أصلًا رفعًا ووقفًا، ولا يكاد يوجد لهذه المسألة مثال يسلم من علة، وعليه فيحول ذلك دون القول: إن هذه الصيغة تفيد الرفع.
وما ذكر عن محمد بن سيرين بخصوص ذلك مِن تركه رفع الحديث أحيانًا وهو عنده مرفوع، فهو أمر غير مطرد على التحقيق.
وبيانه: أن الحافظ دعلجا السِّجزيَّ، قال: حدثنا موسى بن هارون بحديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال: " الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه "، قال موسى: إذا قال حماد بن زيد والبصريون: (قال: قال) فهو مرفوع.
قال الخطيب: قلت للبرقانيَّ: أحسب أن موسى عنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة؟ قال: كذا تحسب. (٢).
قلت فهذا المثال لايصلح أن تُبْنى عليه قاعدة، وقول موسى بن هارون الحمَّال غير صحيح الإطْلاق، وما حسبه الخطيب من كون ذلك هناك محصورًا فيما يرويه ابن سيرين خاصة عن أبي هريرة صواب، ما لم تكن هناك قرينة في سياق الخبر تجعله على أصل الوقف.
وواقع الأمر أن ابن سيرين حدث عن أبي هريرة بأحاديث لم يكن يذكر فيها الرفع الصريح إلى النبي ﷺ، وهي محفوظة من حديث أبي هريرة
_________________
(١) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٨) وإسناده صحيح.
(٢) الكفاية (ص: ٥٨٩).
[ ١ / ٣٠ ]
مرفوعًا، أحيانًا يوجد ذلك من رواية ابن سيرين نفسه عن أبي هريرة، يكون حدَّث به عنه لا يذكر الرفع، وتارةً يذكره، كما يكون مرفوعًا من رواية غير ابن سيرين عن أبي هريرة.
وهذا ما جاءت به الطرق للحديث المذكور، فإنه رواه من البصريين: أيوب السخستاني (١)، وهشام بن حسان (٢) وعمران بن مسلم القصير (٣)، جميعًا عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ به.
واستدل الخطيب لما حسب بقول ابن سيرين: " كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع " (٤).
وصح عن محمد بن سيرين: أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة، فقيل له: عن النبي ﷺ؟ فقال: " كل حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ " (٥).
قال الطَّحاوي: " وإنما كان يفعل ذلك؛ لأن أبا هريرة لم يكن يحدثهم إلا عن النبي ﷺ " (٦).
وفي هذا عن ابن سيرين فائدة خاصة، وهي أن الخبر إذا جاء عنه عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا، فإن ذلك لا يعد من الاختلاف القادح في صحة الرفع، بل الحكم بالرفع متعين.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (١/ ٥٨٠ رقم: ٢٢١٠) ومُسلم في " صحيحه " (١/ ٤٥٩).
(٢) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٨/ ١٣٨ رقم: ١١٦٣١).
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في " زوائد الزهد " (ص: ٢١) وابن عدي في " الكامل " (٦/ ١٦٩).
(٤) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ٢٢) ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٩) وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (١/ ٢٠) وإسناده جيد.
(٦) شرح معاني الآثار (١/ ٢٠).
[ ١ / ٣١ ]