مبدأ ظهور هذا العلم:
الكلام في النقلة فنٌّ قديم من فنون هذا العلم، يعود إلى عصر الصحابة، وقد ورد عنهم في ذلك آثار قليلة، إليك بعضَ أمثلتها:
١_ عَن سعيد بن جبير، قال:
قلت لابن عباس: إن نوفًا البكاليَّ يزعم أن موسى ﵇ ُصاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر ﵇، فقال: كذب عدو الله، سمعت أُبي بن كعب يقول: سمعت رسول
الله ﷺ
[ ١ / ٢٠ ]
يقول: " قام موسى ﵇ خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ " فذكر الحديث بقصته مع الخضر (١).
٢ - وعن حُميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يُحدِّث رهطًا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لَنَبْلو عليه الكذب (٢).
فتلاحِظ في هذين المثالين أنَّ الكلام وقع في رجلين من غير الصحابة يعرفان بالرواية عن أهل الكتاب، ولم يكن الصحابة يكذِّب بعضهم بعضًا في النقل عن رسول الله ﷺ، وإنما خطَّأ بعضهم بعضًا في أحرف يسيرة كما وقع فيما استدركته عائشة أم المؤمنين على بعض الصحابة (٣)، وعلّة ذلك أن نقلة الأحاديث عن النبي ﷺ إنما كانوا العدول ولذلك لم يكن الناس يومئذ يعتنون بالإسناد حتى ظهرت الفتن وتباعد العهد وصار النقل إلى التابعين بعد الصحابة.
فعن مجاهد بن جبر المكي، قال:
جاء بُشير العدوي إلى بن عباس، فجعل يحدث ويقول: " قال رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ، " فجعل ابن عباس لا يأذن (٤) لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع، فقال ابن عباس: إناكنّا مرَّة إذا سمعنا رجلًاَ
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم: ١٢٢، ٣٢٢٠، ٤٤٤٨، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠) ومسلم (رقم: ٢٣٨٠).
(٢) أخرجه البخاريُّ في " الصحيح " (٦/ ٢٦٧٩) بصورة التعليق، وهوَ موصولٌ في " تاريخه الأوسط " (رقم: ٢٠١) بإسناد صحيح.
(٣) كما جمع أمثلةَ ذلك الحافظ بدرُ الدين الزركشي في كتاب " الإجابة لإيراد ما استَدركتْه عائشة على الصحابة ".
(٤) يأذن: يستمع.
[ ١ / ٢١ ]
يقول: " قال رسول الله ﷺ " ابتدرتْه أبصارنا، وأصْغينا إليه بآذانِنا، فلما ركب الناس الصَّعب والذَّلول لم نأخذ من النّاس إلا ما نعرف (١).
وقال الإمام التابعي محمد بن سيرين: " لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (٢).
ثم منذ ذلك الوقت بدأ شيوعُ الاعتناء بالأسانيدِ والكلام في النَّقَلة ونقد الراويات، وكلما تأخر العهد زاد ذلك.
فتكلَََّم طائفةٌ من التابعين بكلام منثور في ذلك، منهم: سعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله عمر، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي.
ثم الكلام بعد هؤلاء أكثر كالزهريِّ، وأيوب السختيانيِّ، والأعمش.
حتى جاءت طبقة أتباع التابعين فصار هذا العلم إلى النُّضوج، وعلتُّه ترجع إلى كثرة الكذابين، وطولِ الإسناد الذي يزيد معه الوهم والغلط وتعمُّد الإسقاط من رجاله تخفيفًا، فظهر أمثال شعبة بن الحجَّاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي.
ومن بعد طبقة تلامذتهم كيحي القطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي.
ثم تلامذتهم كأحمد بن حنبل، ويحي بن معين، وعلي بن المدينيِّ، وإسحاق بن راهُوَيه، وعمرو بن علي الفلاَّس.
وهذا وقتٌ بدأ يظهر فيه التَّصنيف في علوم الحديث، لكن في أبواب منه مخصوصة، كـ (الجرح والتَّعديل) و(علل الحديث) و(تواريخ النَّقلة).
_________________
(١) رواه مسلم في " مقدمة صحيحه " (ص: ١٣) بإسناد صحيح.
(٢) رواه مسلم في " مقدمة صحيحه " (ص: ١٥) وغيره بإسناد صحيح، ويأتي له مَزيدُ تخريج في موضع آخر من هذا الكتاب.
[ ١ / ٢٢ ]
وتطوَّر وكثر الكلام في تلك العلوم فيمن بعده، لكنَّها بقيت دون أن تخصَّ مصطلحاتها بتصنيف بعد، إلى زمان الإمام أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن الرَّامُهرمزيِّ (المتوفى سنة: ٣٦٠) فصنَّف أول كتاب مفرد في علوم الحديث سمَّاه: " المحدِّث الفاصل بين الرَّاوي والواعي " ثم توالى الناس على التصنيف فيه.
وأنفع المؤلفات فيه كتب الخطيب البغدادي، وأجلها: " الكفاية " ثم مؤلف الإمام أبي عمرو ابن الصَّلاح: " علوم الحديث " المعروف بـ (المقدِّمة).