الراوي يحدث عنه رجل من القدماء، ثم يعيش ذلك الراوي بعد ذلك الرجل زمانًا إلى أن يدركه بعض أصاغر الرواة فيحدثون عنه.
وفائدة معرفة هذه الصورة دفع ظن الغلط في تلاميذ الراوي، فإنك
_________________
(١) السنن، للنسائي (رقم: ٤٩١٢). والمِجَنُّ: الترس وشبهه.
(٢) المعجم الكبير، للطبراني (٢٢/ ١٣١ رقم: ٣٤٤). وأخرجه الطحاوي في " شرح مُشكل الآثار " (٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦ رقم: ٢٠٨٧) من طريق أخرى عن يعقوب الحضرمي، وفيه زيادة لطيفة: فقال رجل لشُعبة: من حدثك؟ فقال: " أمير المؤمنين في الحديث سُفيان بن سعيد بن مسروق "، وإسناده صحيح.
[ ١ / ٩٢ ]
ربما تسأل: كيف اتفق فلان وفلان في الرواية عن ذلك الشيخ، وبين وفاتيهما زمان بعيد؟
مثاله:
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثني أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد يعني الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم (١).
قال ابن حبان: " ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وخالد تلميذه " (٢).
ومحمد بن سيرين مات سنة (١١٠)، وبقي بعده شيخه في هذا الحديث خالد الحذاء إلى أن مات سنة (١٤١)، فكان ممن أدركه وحدث عنه: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ومات سنة (٢٠٤).
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: " إن المسلم إذا عاد أخاه لم في خرفة الجنة حتى يرجع " (٣).
فهذان روايان اتفقا في التحديث عن خالد الحذاء، وبين وفاتيهما (٩٤) سنة.
وهذا باب صنف فيه الحافظ الخطيب كتابًا سماه " السابق واللاحق " في
_________________
(١) السنن، لأبي داود (رقم: ١٠٣٩). وأشعث هو ابن عبد الملك الحمراني، ثقة، والإسناد صحيح، وفي قوله " ثم تشهَّد " كلام ليسَ هذا محله.
(٢) الإحسان في تقريب صحيح ابن حِبان (٦/ ٣٩٣) عقب الحديث المذكور (رقم: ٢٦٧٠).
(٣) المسند (٥/ ٢٨٣). والخُرفة في الأصل: حيث يُجتنى الثمر، كبستان النخيل.
[ ١ / ٩٣ ]
كثير منه نظر من جهة ذكر بعض الكذابين الذين ادعوا السماع ممن لم يدركوهم من الشيوخ.
والمقصود هنا أن تتفطن لورود مثل هذه الصورة ولا تستبعد وقوع مثل هذا الفارق في الزمن بين تلميذين لراو معين، أحدهما في واقع الأمر أعلى من طبقة الآخر بطبقتين، والجميع من الثقات والأسانيد إليهم صحيحة.
ما هو المرجع لمعرفة شيوخ الراوي وتلاميذه؟
الطريق للوقوف على ذكر أسماء شيوخ الراوي أو تلاميذه هو الرجوع إلى الكتب الجوامع في تراجم الرجال كمراجعك للمرحلة الأولى من البحث.
ومن أكثرها عناية بذلك " تهذيب الكمال " للمزي، فإنه يجتهد أن يستوعب شيوخ الراوي وتلاميذه، ممن وقعت له رواية من أولئك الشيوخ والتلاميذ عند الأئمة الستة أو غيرهم، إلا أن يكون الراوي روى عن الكثير جدًا من الشيوخ مثل: (أحمد بن حنبل)، أو روى عنه الكثير من التلاميذ كـ (أبي هريرة) فلا يأتي على استيعابهم.
فهو في التحقيق أنفعُ مرجع وأوثقه للتحقق من وقوع رواية المترجم عن شيخ ما، أو رواية عنه من تلميذ ما.
ومثل هذا البحث لا يفيدك فيه مجرد الرجوع إلى المختصرات في رواة الحديث، مثل كتاب " تقريب التهذيب " لابن حجر.
إذا كان إسنادك الذي تبحث عن رواته مخرجًا في الكتب الستة أو بعض مصنفات الأئمة الستة الأخرى التي جعلها المزي من شرطه في كتابه، كـ" السنن الكبرى " للنسائي، و" الأدب المفرد " للبخاري، و" الشمائل " للترمذي، وغيرها مما ذكره في مقدمة " التهذيب "، فهذا الإسناد ستجد في ترجمة كل راوٍ من رواته ذكر جميع شيوخه في نفس تلك الكتب، وجميع
[ ١ / ٩٤ ]
تلاميذه فيها كذلك، فيفسر لك المزي اسم الشيخ أو التلميذ بما يزيل الشبهة عنه.
وقد رتب ذلك ترتيبًا علميًا، فبدأ في كل ترجمة بذكر الشيوخ، فإذا ذكر التلاميذ، مرتبين على حروف المعجم: الأسماء، فالكنى، فالنساء.
ويرمز بعد اسم الشيخ أو التلميذ برمز من روى له من الأئمة الستة.
نعم؛ أنبهك إلى انضباط تلك الرموز غالبًا لا دائمًا.
ويزيد في أسماء الشيوخ والتلاميذ ما وقف عليه خارج الكتب التي على شرطه كذلك.
وهذا مثال بترجمة منه:
(محمد بن أبي حفصة، واسمه ميسرة، أبو سلمة البصري.
روى عن: علي بن زيد بن جُدعان، وعمرو بن دينار، وقتادة بن دعامة، ومحمد بن زياد الجمحي ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (خ م مد س)، وأبي جمرة الضبعيِّ.
روى عنه: إبراهيم بن طهمان (س)، وإسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، وحمَّاد بن زيد (مد)، ورَوْحُ بن عبادة (م)، وسعدان بن يحيى اللَّخمي (خ)، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك (خ م)، ومعاذُ بن معاذٍ، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو إسماعيل المؤدبُ، وأبو معاوية الضرير) (١).
تلاحظ كيف جاءت الأسماء مرتبة، ولا يكاد منها اسم إلا ويقع مثله في الأسانيد بعلامة لا تنبىء عن أمره بوضوح، فيأتيك في الأسانيد: ابن جدعان، وعمرو، وقتادة، وابن شهاب، أو الزهري، وأبو جمرة، وهكذا
_________________
(١) تهذيب الكمال (٢٥/ ٨٥ - ٨٦).
[ ١ / ٩٥ ]
في التلاميذ، فلو أنك نظرت في الإسناد فلم تجد فيه اسمًا أيسر للوقوف عليه من (محمد بن أبي حفصة) وعدت إلى ترجمته هذه لكفتك كثيرًا من الجهد للتعرف على شيخه وتلميذه.
ومن فائدة معرفة الشيوخ والتلاميذ كشف ما يقع من الغلط والتصحيف في أسماء الرواة، فعندك ههنا في شيوخ (ابن أبي حفصة): (أبو جمرة الضبعيُّ)، ويأتي في بعض الأسانيد غير منسوب، ويتصحف إلى (أبي حمزة) بالحاء المهملة أوله والزاي، فيشتبه مع بعض من هو في طبقته ممن يكنى بهذا ويأتي مهملًا من النسبة، فحين ترى في شيوخ الراوي: (روى عن أبي جمرة الضبعي) فإنه لا يبقى مجال للشك مع هذا التمييز.
ورأيت في الترجمة الرمز واقعًا بعد أسماء بعض الشيوخ والتلاميذ، لا بعد جميعها، فأما الشيوخ فلم يقع في الكتب الستة وما يتبعها على شرط " تهذيب الكمال " لابن أبي حفصة عنهم رواية إلا عن الزهري فقط، فله سبعة مواضع في الكتب المشار إليها، موضعان عند البخاري في " صحيحه " (خ) أحدهما من رواية عبد الله بن المبارك، والثاني من رواية سعدان بن يحيى عن ابن أبي حفصة، وعند مسلم في " صحيحه " (م) ثلاثة مواضع أحدهما من رواية ابن المبارك واثنان من رواية رَوْح بن عبادة عن ابن أبي حفصة، ومواضع عند أبي داود السجستاني في كتاب " المراسيل " (مد) من رواية حماد بن زيد عن ابن أبي حفصة (١)، ومواضع عند النسائي في " السنن الكبرى " (س)
من رواية إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي حفصة (٢)، وهو كل ماله عندهم من الأسانيد.
وجميع من بقي من شيوخه وتلاميذه تجد الرواية عنهم في غير الكتب
_________________
(١) المراسيل (رقم: ١٢٣).
(٢) السنن الكبرى (رقم: ٥٧٨٧) ووقع فيه نسبة (ابن أبي حفصة) إلى اسم أبيه (محمد بن ميسرة).
[ ١ / ٩٦ ]
الستة وتوابعها من كتب الأئمة الستة، لكن استحضر أن الأمر في مثلهم أن المزي لم يقصد استيعابهم كما قصد إلى استيعاب رواة ما كان من الكتب على شرطه.
ولا تجد كـ" تهذيب الكمال " كتابًا ينفعك في هذا، إلا ما صار إليه الناس اليوم من جمع المعلومات في أجهزة الحاسب الآلي، وعمل الدراسات في تمييز الرواة، فإنهم إذا أتقنوها وأحسنوها فقد كفوا هما عظيمًا.
ويبقى تمييز الشيوخ والتلاميذ للراوي الذي لم يترجم في " تهذيب الكمال " عن طريق الجوامع التي ألفت في تراجم الرواة، والتي أهمها كما تقدم في (مرحلة البحث الأولى): " تاريخ " البخاري و" الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم، ومن جرى على الترجمة على طريقتهما من الكتب اللاحقة، ككتب الثقات والضعفاء، أو كتب تراجم لمؤلفات مخصوصة كـ" تعجيل المنفعة " لابن حجر، أو غير ذلك مما قدمت لك ذكره أو وصفه في (المبحث السابق).