ومما يجب أن يحتاط فيه من هذه الصورة.
ما يقوله الصحابي من إثبات تحليل أو تحريم، فمن الناس من يدعي أن له حكم الرفع، وهذا خطأ، فإن الصحابة كانوا يُفتون الناس في الحلال والحرام، وكما وسع من بعدهم من العلماء أن يحلوا ويحرموا باجتهادهم فيما لا نص فيه، فعلماء الصحابة هم سادة المجتهدين لهذه الأمة، وقد سبقوا إلى أن قالوا باجتهادهم فأحلوا وحرموا، واختلفوا في المسائل بسبب ذلك.
المسألة الخامسة: قول الصحابي (أمرنا بكذا .. نهينا عن كذا .. كنا نؤمر بكذا .. كنا ننهى بكذا .. كنا على عهد رسول الله ﷺ نفعل كذا .. كنا نقول ورسول الله ﷺ فينا .. من السنة كذا) وشبه ذلك، فهو حديث مسند مرفوع حكما في قول أكثر أهل العلم، وهو الصواب (١).
وذلك بناء على أن حال ما يحكيه الصحابي من ذلك إنما كان لبيان شرائع الدين، والتبليغ عن النبي ﷺ، خصوصا ولا يكاد يوجد الشيء من ذلك لا شاهد له من النصوص المسندة صراحة إلى النبي ﷺ.
قال الخطيب: " والدليل عليه: أن الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا، فإنما يقصد الاحتجاج لإثبات شرع وتحليل وتحريم وحكم يجب كونه مشروعا (٢).
مثاله: ماحدث به مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: صليت إلى جنب أبي، فلما ركعت شبكت أصابعي، وجعلتهما بين ركبتي، فضرب يدي، فلما صلى قال: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا أن نرفع إلى الركب (٣).
_________________
(١) انظر: معرفة علوم الحديث، للحاكم (ص: ٢٢)، والكفاية، للخطيب (ص: ٥٩١ - ٥٩٥).
(٢) الكفاية (ص: ٥٩٢).
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٧٥٧) ومسلم ٌ (رقم: ٥٣٥).
[ ١ / ٣٣ ]
وذهب بعض أهل العلم، كابن حزم، إلى أن هذه الصورة ليست مسندًا مرفوعًا (١).
واعترض بعضهم باحتمال أن يكون الآمر الناهي من بعد رسول الله ﷺ.
وهذا ضعيف، فإن الصحابة فيما دل عليه الاستقراء لم يكونوا يستعملون ذلك في أمر أو نهي أوسنة أحد إلا النبي ﷺ.
قال الشافعي وقد ذكر حديثا عن ابن عباس والضحاك بن قيس فيه: (كذا وكذا سنة): " وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي ﷺ، لا يقولان: (السنة) إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله "، وقال: " وأصحاب النبي ﷺ لا يقولون بالسنة والحق إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى " (٢).
قلت: وقول الشافعي: (إن شاء الله)، من أجل مظنة أن يقول الصحابي الشيء من ذلك بمحض اجتهاده، وليس بمنزلة المرفوع الصحيح.
وأما قصة حنظلة السَّدوسيِّ قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته (٣)، ثم يدق بين حجرين، ثم يضرب به. فقلت لأنس: في زمان من كان هذا؟ قال: في زمان عمر بن الخطاب. فهذا خبر لا يصح رواية، فلا يتعقب بمثله (٤).
وإذا حكى الصحابي أمرا شائعا، ونسبه إلى عامة الصحابة، كأن
_________________
(١) الأحكام في أصول الأحكام (٢/ ٧٢).
(٢) الأم (١/ ٢٧١).
(٣) ثمرته: هو العُقدة التي تكون في طَرفه، فتُقطع، ويُدق السوط بين حجرين ليلين ليَكون أيسر على من يُضرب به.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٠ - ٥١) وابنُ عبد البر في " التمهيد " (٥/ ٣٣٤)، وعلته حَنظلة فإنه ضعيف الحديث.
[ ١ / ٣٤ ]