المسألة الأولى: يقع في: إطلاق السلف من الأئمة لفظ (المسند) يريدون به الحديث المرفوع المتصل إلى النبي ﷺ، كما بينته في تعريف (المسند).
المسألة الثانية: إذا حدث صحابي بالشيء فوجد فيه من القرينة ما يدل على كونه تلقاه عن النبي ﷺ، فهو حديث مسند مرفوع.
وهل من هذا قول التابعي عن الصحابي: (يرفع الحديث) أو (ينميه) أو (يبلغ به) أو ما في معناه، دون ذكر النبي ﷺ؟.
الجواب: نعم، هو عن النبي ﷺ (١)
وذلك مثل:
ما أخرجه أبو يعلى الموصليُّ، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه، ويرفع الحديث:
" لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (٢).
وقيل لأحمد بن حنبل: إذا قال: (يرفع الحديث) فهو عن النبي ﷺ؟ قال: " فأيُّ شيء؟ " (٣)
أي: فعمن يكون إن لم يكن عن النبي ﷺ؟
لكن يجب قصر ذلك على قول الصحابي خاصة، فأما إذا قاله التابعي فمن دونه، فلا ينزَّل منزلة المراسيل فيما أرجحه.
_________________
(١) وانظر: الكفاية، للخطيب (ص: ٥٨٧).
(٢) مُسند أبي يعلى (رقم: ٧٢٠) وإسناده صَحيح. وأبو خيْثمة هو الحافظ زُهير بنُ حرب.
(٣) أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ٥٨٦) عن كتاب " العلل " للخلال.
[ ١ / ٢٨ ]
وذلك أني وجدتهم يعنون بتلك العبارة: يسنده إلى من فوقه، وذلك أحد رواة الخبر.
مثل: ما حدث به موسى بن مسلم الحِزامي، قال سمعت عكرمة يرفع الحديث فيما أرى إلى ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: " من ترك الحيَّات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالمنا هن منذ حاربناهنَّ " (١).
فإن قلت: إنما تبين أن قوله: (يرفع الحديث) ليس عن النبي ﷺ، بقرينة ذكر ابن عباس، فإن خلا من القرينة، فينبغي أن يكون له حكم المرسل.
قلت: لما استخدموا العبارة المذكورة في مجرد الارتقاء بإسناد الخبر إلى درجة أعلى في الإسناد، وصحَّ أن تكون تلك الدرجة هي الصحابي هنا، مع عدم وجود تنصيص منهم يُفسر مرادهم ويحصره فيما عرفناه بالاصطلاح في معنى المرفوع، فإن احتمال إرادة كونه عن أي قائل أو غافل فوق الراوي قائل تلك العبارة ودون النبي ﷺ: احتمال قوي.
إلا أن نقف على ذلك الخبر من وجه معتبر مرفوعًا صراحة من قبل الراوي إلى النبي ﷺ.
وليس من هذا قول أهل العلم المتأخرين اختصارًا في نقل الأحاديث من كتب الرواية (مرفوعًا) مثلًا، فإنا قد علمنا أنه عن النبي ﷺ في سياقه في مصدره من كتب الحديث المسندة، وإن كان تحاشي ذلك خاصة في الأحاديث الثابتة أولى، كما تقدم التنبيه عليه.