ظاهر الصيت، والحسن يومئذ في سن تقدم وعلم، فقد قتل عمر بن الخطاب وله سنتان، فيكون عمره حين قتل علي تسعة عشرة سنة.
فهذه الوجوه قاضية بصحة سماع الحسن من سمرة في الجملة، وهو الذي قطع به ابن المديني، مع شدة شرطه في الاتصال، ثم لو سلمنا أن من حديثه عنه مالم يسمعه فإنه اعتمد فيه على كتب سمرة على قول ابن معين وغيره، والرواية من الكتاب اتصال (١)، وهو مقصود هنا.
المثال الثاني: رواية مخرمة بن بكير عن أبيه.
حكي عن مخرمة في شأن سماعه من أبيه حكايتان متضادتان:
الأولى: ما رواه عنه موسى بن سلمة الجمحي المصري قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: حدثك أبوك؟ قال: " لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه " (٢).
وفي لفظ، قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: أخرج إلي بعض كتب أبيك، قال: فأخرج إلي كتابًا، فقلت: سمعت هذا من أبيك؟ فقال: " لم أسمع من أبي شيئًا، وهذه كتبه " (٣).
_________________
(١) للذهبي تشكيك في عامة ما يقول فيه الحسن: (عن فلان) اغترَّ به جماعةٌ من المعاصرين، وذلك أنه وصف الحسن بالتدليس عن الضعفاء، فلا يُقبل منه ما قال فيه: (عن) حتى وإن ثبت سماعه أو لُقيُّه لذلك الشيخ في الجملة، وهذا القول غيرُ محرر، وليت الذهبي ﵀ لم يُرسله فيتعلق به من جاء بعده، فما هو إلا دعوى، ولمناقشتها موضعٌ آخر، وإنما كان الحسن يُرسل عمَّن لم يلقه أو لم يسمع منه، أما التدليس فهي تُهمةٌ مرسلةٌ لا تثبت عليه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ٣٦٤) و" المراسيل " (ص: ٢٢٠) بإسناد صحيح إلى موسى.
(٣) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح إلى موسى، كما رواه (٨/ ١٧٧) عن شيخه علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي، وهو شيخٌ متهم، وهو بمعناه مختصرًا عند الطحاوي في " شرح المعاني " (٣/ ١٦٤) من طريق صحيح.
[ ١ / ١٦٠ ]
وقال في لفظ: " ما سمعت عن أبي شيئًا، إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه "، وزاد: " ما أدركت أبي إلا وأنا غلام " (١).
لكن هذه الحكاية لا يحتج بمثلها على الانفراد، من أجل أن موسى هذا ليس بالمشهور، وغاية أمره أن يستشهد به عند الموافقة.
ووجدت له موافقًا من طريق صحيح فقد حكى حماد بن خالد الخياط، وكان ثقة، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتبًا، فقال: " هذه كتب أبي، لم أسمع منها شيئًا " (٢).
والحكاية الثانية: ما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: قرأت في كتاب مالك بن أنس بخط مالك، قال: وصلت الصفوف حتى قمت إلى جنب مخرمة بن بكير في الروضة، فقلت له: إن الناس يقولون: إنك لم تسمع هذه الأحاديث التي تروي عن أبيك من أبيك، فقال: " ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي، ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي " ثلاثًا (٣).
قلت: وهذه الحكاية ربما طعن عليه لكونها وجادة عن مالك، وليس بطعن على التحقيق، فإنها كانت بخط مالك، وابن أبي أويس من أهل بيته ومن أصحابه، لكن المأخذ عليها إنما هو من جهة أن ابن أبي أويس لم يكن قويًا في الحديث.
_________________
(١) أخرجه ابن عدي (٨/ ١٧٧ - ١٧٨) بإسناد صحيح إلى موسى.
(٢) أخرج ذلك عنه مباشرة: أحمد بن حنبل في " العلل " (رقم: ٥٤٥، ١٩٠٧، ٥٥٩٢) وعنه: البُخاري في " التاريخ الكبير " (٤/ ٢ / ١٦) وابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ٢٢٠) ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ١٨٣).
(٣) أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة " (١/ ٦٦٣) عن إبراهيم بن المنذر: حدثني ابن أبي أويس. كما رواهُ بمعناه مُختصرًا عن ابن أبي أويس: أبو حاتم الرازي، كما في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٤)، أحمد بن صالح المصري عندَ أبي زُرعة الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٤٤٢) ومن طريقه: ابنُ حبان في " الثقات " (٧/ ٥١٠).
[ ١ / ١٦١ ]
ولما حكى أبو حاتم القصة عن ابن أبي أويس، قال مشعرًا بضعفها: " إن كان سمعها من أبيه، فكل حديثه عن أبيه، إلا حديثًا يحدث به عن عامر بن عبد الله بن الزبير " (١).
غير أنه ربما قيل: يقويها قول معين بن عيسى القزاز، وهو ثقة: " مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار " (٢).
وأقول: أدرك معن مخمرة وروى عنه شيئًا، لكن هذه العبارة من إنشائه، ولم يعزها إلى مخرمة من قوله كما وقع في رواية حماد الخياط المتقدمة فيجوز أن يكون بلغه ما حدث به ابن أبي أويس، وهو بلديه وقرينة في الأخذ عن مالك، ويجوز أن يكون قال ذلك بمجرد اجتهاده، ويجوز غير ذلك، وبإيراد مثل هذه الاحتمالات لا يصلح الاعتراض على ما صح نقله عن مخرمة نفسه من عدم سماعه من أبيه، إلا أن يحمل ذلك على شيء يسير، على ما ذهب إليه بعض أهل العلم بالحديث:
قال أبو داود السجستاني: " لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحد، وهو حديث الوتر " (٣).
وقال علي بن المديني: " ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان (٤)، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بالمدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي " (٥).
قلت: وهذا جميعه يؤكد صحة الحكاية الأولى عن مخرمة، ويضعف الثانية.
_________________
(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٦٤).
(٢) أخرجه ابن عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح إليه.
(٣) نقله المزي في " تهذيب الكمال " (٢٧/ ٣٢٦).
(٤) يعني ابن يسار.
(٥) أخرجه ابنُ عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح.
[ ١ / ١٦٢ ]
وهو الأمر الذي صار إليه كبار النقاد:
قال أحمد بن حنبل: " مخرمة بن بكير ثقة، إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئًا " (١).
وكذلك قال في رواية أبي طالب، وزاد: " إنما يروي من كتاب أبيه " (٢).
وقال يحيى بن معين في رواية الدوري: " يقولون: إن حديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمع من أبيه " (٣).
وقال في رواية محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ابن البرقي: " كان مخرمة ثبتًا، ولكن روايته عن أبيه من كتاب وجده لأبيه، لم يسمع منه " (٤).
وقد ضعفه يحيى في رواية الدوري، حيث قال مرة: " ضعيف الحديث " (٥)، ومرة: " ليس حديثه بشيء " (٦)، وفي رواية ابن محرز: " لا يكتب حديثه " (٧).
قلت: وهذا اختلاف عن يحيى، وعلة تضعيفه له ليست من جهة عدالته، ولا من جهة حفظه وإتقانه، وإنما هو لأجل أن روايته لم تكن شيئًا سمعه، إنما هي وجادة.
_________________
(١) العلل (النص: ٣٢٣٠).
(٢) نقله عنه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٣) و" المراسيل " (ص: ٢٢٠)، وابن عدي في " الكامل " (٨/ ١٧٨).
(٣) تاريخ يحيى بن معين (النص: ١١٩٢)، ونقل ابنُ أبي خيثمة عن يحيى نحوه، كما في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٣)، وفي رواية ابن مُحرز (١/ ٥٦): سُئل يحيى بن معين: مخرمة بن بُكير سمع من أبيه؟ فقال: " كتاب ".
(٤) نقله ابن عبد البر في " التمهيد " (٢٤/ ٢٠٢).
(٥) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٤٠، ١٠١٩، ٥١٥٧)، وكذلك رَوى مُعاوية بن صالح عن يحيى، كما في " الكامل " لابن عدي (٨/ ١٧٨).
(٦) تاريخ يحيى (النص: ١١٢١).
(٧) معرفة الرجال (١/ ٥٦).
[ ١ / ١٦٣ ]
ولهذا خالف يحيى في ذلك غيره مع الإقرار بكون حديثه عن أبيه وجادة، فهذا أحمد يوثقه، وكذلك قال علي بن المديني: " ثقة " (١)، وقال أحمد بن صالح المصري: " من ثقات الناس " (٢)، وقال أو حاتم: " صالح الحديث " (٣)، كما جرى على توثيقه غيرهم مع تسليم كون حديثه عن أبيه وجادة.
فالرجل ثقة، حديثه عن أبيه وجادة صحيحة، كان يقول فيما يحدث به منها: (عن)، وهذا هو الذي لا يجوز سواه في الوجادة، وقد عد بعضهم مخرمة لذلك في المدلسين، ولا معنى له وقد تبين وجهه سوى التوسع في الاصطلاح.
وهي رواية متصلة؛ نظرًا لعدم الوساطة فيها بين الراوي والمروي عنه، وأنها كتاب الشيخ نفسه وليست نسخة عنه.
ولهذا احتج مسلم في " صحيحه " برواية مخرمة عن أبيه.
نعم، في القوة دون السماع، لكن ذلك لا يؤثر بالمكاتبة متصلة وليست سماعًا، فكذلك الوجادة الصحيحة
* * *
_________________
(١) أخرجه ابنُ عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح.
(٢) رواه عنه أبو زُرعة الدمشقي في تاريخه " (١/ ٤٤٢).
(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٦٤).
[ ١ / ١٦٤ ]